اتجوزت واحدة أصغر مني ب سنة... وبعد 7 شهور بس بقيت مستعد أهد بيتي الجديد كله عشان كلمة واحدة من طليقتي! أنا راجل مطلق وعندي طفلين، ولما اتجوزت للمرة التانية كنت فاكر إن الحياة أخيرًا بتديني فرصة جديدة. بعد طلاقي بسنة تقريبًا، أهلي وأصحابي فضلوا يقنعوني إني لازم أبدأ من جديد، وإن الحياة مبتقفش عند حد. وفعلًا اتجوزت بنت صغيرة عندها 24 سنة، جميلة ومحترمة وبنت ناس. يوم الفرح كنت حاسس إني رجعت للحياة. كل الناس كانت بتباركلي وتقولي ربنا يعوضك خير. اللي راح راح. ابدأ صفحة جديدة. وكنت مصدّق الكلام ده. أول شهر عدى كأنه حلم. ضحك وخروج وهزار وهدوء. لكن بعد كده بدأت أحس بحاجة غريبة. كل ما أدخل أوضة النوم أفتكر طليقتي. كل ما أفتح الدولاب أفتكر ريحة هدومها. كل ما أشوف ولادي أفتكر أيامنا مع بعض. في الأول قلت لنفسي طبيعي... دي عشرة سنين. لكن الذكريات كانت بتزيد مش بتقل. وفي يوم مراتي الجديدة قالتلي هو إنت زعلان مني؟ قولتلها لأ طبعًا. قالت أومال ليه حاسة إنك بعيد؟ ضحكت وغيّرت الموضوع. لكن الحقيقة إني كنت بعيد فعلًا. بعيد عنها... وبعيد عن نفسي. كنت كل يوم أقارن بينها وبين طليقتي. طريقة الكلام. طريقة الضحك. طريقة الاهتمام. حتى الأكل. وكل مرة كنت أكتشف إن المقارنة ظالمة. لأن مراتي الجديدة معملتش حاجة تستاهل. المشكلة كانت فيا أنا. في قلبي اللي لسه متعلق بالماضي. وفي يوم وأنا بدور على شوية ورق قديم، لقيت ألبوم صور ليا ولطليقتي. قعدت أتفرج عليه ساعة كاملة. ضحكة هنا. خناقة هناك. فسحة مع الولاد. صورة يوم عيد. صورة يوم ما استلمنا الشقة. وفجأة لقيت دموعي نازلة. ساعتها عرفت الحقيقة. أنا ما نسيتهاش. ولا حتى قربت أنساها. وفي نفس الليلة مراتي دخلت الأوضة وشافت الصور. بصتلي وسكتت. وبعدين قالت بهدوء إنت لسه بتحبها؟ اتجمدت مكاني. ومعرفتش أرد. قالت وهي بتحاول تمنع دموعها جاوبني. قولتلها مش عارف. ضحكت ضحكة كلها وجع وقالت لأ... إنت عارف. وسابت الأوضة ومشيت. أول مرة أحس إني شخص ظالم بالشكل ده. بنت ملهاش ذنب. دخلت حياتي وهي فاكرة إنها هتبني بيت. لكن أنا دخلتها بيت صاحبه لسه واقف عند باب قديم. فضلت أيام مش عارف أنام. وبقيت أفتكر كل حاجة حصلت بيني وبين أم أولادي. افتكرت إنها كانت واقفة جنبي وأنا ببدأ شغلي. افتكرت إنها باعت دهبها مرة عشان تساعدني. افتكرت إنها استحملت عصبيتي وغلطاتي. افتكرت إننا اتطلقنا بسبب مشاكل كان ممكن تتحل لو كان عندنا شوية صبر. وفي ليلة من الليالي مسكت الموبايل. دخلت على صفحتها. فضلت أبص على صورها كتير. وكان واضح إنها مكملة حياتها. لكن قلبي وقتها كان بيتقطع. كتبت رسالة ومسحتها. وكتبت غيرها ومسحتها. لحد ما قررت أكتب كل اللي جوايا. كتبت عارف إنك بتتابعي الصفحة دي... وعشانك أنا كمان بقيت أتابعها. أنا غلطت. وغلطت في حقك أكتر مما تتخيلي. كنت فاكر إني هعرف أنساكي. كنت فاكر إن الجواز هيخليني أبدأ من جديد. لكن الحقيقة إني كل يوم باكتشف قد إيه أنا مفتقدك. مفتقد صوتك. مفتقد خناقنا. مفتقد وجودك. مفتقد البيت اللي كان بيجمعنا. أنا ظلمت نفسي. وظلمت إنسانة ملهاش ذنب. لكن أكتر واحدة ظلمتها هي إنتِ. يا أسماء... أنا مستعد أصلح كل حاجة. مستعد أبدأ من الصفر. مستعد أعمل أي حاجة. بس ترجعي. قوليلي بس فيه أمل... وأنا هعمل المستحيل عشان نرجع أنا وإنتِ وولادنا أسرة من جديد. بعد ما بعت الرسالة قعدت أبص للموبايل بالساعات. كل دقيقة أفتح أشوف إذا كانت ردت ولا لأ. كل إشعار يخضني. كل رنة قلبى يدق معاها. وفجأة... ظهر إنها قريت الرسالة. لكن مفيش رد. عدى يوم. واتنين. وتلاتة. وأخيرًا في ليلة متأخرة جدًا... الموبايل رن. ولما بصيت على الشاشة... لقيت اسمها ظاهر قدامي. يتبع... كملت رنة التليفون وأنا إيدي بتترعش. بصيت للشاشة أكتر من مرة عشان أتأكد إني مش بتخيل. أسماء بتتصل... رديت بسرعة وقلبي هيطلع من مكانه. ألو... سكتت شوية. وبعدين قالت بصوت هادي إزيك؟ أول ما سمعت صوتها حسيت إن السنين كلها رجعت مرة واحدة. قولتلها الحمد لله... إنتِ عاملة إيه؟ قالت كويسة. وسكتنا. سكات طويل مليان كلام أكتر من أي حوار. وبعدين قالت قريت الرسالة. قولتلها بسرعة وأنا مستني ردك من يومها. قالت عارف أنا فضلت كام يوم بفكر قبل ما أكلمك؟ قد إيه؟ ثلاث ليالي ما نمتش. ساعتها حسيت إن فيه أمل. قلت يعني لسه في فرصة؟ ضحكت ضحكة حزينة وقالت إنت لسه زي ما أنت... عايز تسمع اللي يريحك بس. اتوترت. وقلت أنا بحبك يا أسماء. قالت متأكد؟ أيوة. ولا عشان اكتشفت إن الجوازة الجديدة مش زي ما كنت متخيل؟ الكلمة دي ضربتني في قلبي. لأول مرة معرفتش أرد. قالت أنا مش بديل يا أحمد. أنا عارف. ومش محطة ترجع لها لما تتعب. أنا غلطت. غلطت لما سبتني... وغلطت أكتر لما اتجوزت قبل ما تتأكد إنك نسيت. دموعي نزلت. وقولت أنا ندمان. قالت الندم مش دايمًا بيصلح اللي اتكسر. ساعتها حسيت إن كل حاجة بتضيع من إيدي. قلت بسرعة يعني خلاص؟ سكتت شوية. وبعدين قالت بصراحة؟ قولي. أنا سامحتك. اتنفست براحة لأول مرة. لكنها كملت بس السماح حاجة... والرجوع حاجة تانية. وقتها قلبي وقع. قالت بعد الطلاق أنا اتوجعت جدًا. عارف. لأ... إنت مش عارف. وسكتت ثواني. وبعدين قالت إنت كنت عندك حياة جديدة تبدأها... وأنا كنت بلم نفسي من على الأرض. مقدرتش أتكلم. قالت عارف أصعب حاجة كانت إيه؟ إيه؟ إني كنت مستنياك ترجع وقت ما كان لسه ينفع ترجع. سكتنا. قالت لكن دلوقتي فيه ناس اتظلمت بسبب قرارك. فهمت قصدها فورًا. مراتي الجديدة. البنت اللي ملهاش أي ذنب. قالت إنت دلوقتي مسؤول عن بيت وعن إنسانة وثقت فيك. بس أنا مش سعيد. وأنا كمان مكنتش سعيدة لما اتطلقت. الكلمات كانت قاسية... لكنها حقيقية. قالت السعادة مش إننا نهرب من أخطائنا. أعمل إيه؟ قالت صلح اللي تقدر تصلحه. يعني إنتِ مش هترجعي؟ سكتت. ثواني طويلة. وبعدين قالت لأ. الكلمة كانت بسيطة. لكنها كسرت حاجة جوايا. قالت أنا هفضل أم ولادك طول العمر. ... وهفضل أدعيلك ربنا يصلح حالك. ... بس إحنا صفحة واتقفلت. وبعدين أضافت ومتظلمش البنت اللي معاك... لأنها مش السبب في إنك لسه عايش في الماضي. وقبل ما تقفل قالت آخر جملة أحيانًا يا أحمد... أكبر عقاب للإنسان إنه يفهم قيمة الحاجة بعد ما يخسرها. وقفلت الخط. قعدت أبص للشاشة دقايق طويلة. وأول مرة أفهم إن بعض الأبواب لما بتتقفل... مبتتفتحش تاني. قومت من مكاني. بصيت حواليّا. بصيت للبيت. وبصيت للصورة اللي كانت مرمية قدامي. ولأول مرة... شيلتها وحطيتها في درج مقفول. مش عشان نسيت. لكن عشان فهمت إن الذكريات مينفعش تكون سجن لحد تاني. وروحت لمراتي. كانت قاعدة لوحدها في الصالة. بصتلي باستغراب. قولتلها ممكن نتكلم؟ قالت في إيه؟ قولتلها والدموع في عيني في حاجات كتير غلط عملتها... ولازم أصلحها. ومن يومها بدأت رحلة طويلة من الاعتذار وإصلاح اللي اتكسر. يمكن عمري ما أنسى أسماء. لكن اتعلمت درس عمره ما هيفارقني الحنين للماضي مش دليل حب دايمًا... ساعات بيكون مجرد ندم متأخر على حاجة ضيعناها بإيدينا..