انتقام تحت التراب
على مدار 6 شهور كاملة وطاحنة، معركة الحضانا مكنتش مجرد جلسات وقضايا في المحكمة.. دي كانت مقتلة سياسية بتمويل ضخم جداً!
”طارق” – اللي بقى مرشح قوة لكرسي المحافظ – استخدم نفوذه ورجاله وإمبراطورية الإعلام بتاعته عشان يمسح كرامتي وسمعتي بالأرض. وفي الوقت اللي كانت أسهمه في الاستطلاعات بتطير في السما، كنت أنا عايشة في شقة إيجار بسيطة على أطراف المدينة، غرقانة في الديون ومصاريف العلاج.. كنت بتسحب في أنصاص الليالي وبدخل المستشفى من أسانسير الخدمات والمطبخ، بس عشان ألمس إيدين بناتي التلاتة الصغيرين جوة الحضّانات وأمسك صوابعهم الضعيفة.
كنا بنخسر كل حاجة.. والمحكمة كانت منصاعة تماماً ونفوذه السياسي عامي عين الكل.
وجي يوم الجلسة الحاسمة في صباح يوم تلات تلج.. وعلى طاولة الاجتماعات الطويلة، كان قاعد “طارق” بمنتهى البجاحة والغرور، شايف نفسه فوق القانون، لابس بدلته الكحلي الأنيقة ومش باين عليه أي تعب. والمحامي الشرس بتاعه شغال كلام ورغي عن “حالتي النفسية والعصبية المتردية”، ومستعد يجرّدني من حقوقي كأم للأبد.
غمضت عينيا، وكنت بحس بياأس وياكتمة نفس بتموتني في صدري.. ماببقاش معايا أي حاجة أحارب بيها.. هو خلاص هيكسب وياخد بناتي!
وفجأة… أبواب القاعة الزجاجية الثقيلة اتفتحت بعنف!
ودخلت منها مهندسة الخراب اللي دمرت حياتي: “مايسة”.. مديرة حملته وشريكته!
بس “مايسة” المرة دي مكنتش مديرة الحملة المغرورة والمنتصرة.. كانت بترتعش، وشها أصفر وملامحها مرعوبة وكأنها محاصرة في جحر.. ووراها على طول في الدخلة، اتنين رجال أمن ملامحهم زي الصخر، لابسين الجاكيتات الميرية الشهيرة وبصمات السلطة باينة عليهم!
”طارق” قام من طوله ومظهره المتلمع بدأ يتكسر حتة حتة وصرخ بصوت مفزوع:
“مايسة؟! إيه اللي جابك هنا؟! أنتي مش مجدولة في جلسة النهاردة خالص!”
”مايسة” مانطقتش بكلمة.. ولا حتى قدرت تحط عينها في عينه.. وبإيدين بترتعش، مشيت بثبات لحد وسط الطاولة الخشب الكبيرة، وحطت جهاز تسجيل صوتي ديجيتال صغير ولونه أسود على الخشب المتلمع…
”مايسة” ضغطت بأصبعها المرتعش على زرار التشغيل في جهاز التسجيل.. والصوت اللي طلع من السماع الصغير، هز أركان القاعة زي الزلزال!
مكنش مجرد تسجيل لطارق وهو بيهيني يوم الولادة.. لا! التسجيل كان أقدم من كده بكثير.. كان صوت “طارق” و”مايسة” من سنة كاملة، وهو بيفاوض رجل أعمال مشبوه عشان يمول حملته الانتخابية مقابل صفقات أراضي وتغطية على جريمة اختلاس ضخمة، والصدمة الأكبر.. إنه كان بيتفق معاهم على طريقة “يتخلص” بيها مني لو حاولت أقف في طريقه أو أكتشف سر الفلوس دي!
”طارق” وشه اتخطف وبقى زي الميتين، وصرخ في المحامي بتاعه: “قفل المهزلة دي فوراً! التسجيل ده مفبرك بالذكاء الاصطناعي!”
بس “مايسة” بصلته لأول مرة بصة كلها كره وندم، وقالت بصوت هادي ومجروح: “التسجيل مش مفبرك يا طارق.. والرجال اللي ورايا دول مش بتوع المباحث العامة.. دول من هيئة النيابة الإدارية ومكافحة الفساد.. أنا اللي سلمتهم كل المستندات والحسابات السرية من ساعتين!”
القاعة كلها اتكهربت! المحامي بتاع طارق لم أوراقه وانسحب في السكوت، و”طارق” اترمى على الكرسي ومش مصدق إن نهايته جاية على إيد أقرب حد ليه.
بس المفاجأة غير المتوقعة اللي قطعت نفس الكل…
”مايسة” لفت ناحيتي، ودمعة نزلت من عينها وهي بتقول: “أنا مكنتش جاية أنقذك يا أمل عشان ضميري صحي فجأة.. أنا عملت كده لأن ‘طارق’ كان بيجهزلي نفس المصيدة! اكتشفت إني كنت الكارت الجاي اللي هيضحي بيه عشان يغطي على جرائمه.. لكن الحقيقة اللي أنتِ ما تعرفيهاش يا أمل…”
أتنهدت بوجع وكملت: “بناتك التلاتة اللي في الحضّانة.. طارق مكنش خايف عليهم ولا كان عاوز ياخدهم عشان يستغلهم في الانتخابات بس.. البنات دول هم الورثة الوحيدين لتركة جدهم (أبوكي الله يرحمه) اللي طارق زور توقيعه قبل ما يموت واستولى عليها، ولو الحضوانة بقت معاكي، المحامي بتاعك هيحق له يفتح دفاتر التركة.. وطارق هيتسجن بقية عمره!”
في اللحظة دي، دخل رجال الشرطة والقاعة اتحولت لساحة ضبط.. الأكلبشات اتفلت في إيدين “طارق” اللي كان بيصرخ ويشتم زي المجنون وهو بيتجر لبرة، وجميع الكاميرات اللي كانت برة القاعة بتستنى خبر انتصاره، سجلت لحظة سحوله مقبوضاً عليه بتهم الفساد والتزوير وشروع في القتل!
بعد شهر واحد..
كنت قاعدة في جنينة بيتي البسيط، والشمس دافية، وعلى رجلي بناتي التلاتة بعد ما خرجوا من الحضّانة بصحة جيدة.. “نور”، و”أمل”، و”فريدة”.
”شيرين” أختي كانت ماسكة الجريدة اللي تصدرت غلافها صورة “طارق” بالبدلة الزرقا وهو داخل السجن الصبح..
بصيت للبنات وابتسمت بشرارة أمل جديدة.. “طارق” كان فاكر إن النفوذ والفلوس تقدر تشتري أي حاجة.. بس نسي إن دعوة أم مظلومة بينها وبين ربنا عمار، وإن العرش اللي بيتبنى على الوجع.. لازم يتهد على دماغ صاحبه!
مرت سنتين على اليوم ده..
الحياة ما رجعتش سهلة بلمسة ساحر، بس بقى ليها طعم تاني خالص. الإمبراطورية اللي “طارق” بناها على الظلم اتفتتت حتة حتة، وأملاكي ورثتها عن أبويا رجعتلي بالقانون بعد ما المحكمة كشفت التزوير.
في يوم دافي، كنت واقفة في صالة العرض الخاصة بيا.. أيوة، فتحت مؤسسة صغيرة لدعم النساء والأمهات المعيلات اللي بيتعرضوا للاستغلال العاطفي والقانوني. كانت الجدران متزينة بصور وفيديوهات لقصص نجاح أمهات قدروا يقفوا على رجليهم من تاني.
وفجأة، شيرين أختي دخلت عليا وهي ماسكة الموبايل وبتقول بابتسامة نصر: “أمل.. بوسي كده على الخبر ده.”
فتحت الشاشة، لقيت خبر صغير في صفحة الحوادث:
(رفض الطعن المقدم من المتهم ‘طارق’ وتأييد حكم السجن المشدد 15 سنة في قضايا الفساد والتزوير، مع إلزامه برد كافة المبالغ المستولى عليها).
تحت الخبر، كانت فيه صورة ليه بملابس السجن البيضا.. وش أصفر، شعر شاب قبل وقته، وعينين انطفت تماماً بعد ما كانت متكبرة ومبتطرحش غير القسوة.
في نفس اللحظة، سمعت صوت ضحكات يرن في المكان.. لفت وشي، لقيت بناتي التلاتة: “نور”، و”أمل”، و”فريدة”.. كبروا وبقوا بيمشوا وبيجروا ورا بعض في الصالة، وبصوتهم البريء بيصرخوا: “ماما.. بصي رسمنا إيه!”
قربت منهم ومسكت اللوحة اللي رسموها مع بعض؛ كانت رسمة بسيطة لبيت كبير وشمس طالعة، وأربع شخصيات ماسكين إيد بعض: أنا وهما التلاتة.
بصيت للسماء ودمعة دافية نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دمعة وجع ولا قهرة.. كانت دمعة امتنان. “طارق” كان فاكر إنه لما يرميني بنزف في الشارع، هيطفيني للأبد.. وما كانش يعرف إن الضربة اللي ما بتقتلش، بتصنع منك شخص أقوى، شخص يقدر يبني من الرماد حياة جديدة كلياً.
تمت