قبل ماموت

قبل ما أموت بسبع أيام، بعت رسالة لرقم مش مسجلاه عندي، واعترفت فيها بحاجة عمري ما قدرت أقولها لأي حد أعرفه.
النهارده الدكتور قالي إن فاضلي سبع أيام بس في الدنيا.
ماكنتش مستنية رد، ولا حتى كنت متوقعة إن حد يهتم. بس اللي ماكنتش أعرفه إن رسالتي وصلت لآسر المنشاوي، أخطر زعيم مافيا في نيويورك… الراجل اللي كان بيتحكم في مصاير مئات الناس، واللي ماكنش يعرف إن رسالة واحدة من بنت غريبة هتدخّله في حكاية هتغيّر آخر أيام حياتها، وحياته هو كمان.
اسمي مريم الكارتَر، عندي واحد وتلاتين سنة، ولحد الضهر ده، كنت عايشة وأنا مقتنعة إن لسه قدامي وقت.
وقت أتعالج فيه وأخف. وقت أسافر وأشوف الدنيا. وقت أكمّل اللوحة اللي سايباها جنب شباك شقتي من شهور.
لحد ما الدكتور قفل الملف الطبي بتاعي، وبصلي بنظرة عمري ما هقدر أنساها.
قال بصوت هادي مليان أسف
يا مريم، أنا آسف… بس إحنا بنتكلم عن حوالي سبع أيام.
فضلت باصة له من غير ما أنطق. لساني اتربط، وكأن عقلي مش قادر يستوعب اللي سمعه.
سبع أيام!
سبع أيام مش كفاية حتى إني أودّع حياة لسه ماعشتهاش زي ما كنت بحلم.
سألني برفق
فيه حد يقدر ييجي ياخدك ويرجعك البيت؟
هزّيت راسي بالنفي، رغم إن موبايلي كان مليان أسامي ناس أعرفهم.
كان عندي قرايب، وصحاب من أيام المدرسة، وناس كانوا زمان بيحلفوا إنهم عمرهم ما هيسيبوني لو احتجتهم.
بس المرض لما طول معايا سنين، كل حاجة اتغيرت واحدة واحدة. المكالمات بقت أقل، والرسائل بقت أقصر، والسؤال عليّا بقى مجرد مجاملة من وقت للتاني… لحد ما جه يوم وبطّلوا يسألوا خالص.
ماكانش حد فيهم شرير، ولا حد قرر يتخلّى عني عن عمد. هم بس كملوا حياتهم، وأنا حياتي كانت بتصغر يوم ورا يوم، لحد ما بقيت حاسة إني محبوسة جواها لوحدي.
لمّيت أدويتي، وخرجت من المستشفى، وركبت تاكسي رجّعني لشقتي.
ولما فتحت الباب ودخلت، حسّيت إن السكوت المرة دي مختلف.
كان فيه إحساس غريب إن كل حاجة حواليا عارفة إني مش هرجع أشوفها كتير.
جنب الشباك، كانت واقفة لوحتي اللي ماكمّلتهاش.
كنت رسمت السما وقت الغروب من شهور، بدرجات البرتقالي والأحمر، لكن سيبت الميّه فاضية تمامًا. كنت دايمًا أقول لنفسي إني هكمّلها أول ما صحتي تتحسن.
كنت بأجّل كل حاجة لوقت أحسن.
لما أخف، هكمّل اللوحة.
لما أبقى أقوى، هسافر.
لما ظروفي تتحسن، هشتري الفرش الغالية اللي نفسي فيها.
ولما أبقى كويسة فعلًا، هبدأ أعيش بجد.
لكن دلوقتي، وأنا واقفة قدام اللوحة بمعطفي، ماكنتش حتى متأكدة إني هلحق أشوف غروب الشمس مرة كمان.
فضلت أبص حواليّا، وأفتكر كل الحاجات اللي أجّلتها، وكل اللحظات العادية اللي كنت فاكرة إنها هتستنانى لحد ما أبقى مستعدة أعيشها.
وبعدين مسكت موبايلي.
وسط الأسامي الكتير اللي عليه، عيني وقعت على رقم غريب كنت مسجلاه من سنين من غير اسم.
مافتكرتش الرقم ده بتاع مين، ولا حتى فاكرة إزاي وصل لموبايلي أصلًا.
يمكن عشان ماكنتش عارفة صاحبه، حسّيت إني أقدر أقوله الحقيقة من غير ما أخاف من نظرته ليا، أو من شفقته، أو من محاولاته إنه يطمني بكلام أنا نفسي ماعدتش مصدقاه.
فتحت المحادثة، وكتبت
أنا عارفة إن الرسالة دي غريبة، وأنا أصلًا مش عارفة إنت مين… بس النهارده عرفت إن فاضلي سبع أيام بس في الدنيا.
فضلت أبص للكلام مرتين، وإصبعي واقف فوق زر الإرسال.
كنت مكسوفة من نفسي، ومش فاهمة إزاي وصلت لدرجة إني بقيت محتاجة غريب يسمعني، حتى لو مش هيقدر يعمل أي حاجة.
لكن في الآخر، ضغطت إرسال.
وبعدين حطّيت الموبايل مقلوب على الترابيزة، كأني خايفة أشوف رد الفعل حتى لو جه.
اللي ماكنتش أعرفه إن رسالتي، في نفس اللحظة دي، كانت بتظهر على موبايل خاص موجود في مكتب فاخر في قلب نيويورك.
موبايل ماكانش أي حد يقدر يوصل له، ولا أي شخص يجرؤ أصلًا إنه يبعت عليه رسالة من غير إذن.
الموبايل ده كان بتاع آسر المنشاوي.
عنده أربعين سنة، وكان اسمه لوحده كفاية يخلي رجالة كبار ينزّلوا صوتهم وهم بيتكلموا عنه. كان مسيطر على إمبراطورية إجرامية ضخمة، واللي يقف في طريقه غالبًا ماكانش بيلاقي فرصة تانية يصلّح غلطته.
الناس اللي كانت بتتواصل معاه، كانت بتطلب فلوس، أو حماية، أو خدمة تمنها غالي.
لكن محدش قبل كده بعتله رسالة زي رسالتي.
في الوقت ده، كان قاعد ورا مكتبه، قصاده مجموعة من رجاله وشركائه، وبيناقشوا موضوع مهم.
وفجأة، شاشة موبايله نورت.
مد إيده، فتح الرسالة، وقراها مرة.
وبعدين قراها تاني.
ملامحه مااتغيرتش، لكن عينيه ثبتت على الشاشة بشكل خلّى واحد من الرجالة اللي قاعدين قدامه يسكت في نص كلامه.
آسر رفع إيده وقال بنبرة باردة
كلكم برّه.
محدش سأله ليه.
في ثواني، المكتب فضي، والباب اتقفل ورا آخر واحد خرج.
فضل آسر لوحده، باصص للرقم الغريب اللي بعتله الرسالة.
مفيش طلب فلوس.
مفيش تهديد.
مفيش محاولة ابتزاز، ولا حتى تفسير لسبب إن بنت بتقول إنها بتموت اختارت تبعتله هو بالذات.
وده كان أغرب جزء في الموضوع كله.
آسر كان متعود إن الناس تكذب عليه عشان مصلحة، وتترجاه عشان تنجو، وتخبي عنه الحقيقة خوفًا منه.
لكن الرسالة دي ماكانش فيها أي حاجة من دول.
كانت مجرد اعتراف صغير، من إنسانة غريبة، بتقول إنها هتموت بعد سبع أيام.
ولأول مرة من وقت طويل، حسّ إن فيه حاجة مش قادر يتجاهلها.
وفي اللحظة دي، وأنا قاعدة لوحدي في شقتي، وسط أدويتي ولوحتي اللي ماكمّلتهاش، سمعت صوت الموبايل وهو بيهتز.
قلبي دق بسرعة.
مدّيت إيدي وأنا متوقعة ألاقي إشعار عادي، أو رسالة دعائية ملهاش أي لازمة.
لكن لما بصيت للشاشة، لقيت رسالة جاية من نفس الرقم اللي بعتله.
فتحتها وأنا مش عارفة إن الشخص اللي على الطرف التاني أخطر رجل ممكن أكون دخلت حياته بالصدفة.
كانت رسالته قصيرة، لكن أول ما قريتها، حسّيت إن الدنيا كلها وقفت للحظة.
لأن الراجل اللي الناس كلها كانت بتخاف حتى تنطق اسمه، كان على وشك يرد على بنت غريبة… بطريقة عمرها ما كانت تتخيلها.
واللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن الرسالة دي ماكانتش مجرد رد عابر.
دي كانت بداية حكاية هتغيّر آخر سبع أيام في حياتي، وهتخلّي الراجل اللي عمره ما اهتم بحياة حد غير نفسه، يواجه سرّ من ماضيه كان فاكر إنه اتدفن للأبد.
والحكاية الحقيقية لسه ما بدأتش…
سبع أيام قبل النهاية… والرسالة اللي غيّرت مصير أخطر رجل في نيويورك
اليوم الأول الرد اللي ماكنتش أتخيله
فتحت الرسالة وإيدي بتترعش.
كان مكتوب فيها
الدكتور قالك سبع أيام بناءً على إيه؟ تحاليل؟ أشعة؟ ولا قالك كده ومشي؟
فضلت باصة للشاشة باستغراب.
ده مش رد شخص بيواسي واحدة غريبة. ده رد شخص بيتعامل مع كلامي كأنه قضية لازم يحقق فيها.
كتبتله
إنت مين أصلًا؟ وليه مهتم؟
الرد جه بعد ثواني.
اسمي آسر. ومش هقدر أقولك ليه مهتم قبل ما أعرف إنتِ متأكدة من اللي قاله الدكتور ولا لأ.
اتنهدت، وحسيت بشوية غضب.
أنا مش محتاجة حد يشكك في كلام الدكتور. أنا عايزة حد يسمعني بس، مش أكتر.
المرة دي اتأخر في الرد.
وبعدين كتب
تمام. احكيلي عن نفسك.
مش عارفة ليه، لكن السؤال البسيط ده خلاني أعيط.
يمكن عشان بقالى سنين محدش سألني السؤال ده من غير ما يكون مستني إجابة محددة، أو مستعجل يقفل المكالمة.
كتبتله إني عندي واحد وتلاتين سنة، وإني كنت بحب الرسم، وإن المرض سرق مني شغلي وصحتي ومعظم الناس اللي كانوا حواليا. حكيتله عن اللوحة اللي جنب الشباك، وعن السفر اللي عمري ما سافرتُه، وعن خوفي من إني أموت من غير ما حد يفتكرني.
ماحكيتلوش كل حاجة، لكن حكيت أكتر مما كنت متخيلة.
ولما خلصت، كتبت
آسفة إني رميت عليك كل ده. مش عارفة إنت مين، ومش عارفة ليه اخترت الرقم ده بالذات.
رد عليّا
يمكن لأنك ماكنتيش محتاجة حد يعرفك. كنتِ محتاجة حد يسمعك من غير ما يحكم عليكي.
الجملة دي خلتني أسكت.
وبعد دقيقة، بعت رسالة تانية
ابعتيلي اسم المستشفى، واسم الدكتور، والتشخيص المكتوب في التقرير. لو مش عايزة، مش هضغط عليكي.
اترددت.
جزء مني كان عايز يقفل المحادثة ويعتبرها لحظة ضعف وعدّت. لكن جزء تاني افتكر إن مفيش حاجة أخسرها.
بعتله صورة التقرير الطبي.
وبعدها قفلت الموبايل، وروحت نمت وأنا بعيط.
ماعرفتش إن آسر، في نفس اللحظة، كان واقف في مكتبه، بيقرا التقرير مرة ورا مرة.
دخل عليه رجله اليمين، فؤاد، وسأله
في حاجة يا باشا؟
آسر رفع عينه ببطء.
عايزك تتصل بالمستشفى دي. من غير تهديد، ومن غير ما حد يعرف أنا مين. عايز مراجعة مستقلة للحالة، وبأسرع وقت.
فؤاد اتفاجئ.
حالة مين؟
آسر بصله نظرة خلته يندم إنه سأل.
واحدة ملهاش ذنب إنها تموت وهي لسه فاكرة إن مفيش حد في الدنيا سامعها.
اليوم الثاني أول كذبة في التقرير
صحيت الصبح على رنة الموبايل.
رقم مجهول.
رديت بصوت مبحوح
ألو؟
أستاذة مريم؟ مع حضرتك دكتور شريف من مركز متخصص في أمراض الدم. فيه مراجعة عاجلة لحالتك، ومحتاجين نشوفك النهارده لو تقدري.
قعدت على السرير.
مراجعة إيه؟ أنا لسه خارجة من المستشفى امبارح!
عارفين يا فندم. بس فيه نقطة في التقرير محتاجة تتراجع، والطبيب المعالج وافق على إعادة التقييم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
لبست ونزلت، وروحت المركز.
بعد كام ساعة من الفحوصات، دخل عليّا الدكتور شريف ومعاه ملف كبير.
قعد قدامي وقال
يا مريم، أنا عارف إن الكلام اللي هقوله مش سهل، بس لازم أكون واضح معاكي.
مسكت طرف الكرسي.
اتفضل.
حالتك فعلًا خطيرة، ومحتاجة تدخل عاجل. لكن مفيش في النتائج اللي قدامنا دليل كافي يخلينا نقول إن فاضلك سبع أيام تحديدًا.
حسيت إن الأرض بتتحرك من

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *