سلفتي حكايات مني السيد

الست عايدة بمساعدينها والاتنين حراس فضلوا واقفين على الباب. أم رحاب دخلت تجري تولع البوتوجاز الصغير وتعمل قهوة مظبوطة على الريحة، وعينيها بتطق شرار فرحة وشماتة في شيرين اللي فضلت واقفة برا على العتبة مش عارفة تدخل ولا تمشي. الكبرياء منعها تمشي، والفضول والغيظ كان هيفرقع مخها، فقررت تدخل وراهم بوقاحة، تظاهرت إنها داخلة عادي عشان هي في الأول والآخر سلفتي وواحدة من العيلة.
الورشة كانت بسيطة، ترابيزة قص كبيرة خشب زان متبهدلة من كتر الشغل والطباشير، مكنتين خياطة قدام، ورولات قماش متستفة في الأركان. بس في وسط البساطة دي، كان في هيبة، هيبة المكان اللي بيطلع منه الشقا الصادق. الست عايدة قعدت على الكرسي الخيزران البسيط بعد ما أم رحاب مسحته بفوطة نضيفة، وحطت شنطتها الجلد الفاخرة على الترابيزة من غير أي ترفع ولا قرف.
شيرين وقفت ساندة ضهرها على رف البكر، عينيها عمالة تمسح المكان، وفجأة عينيها وقعت على جنب في الركن…
كان لسه في كرتونتين مقفولين من بتوع ال 30 طقم اللي اتلغوا. وعلى شماعة في الزاوية، كان متعلق الجاكيت الأوف وايت اللي كنت مفصلاه لشيرين نفسها، قبل ما تلغي الحجز وتكسر بخاطري. الفستان الفوشيا كان مفرود جنبه.
الست عايدة وهي بتفتح الملف بتاعها، لمحت الفستان والجاكيت بالصدفة. عينيها لقطت الشغل من أول نظرة، وسكتت فجأة، وقامت وقفت وقربت من الشماعة ببطء. مشت صوابعها الناعمة على تطريز زهور الياسمين اللي في ديل الفستان، وقلبت الجاكيت تبص على تقفيل البطانة وسجاف الياقة.
إيه ده يا عزة؟ الست عايدة سألت وهي مبهورة وعينيها بتلمع التقفيل ده مش شغل مكن عادي، ده شغل كوتور عالي جداً! والتطريز ده… تطريز ياسمين بلدي حرير على حرير، معمول بحساب دقيق ميتعملش غير بالمسطرة والبوصلة! مين صاحبة القطعة دي؟! دي تحفة فنية تستاهل تلبسها سفيرة!
شيرين في ثانية واحدة حست بنشوة كدابة، وشها نور وافتكرت إن ده وقت ترجع فيه هيبتها، فتحت بوقها بسرعة وقالت بنبرة فخر مصطنعة
ده بتاعي أنا يا فندم! ده عزة كانت بتفصلهولي مخصوص عشان حفلة عيد ميلاد حمايا المستشار عبد الرحيم الدالي… أصل إحنا بنحب دايماً التميز والحاجات الأوريجينال و…
وقبل ما شيرين تكمل كلامها التافه، الست عايدة قطعتها بذكاء وهي بتبصلي أنا، وقالت بحسرة
خسارة… خسارة قطعة زي دي تروح لحد ميعرفش قيمتها. أنا لما دخلت، شوفت في الشارع بنت لابسة بلوزة تانية من نفس الروح، ولما سألتها قالتلي إنك أديتهالها من غير تمن عشان تفرحها. القطع دي مينفعش يلبسها غير اللي قلبه أبيض ومقدر الفن اللي فيها.
شيرين حس الكلام ضربها في مقتل. الست عايدة كانت فهمت كل حاجة من نظراتنا ومن أسلوب شيرين المفضوح.
طلعت الست عايدة دفتر شيكات من شنطتها، وقلم حبر دهبي، وبصتلي بجدية
يا عزة، المعرض هيتعمل بعد شهرين في القاهرة، وبعدها هنطلع بيه على باريس وميلانو. أنا محتاجة منك خط إنتاج كامل باسمك عزة الدالي للتراث والأزياء الراقية. الجمعية هتتكفل بكل مصاريف الأقمشة، الخيوط، والعمالة اللي هتحتاجيها، والورشة دي لازم تتوسع وتتجدد وتبقى أتيليه رسمي يليق باسم مصر. والشيك ده دفعة أولى تحت الحساب، عشان تبدأي تجهزي ورشتك وتجيبي المكن الحديث وخاماتك من أحسن مصادر.
حطت الشيك قدامي على ترابيزة القص. الرقم اللي كان مكتوب فيه مكنش رقم قليل، كان رقم يغير حياة بني آدم ويبني ورشة جديدة من ساسها لراسها، رقم شيرين نفسها بجلالة قدرها متعرفش تطلعه من جيبها في حركة واحدة كده.
أم رحاب شهقت وفضلت تضرب على صدرها من الفرحة وتزغرد في سرها، وأنا عيني دمعت، مش عشان الفلوس، الفلوس بتروح وتيجي، بس عشان كرم ربنا وعوضه اللي جه في وقته، عشان ربنا مابيرضاش بالظلم ولا بكسرة الخاطر.
في اللحظة دي، تليفون شيرين رن. كان هشام، جوزها وأخو جوزي. طلعت برا الورشة بسرعة ترد عليه وهي بتترعش، وصوتها كان طالع عالي ومخنوق
أيوة يا هشام… إنت فين؟… لا ماخلصتش… هشام، إنت لازم تيجي حالاً ورشة عزة… بقولك تعالى وبطل كلام فارغ! الست عايدة البحيري هنا… أيوة عايدة البحيري بشحمها ولحمها! بتوقع معاها عقد ومعرض في باريس وبتقول عليها أسطى وفنانة عالمية! إنت فاهم ده معناه إيه في وسط عيلتنا وفي البيزنس بتاعك؟! تعالى بسرعة وكلمها قبل ما نطرد برا كل حاجة!
قفلت السكة مع جوزها ورجعت دخلت الورشة، بس المرة دي وشها كان متبدل تماماً. الغرور اتمسح، والنبرة العالية انكسرت، وبقى مكانها نظرة استعطاف ورجاء رخيص. قربت مني، مدت إيدها وحطتها على كتفي، وصوتها اتهز
عزة… يا حبيبتي يا عزة… إحنا برضه أهل وسلايف وأخوات قبل أي حاجة. إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه وبقدر تعبك، أنا بس اليومين اللي فاتوا كنت مضغوطة من دوشة العيد ميلاد وتجهيزات الفندق، ولساني فلت غصب عني… إنتي قلبك أبيض ومبتشيليش.
بصيت لإيدها اللي على كتفي، وبعدين بصيت في عينيها. شفت فيهم الخوف، الخوف من إن هشام يعرف إنها ضيعت عليهم فرصة زي دي، الخوف من إن حمايا يعرف إنها أهانتني ورفضت الهدوم عشان المظاهر، والخوف الأكبر إن شكلي أنا اللي كنت خياطة على قد حالي يبقى أعلى منها قدام مجتمعها اللي عايشة ترائيه طول عمرها.
شيلت

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *