قبل ماموت
ملامحه اتكسرت.
مد إيده، ووقفها في نص الطريق، كأنه خايف يلمسني من غير إذني.
أنا اللي مسكت إيده.
أنا مش عايزة أموت.
شد على إيدي برفق.
يبقى هنحارب عشان تعيشي. يوم بيوم. من غير وعود كدابة.
وفي نفس اليوم، بدأنا الإجراءات الطبية اللازمة، وقرر الأطباء خطة العلاج المناسبة بعد مراجعة حالتي بالكامل.
لكن وأنا خارجة من المركز، وصل لآسر اتصال من فؤاد.
سمعته بيقول
يا باشا، الدكتور اختفى من المستشفى. ولقينا إنه حاول يسحب فلوس من حساب شركة مرتبطة برجال أعمال ليهم علاقات قديمة بعيلة المنشاوي.
آسر سكت.
وبعدين قال
محدش يقرب منه. كل الأدلة تتسلم للشرطة والجهات المختصة. أنا عايز الحقيقة، مش انتقام.
قفل المكالمة، وبصلي.
فيه ناس هتحاول تخوفك لما تعرف إنك بتسألي.
وأنا أعمل إيه؟
تفضلي عايشة حياتك. وماتخليش خوفك يسوقك.
كانت أول مرة أحس إن الجملة دي مش مجرد نصيحة.
كانت فرصة.
اليوم السادس الليلة اللي اختفى فيها آسر
بدأ العلاج، وكانت الأيام صعبة أكتر مما توقعت.
فيه ساعات كنت بحس فيها إني قادرة أقوم وأرسم، وساعات تانية كنت ببقى عاجزة حتى عن إني أفتح عيني.
آسر كان بيكلمني كل يوم.
أحيانًا كان بيبعت رسالة قصيرة يسألني عن أكلي، وأحيانًا كان يقعد معايا بالساعات من غير ما نتكلم.
وفي إحدى الليالي، وأنا قاعدة على السرير، سألته
هو إنت ليه عايش لوحدك؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
عشان كنت فاكر إن لو محدش قرب مني، محدش هيقدر يوجعني.
ونجحت؟
بصلي.
لأ.
سكتنا شوية.
وبعدين قلتله
أنا كنت فاكرة إن الناس اللي بتبعد عني بتبعد عشان أنا تعبانة. لكن يمكن بعضهم كان مش عارف يتعامل مع مرضي، وبعضهم كان أناني، وبعضهم كان فعلًا مشغول بحياته. مش هقدر أعرف كل الأسباب.
وده معناه إيه؟
معناه إني مش عايزة أقضي اللي باقي من عمري بكره الناس. حتى لو عمري قصير.
آسر نزل عينه.
أنا قضيت عمري كله بكره ناس كتير.
طب جرّب تبطّل.
ضحك بهدوء.
بتدي نصايح خطيرة يا مريم.
وإنت اللي بتسمع كلام بنت غريبة بقالك ست أيام.
لأول مرة، ضحك من قلبه.
لكن في نفس الليلة، حصلت حاجة ماكنتش متوقعاها.
آسر اختفى.
اتصلت بيه مرة، واتنين، وعشرة. مفيش رد.
بعتله رسالة، وماوصلش أي رد.
بعد ساعات، ظهر فؤاد عند باب أوضتي.
وشه كان متوتر.
أستاذة مريم، أنا لازم أقول لحضرتك حاجة.
قلبي انقبض.
آسر حصله حاجة؟
فؤاد سكت شوية.
فيه ناس من رجال الأعمال اللي كان بيحقق في علاقاتهم بالشركة، حاولوا يضغطوا عليه عشان يوقف التحقيق. هو راح يقابلهم بنفسه، ومن ساعتها تليفونه مقفول.
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
يعني إيه؟ هو راح لهم لوحده؟
هو مش لوحده تمامًا، بس إحنا مش عارفين مكانه لحد دلوقتي.
كنت خايفة عليه، رغم إني كنت عارفة إن الراجل ده عاش سنين وسط عالم خطير.
لكن خوفي المرة دي كان مختلف.
ماكانش خوفي من زعيم مافيا.
كان خوفي من الإنسان الوحيد اللي خلاني أحس إن وجودي لسه مهم.
بعد شوية، جالي إشعار برسالة من رقم مجهول.
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن آسر، اسألي عن ملف ليلى الأصلي. مش كل اللي قالهولك صحيح.
فضلت باصة للرسالة.
وبعدين لاحظت إن فيها مرفق.
صورة لورقة قديمة، عليها اسم أمي، وتوقيع شخص من عيلة المنشاوي.
وفي أسفل الورقة، كان فيه سطر واضح
المتبرعة سارة عبدالسلام هي صاحبة الحق في إدارة المرسم الخيري بعد وفاة ليلى.
لكن أمي ماتت من سنين، وأنا عمري ما سمعت عن مرسم خيري.
مين بعت الرسالة؟
وليه دلوقتي؟
اتصلت بفؤاد، وبعتله الصورة.
بعد عشر دقايق، رجعلي الاتصال.
أستاذة مريم، لازم حضرتك تسمعيني كويس. الورقة دي أصلية، بس فيه صفحة ناقصة من الملف. الصفحة اللي بتوضح مين استولى على أموال المرسم بعد وفاة ليلى.
وإيه علاقة ده باختفاء آسر؟
لأن آسر من كام يوم اكتشف إن الشخص اللي كان مسؤول عن الحسابات زمان، لسه عايش، ولسه عنده نفوذ. والشخص ده مش عايز الحقيقة تظهر.
حسيت إن الحكاية بقت أكبر من مجرد تقرير طبي.
كان فيه سر قديم، وفلوس اختفت، وناس بتحاول تدفن الحقيقة من عشرين سنة.
والأخطر من ده كله، إن آسر ممكن يكون دخل مواجهة بسبب السر ده.
قررت إني مش هقعد مستنية.
طلبت من فؤاد يتواصل مع محامي مستقل، ويسلّم كل الأدلة للشرطة.
وبعدين فتحت اللابتوب، وبدأت أدور في الملفات القديمة اللي كانت خالتي نوال سايباها عندي.
كنت فاكرة إنها مجرد أوراق وصور عائلية.
لكن في آخر صندوق، لقيت جوابًا بخط أمي، مكتوب قبل وفاتها بشهر واحد.
وكان أول سطر فيه
يا مريم، لو في يوم قابلتي حد من عيلة المنشاوي، ماتخافيش منه قبل ما تعرفي الحقيقة. بس ماتثقيش في حد لمجرد إنه بيقول إنه بيحميكي.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
أمي كانت تعرف إن فيه سر.
لكنها كانت بتحذرني من الثقة العمياء.
طويت الجواب، وحطيته في شنطتي.
وقررت إني هعرف الحقيقة بنفسي.
اليوم السابع الحقيقة اللي قلبت كل حاجة
صحيت الصبح وأنا حاسة بتعب شديد.
كان اليوم السابع.
اليوم اللي كنت فاكرة إنه آخر يوم في حياتي.
لكن بدل ما أستسلم، طلبت من المحامي ييجي يقابلني، وورّيته كل الأوراق.
بعد مراجعة سريعة، قال إن المستندات ممكن تكون دليل مهم في قضية الاستيلاء على أموال المرسم، وإنه لازم يقدّمها للجهات المختصة بدل ما نحاول نواجه أي حد بنفسنا.
وبالفعل، سلّمنا المستندات للشرطة.
وبعد ساعات، اتصل فؤاد.
لقينا الأستاذ آسر.
قلبي دق بعنف.
هو فين؟ كويس؟
هو بخير، لكنه اتعرض لمحاولة احتجاز من ناس كانوا عايزين ياخدوا منه ملف قديم. الشرطة تدخلت بعد ما وصلهم بلاغ من واحد من رجاله.
غمضت عيني من الراحة.
أنا عايزة أشوفه.
هو جاي لحضرتك.
بعد ساعة، الباب اتفتح.
آسر دخل، ووشه كان مرهق، وفيه جرح صغير فوق حاجبه.
قمت من مكاني بسرعة، لكن جسمي مااستحملش، فاضطريت أسند نفسي على الكرسي.
هو جري ناحيتي.
مريم! إنتِ كويسة؟
مسكت دراعه.
أنا كويسة. إنت اللي كنت فين؟! إنت عارف أنا كنت مرعوبة عليك قد إيه؟
بصلي باستغراب، وكأنه ماكانش متوقع إني أكون خايفة عليه بالشكل ده.
وبعدين قال
أنا آسف.
كانت أول مرة أسمع منه اعتذارًا من غير ما يحاول يبرر نفسه.
قعد جنبي، وحكى لي اللي حصل.
الشخص اللي كان مسؤول عن حسابات المرسم زمان، واسمه فريد السيوفي، كان استولى على جزء كبير من أموال المؤسسة بعد وفاة ليلى، واستغل نفوذه عشان يخفي المستندات.
ومع مرور السنين، بقى عنده مصالح في شركات طبية، من بينها الشركة اللي كانت على علاقة مالية بالدكتور اللي شخّص حالتي.
لكن حتى في اللحظة دي، آسر كان حريصًا إنه مايتهمش حد من غير أدلة كافية.
الشرطة كانت بتراجع المستندات والتحويلات المالية، والمحامي قدّم كل حاجة بشكل رسمي.
سألته
وإنت ليه دخلت نفسك في الموضوع ده بالشكل ده؟
بصلي طويلًا.
عشان كنت فاكر إن لو رجعت الفلوس، هكون كده صلحت اللي حصل لأختي. لكن لما عرفتك، فهمت إن الموضوع مش فلوس وبس. فيه ناس اتسرق منها حقها في إنها تختار، وفيه ناس اتقالها إن مفيش أمل، من غير ما حد يديها فرصة تفهم الحقيقة.
سكت، وبعدين كمل
وأنا مش عايز أكون الشخص اللي بياخد القرار بدل الناس. حتى لو كنت فاكر إني بعمل ده عشان أحميهم.
افتكرت كلام أمي.
ماتثقيش في حد لمجرد إنه بيقول إنه بيحميكي.
وبصيت لآسر.
أنا مش عايزاك تحميني من الدنيا كلها. أنا عايزاك تكون صريح معايا، حتى لو الحقيقة صعبة.
هز راسه.
أوعدك.
في اللحظة دي، رن موبايله.
كان اتصال من المحامي.
بعد ما قفل، بصلي وقال
فيه خبر مهم. الشركة الطبية وافقت تسلّم السجلات المطلوبة للتحقيق، والدكتور المعالج الأول بقى تحت التحقيق بسبب تناقضات في التقارير. لكن لازم نسيب الجهات المختصة تثبت كل حاجة.
هزيت راسي.
المهم إن محدش يقدر يقرر إني هموت في سبع أيام من غير ما يفهمني حالتي ويديني حقي في العلاج.
آسر مسك إيدي.
بالظبط.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه جوايا.
آسر، إنت كنت تعرف رقمي منين؟
وشه اتغير.
سكت فترة طويلة، وبعدين قال
من عشر سنين، أختي ليلى كانت عاملة قائمة بأسماء الأطفال اللي كانت نفسها تساعدهم في المرسم. اسم والدتك كان موجود في القائمة، ومعاه رقم قديم ليها.
فتح موبايله، وورّاني نسخة من الملف.
الرقم اللي بعتتي عليه كان رقم مخصص للمؤسسة الخيرية القديمة. بعد وفاة ليلى، اتنقل لعيلة المنشاوي، وبعدها بقى ضمن أرقام التواصل الخاصة بيا.
بصيتله بذهول.
يعني أنا بعت الرسالة لرقم كان بتاع مؤسسة أختك؟
أيوه. وأنا ماكنتش أعرف إنك بنت سارة، ولا إنك مرتبطة بالقصة دي، غير لما شوفت توقيعك على اللوحة.
فهمت وقتها إن الرسالة ماوصلتش له لأنه كان بيدور عليّا.
وصلت له بالصدفة.
لكن الصدفة دي فتحت باب كان مقفول من عشرين سنة.
والأغرب إن أمي، من غير ما تعرف، كانت سايبة لي طريق يوصلني للحقيقة.
بعد سبع أيام المعجزة اللي ماحدش وعدني بيها
عدّى اليوم السابع.
صحيت الصبح، وفتحت عيني.
كنت لسه هنا.
ماكانش ده معناه إني بقيت سليمة، ولا إن المرض اختفى فجأة، ولا إن كل مخاوفي انتهت.
لكن الأطباء كانوا قدروا يحددوا خطة علاج مناسبة لحالتي، وبدأنا نمشي فيها خطوة بخطوة.
وفي أول مراجعة بعد أسبوع، الدكتور شريف قاللي إن فيه مؤشرات مشجعة، وإن استجابتي الأولية للعلاج تستحق إننا نكمل.
ماوعدنيش إني هخف.
ماقالش إن اللي جاي سهل.
لكنه قال جملة عمري ما هنساها
إحنا لسه عندنا أسباب نحارب، يا مريم.
عيطت من الفرحة.
مش عشان ضمنت إني هعيش سنين طويلة.
لكن عشان أخيرًا بقيت عارفة إن عندي فرصة حقيقية.
فرصة ماكانش من حقي أتنازل عنها لمجرد إن حد قاللي إن النهاية قربت.
بعد شهرين اللوحة