حماتي حكايات بسمه

حماتي كانت كل ما تشوفني راجعة من الشغل تقول لي نزلي شيفت زيادة يا بنتي ساعدي جوزك.
ولو قلت لها وأنا مهدودة
يا ماما أنا بشتغل 8 ساعات وبعدين برجع أطبخ وأنضف أنا تعبت.
كانت تبصلي ببرود وتقول
إنتِ مراته.
كأن كلمة مراته دي معناها إني لازم أشيل البيت كله فوق دماغي، وأصرف، وأشتغل، وأتحمل، وأفضل ساكتة.
الغريب إن نفس الست دي كانت بتتعامل مع ابنها بطريقة تانية خالص.
لما جوزي يرجع من شغله ويقول
أنا بفكر آخد شغل إضافي الشهر ده عشان نزود دخلنا.
كانت تقوم من مكانها وتقول
لأ يا حبيبي، إوعى تتعب نفسك. صحتك أهم.
وأنا أبقى واقفة في المطبخ، ماسكة طبق المواعين، وأبص لها من بعيد وأنا مش مصدقة.
مرة قلت لها
يعني أنا صحتي مش مهمة؟
بصتلي وقالت
إنتِ ست والست بتستحمل.
سكت.
مش عشان مقتنعة.
لكن عشان كنت بحاول أحافظ على بيتي.
جوزي كان عارف إني بشتغل كتير، وكان كل مرة يقول لي
معلش يا حبيبتي، الفترة دي وهتعدي.
وأنا كنت بصدقه.
كنت بصحى بدري، أنزل شغلي، أرجع أطبخ، أخلص طلبات البيت، وأحيانًا أرجع أنزل شيفت إضافي عشان أقدر أوفر فلوس أكتر.
حتى لما كنت بمرض، حماتي كانت تقول
استحملي شوية.
لكن لو ابنها عطس
تقوم الدنيا.
إنت تعبان؟
خد إجازة.
متضغطش على نفسك.
الشغل مش هيطير.
وفي يوم، رجعت من شغلي بدري على غير العادة.
دخلت البيت، ملقتش جوزي.
سمعت صوت حماتي وأخته في المطبخ.
قربت عشان أسلم عليهم، لكني سمعت اسمي.
وقفت مكاني.
أخته قالت
أنا مش فاهمة إنتِ ليه بتطلبي منها تشتغل زيادة كل يوم؟
حماتي ضحكت وقالت
عشان مصلحتنا.
مصلحتنا إزاي؟
قالت بمنتهى الهدوء
خليها تفضل تصرف عليه.
سكتت أخته.
وبعدين سألت
تقصدي إيه؟
حماتي ردت
ما هي طالما بتشتغل وبتدفع، ابني يوفر فلوسه لنفسه.
حسيت إن نفسي اتقطع.
لكنها كملت
وطول ما هي ساكتة محدش هيعرف حاجة.
أخته ضحكت وقالت
وإنتِ ضامنة إنها هتفضل ساكتة؟
حماتي ردت بثقة
دي بتحب أخوكي.
يعني؟
يعني هتخاف تخسره.
فضلت واقفة ورا الباب.
مش عارفة أعيط ولا أضحك.
كل التعب اللي كنت بعمله
كل مرة كنت بقول لنفسي دي فترة وهتعدي
كل مرة كنت بحرم نفسي من حاجة عشان أساعد جوزي
كانوا شايفينه فرصة.
مش تضحية.
فرصة.
دخلت المطبخ.
الاتنين سكتوا.
حماتي بصتلي.
إنتِ جيتي؟
قلت
أيوه.
وبصيت لأخته.
ممكن تعيدي اللي اتقال من شوية؟
وشها اصفر.
حماتي حاولت تضحك
إنتِ فهمتي غلط.
قلت
لأ، أنا سمعت كويس.
قربت منها.
أنا مراته، صح؟
قالت
أيوه.
وعشان أنا مراته لازم أشتغل زيادة؟
عشان تساعدي جوزك.
ابتسمت لأول مرة.
لكن ابتسامتي كانت مختلفة.
تمام.
سكتت.
من بكرة مش هشتغل ساعة زيادة.
إنتِ بتعاندي؟
لأ.
أمال؟
بحط حدود.
قالت بعصبية
وإنتِ فاكرة إن جوزك هيوافق؟
رديت
هنشوف.
رجعت البيت بالليل، وجوزي دخل وهو متوقع يلاقيني زي كل يوم بجهز له العشا.
لكنه لاقاني قاعدة قدامه.
حطيت قدامه ورقة.
قال
إيه دي؟
قلت
حساب مصاريف البيت آخر 6 شهور.
بص فيها.
وبعدين؟
من النهارده، كل واحد هيدفع نصيبه.
اتصدم.
إنتِ بتتكلمي جد؟
جدًا.
وماما قالت لك إيه؟
بصيت له.
مامتك قالت لي كتير.
سكت.
بس النهارده سمعت حاجة أهم.
إيه؟
قربت منه.
وقلت
سمعتها وهي بتقول لأختك إنها عايزاني أفضل أصرف عليك طول ما أنا ساكتة.
وشه اتغير.
وأنا لأول مرة ما خفتش من رد فعله.
لأني أخيرًا فهمت حاجة
السكوت اللي كنت فاكرة إنه بيحافظ على بيتي كان هو السبب اللي مخليهم مستمرين في استغلالي.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن
حكايات بسمه
اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن كشف المستور ما كانش مجرد ورقة ومواجهة بيني وبين جوزي، ده كان بداية لزلزال هيهد القناع اللي عاشوا يمثلوا بيه عليا سنين.
جوزي اللي كنت فاكراه سند ومخدوع زيي في كلام أمه سكت لحظة، وشه رفع ونزل، وبدأت عينيه تتنقل بين الورقة وبين عيني بثبات غريب.. ثبات ما كانش فيه أي ذرة صدمة أو اعتذار!
سمعتيها بتقول كده؟ قالها بمنتهى البرود وهو بيرمي الورقة على الترابيزة وطالما سمعتي يا ندى.. يبقى مالوش لازمة اللف والدوران. أيوة يا سيدي، أنا وماما متفقين على كده، وإيه المشكلة؟
أنا اتسمرت مكاني! ريقي جف والدم اتجمد في عروقي. كنت فاكرة إنه هيتكسف، هيعتذر، هيزعق لأمه.. بس هو كان عارف!
إنت.. إنت كنت عارف؟! صوتي خرج مرتعش وبالمقاطعة.
عارف وموافق! وقف وهو بيحط إيديه في جيوبه وقرب مني بستعلاء هو إنتِ فاكرة إن واحد بشهادتي ومقامي كان هيتجوز واحدة من مستواكي من غير ما يكون فيه مصلحة؟ إنتِ شغالة وبتاخدي مرتب محترم، بدال ما أروح أجيب واحدة تقعد في البيت تاكل وتشرب وتطلب.. اتجوزتك إنتِ عشان تشيلي معايا، أو بصراحة كده.. تشيلي عني! والفلوس اللي أنا بوفرها من شغلي بكتب بيها شهادات وأصول باسمي وباسم أمي عشان أأمن مستقبلي!
القلم كان أقوى من إني أصرخ.. الكلام نزل على دماغي زي مية مغلية.
يا ابن الحرامية.. همست بيها وأنا مش مصدقة حجم الندالة.
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح بمفتاح مع حماتي، ودخلت هي وأخته.. وشهم كان مليان شماتة وتحدي، كأنهم جايين يشوفوا المسرحية وهي بتنتهي لصالحهم.
حماتي قربت بثقة وحطت إيدها على كتف ابنها
أهو سمعتي بنفسك من ابن اختياري يا شاطرة.. عشان تبقي تعرفي إنك مالكيش أصل لما تتصنتِ على كلام الكبار! الشقة دي باسم ابني، وكل قرش وفره كان بمشورتي.. تحبي بقى تشيلي شنطة هدومك وتغوري على بيت أبويكي ولا تقعدي وتدفعي وإنتِ جزمة في رجلينا؟
أخته ضحكت بقلة أدب
سيبيهالها يا ماما.. دي فاكرة إن عشان معاها قرشين هتعمل علينا ست! ده إحنا اللي عملنالك قيمة!
فضلت باصة للثلاثة.. وجوه ملطخة بالاستغلال والقسوة.
كل لحظة نوم ات حرمت منها.. كل شيفت زيادة نزلت فيه وأنا بتموت من التعب.. كل أكلة طبختها وأنا مش قادرة أقف على رجلي.. مرت قدام عيني في ثواني.
بس الغضب لما بيوصل لمرحلة اليقين.. بيتحول لبرود يقطع الشرايين.
مسحت دموعي بإيدي.. وابتسمت. ابتسامة خلت حماتي ترجع خطوة لورا بخوف غير مفسر.
تمام أوي.. قلتها بصوت هادي جداً.
تمام إيه؟ جوزي سأل بشك.
تمام.. أنا هغور.
طلعت موبايلي من طقطوقة المطبخ،

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *