عرفت بقلم محمد عبده

والدك.
وليه ما قلتليش؟
لأنني كنت غاضبًا منك وقتها.
نظرت إليه باستنكار.
غاضب مني لدرجة إنك تخبي عني خطر بالشكل ده؟
خفض عينيه.
كنت أنانيًا.
ثم أضاف
وفي الوقت نفسه، بدأت علاقتي بريم. وأنا عارف إن ده شيء ما ينفعش أبرره.
لم أرد.
تابع
لكن لما بدأت أشوف صورك عند محمود، خفت يحصل لك شيء. حاولت أراقبه وأعرف هو عايز إيه.
قلت
وإيه اللي كان عايزه؟
فتح كريم جهاز الكمبيوتر، وأظهر لي ملفًا يحتوي على مستندات قديمة.
قال
والدك قبل وفاته اكتشف إن محمود كان بيحوّل جزءًا من أموال الشركة لحسابات خاصة. والدك كان ناوي يبلغ عنه.
قلبت الصفحات بيد مرتجفة.
لكن والدي مات قبل ما يعمل كده.
بالضبط.
سكت للحظة، ثم قال
والأخطر إن والدك ترك نسخة من الأدلة عند شخص واحد فقط.
سألته
مين؟
قال
المحامي القديم.
فجأة تذكرت شيئًا.
قبل وفاة والدي بأيام، كان قد أخبرني أن هناك أوراقًا مهمة يجب أن أحافظ عليها، لكنه لم يخبرني أين وضعها.
قلت
أنا عندي مفتاح صندوق قديم.
رفع كريم رأسه.
صندوق إيه؟
صندوق أمانات باسم والدي.
نظر إليّ بدهشة.
إنتِ عندك المفتاح؟
أخرجته من درج صغير في غرفتي.
كان مفتاحًا قديمًا احتفظت به لسنوات دون أن أعرف أهميته.
قال كريم
ده ممكن يكون السبب اللي مخلي محمود يراقبك.
وقبل أن نكمل، وصلتنا رسالة على هاتفي.
رقم مجهول.
فتحتها.
كان مكتوبًا
لو فتحتِ الصندوق، هتعرفي مين خان والدك.
ثم وصلت صورة أخرى.
كانت صورة لوالدي مع ثلاثة رجال.
تعرفت على أحدهم فورًا.
كان المحامي.
أما الرجل الثالث…
فكان والد كريم.
تجمدت في مكاني.
نظرت إلى كريم.
إيه علاقة والدك بأبويا؟
لم يجب.
كريم!
قال أخيرًا
أنا ما كنتش

أعرف.
لكنني لم أصدقه تمامًا.
قلت
يمكن أنت فعلًا ما كنتش تعرف… لكن عيلتك كانت تعرف.
وفجأة سمعنا طرقًا على الباب الخارجي.
ذهب أحد الضيوف ليفتح.
وبعد ثوانٍ عاد وهو يقول
فيه راجل بره بيسأل على سارة.
خرجت إلى المدخل.
كان رجلًا مسنًا يحمل حقيبة جلدية.
نظر إليّ وقال
أنا كنت محامي والدك.
شعرت بقلبي يتوقف.
إنت؟
هز رأسه.
كنت منتظرك من سنين.
ثم نظر إلى كريم.
وتغير وجهه.
قال
لكن وجود ابن عائلة منصور هنا… بيغير كل حاجة.
قلت
قول لي الحقيقة.
فتح الرجل حقيبته وأخرج ملفًا سميكًا.
والدك ما ماتش وهو مطمئن.
ثم أضاف
كان يعرف أن أحد أفراد عائلته سيحاول سرقة كل شيء.
سألته
مين؟
نظر إلى كريم.
ثم إليّ.
وقال
والد كريم.
ساد الصمت.
شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي.
لكن قبل أن أستوعب كلامه، أخرج المحامي ورقة أخيرة.
ودي أهم ورقة.
مدها نحوي.
قرأت أول سطر…
ثم شعرت بصدمة أكبر.
لأن الورقة كانت تحمل توقيع والدي، وتحت التوقيع مباشرة كان مكتوبًا
إذا حدث لي شيء، فابنتي سارة هي الوحيدة التي تملك الحق في معرفة الحقيقة.
رفعت عيني إلى كريم.
لكن كريم لم يكن ينظر إليّ.
كان ينظر إلى الباب.
لأن محمود كان واقفًا في الخارج.
وفي يده مسدس.
وقال
واضح إن الوقت خلص.
يتبع…
تجمد الجميع في أماكنهم.
كان محمود واقفًا عند البوابة، لكنه لم يرفع السلاح باتجاه أحد. ظل ممسكًا به إلى جواره، وكأنه يريد فقط أن يخيفنا.
قال بصوت هادئ
محدش يتحرك.
تقدّم كريم خطوة أمامي.
محمود، الموضوع انتهى.
ضحك محمود.
انتهى؟ أنت آخر واحد يتكلم عن النهاية يا كريم.
ثم نظر إلى المحامي.
كان المفروض تموت الأسرار مع صاحبها.
قال المحامي
أنت متأخر يا محمود. سارة عرفت كل شيء.
نظر محمود إليّ.
لا. هي لسه ما تعرفش أهم حاجة.
شعرت بقلبي يخفق بعنف.
قلت
إذن قلها.
اقترب قليلًا، ثم قال
أبوك ما كانش ضحية كاملة زي ما كنتِ فاكرة.
ساد الصمت.
ماذا تقصد؟
قال
والدك اكتشف الاختلاس، صحيح. لكنه قبل وفاته اتفق مع والد كريم على إعادة جزء من الأموال بطريقة سرية.
نظرت إلى كريم.
هل ده صحيح؟
هز رأسه بسرعة.
أنا ما كنتش أعرف.
أخرج محمود مستندًا آخر.
والدك كان ناوي يسلّم الأدلة للشرطة، لكنه خاف على سمعة العائلة. لذلك أخفى المستندات وكتب وصية سرية.
قال المحامي
وهذه الوصية هي التي احتفظت بها لسنوات.
ثم نظر إليّ.
والدك ترك لكِ كل شيء، لكنه وضع شرطًا.
فتحت الورقة.
كان هناك بند واضح
لا تنتقل ملكية بعض الأصول إلى سارة إلا بعد كشف الحقيقة الكاملة عن الأموال المسروقة.
فهمت فجأة لماذا كان محمود يلاحقني.
لم يكن يريد قتلي.
كان يريد الأوراق.
قلت
أنت كنت تراقبني لأنك كنت تريد الوصول إلى الصندوق.
ابتسم محمود.
وأخيرًا فهمتِ.
ثم نظر إلى كريم.
لكن كريم كان عقبة.
قال كريم
أنت حاولت تستغلني.
رد محمود
وأنت كنت سعيدًا بذلك طالما كنت تحصل على نصيبك.
شهقت.
التفتُّ إلى كريم.
نصيبك؟
قال بسرعة
لا! أنا لم آخذ أي أموال منه.
أخرج محمود هاتفه.
عندي تحويلات تثبت غير كده.
تقدم المحامي وقال
دعني أرى.
أعطاه محمود الهاتف.
بعد لحظات، قال المحامي
هذه التحويلات ليست إلى كريم.
نظر محمود إليه بدهشة.
ماذا؟
أشار المحامي إلى الأرقام.
الحساب باسم شركة، وليس باسم كريم.
ثم التفت إليّ.
والشركة مسجلة باسم…
توقف.
قلت
مين؟
نظر إلى كريم.
والد كريم.
ساد الصمت.
اتضح أن كريم لم يكن شريكًا في السرقة.
كان والده هو من تلقى الأموال.
أما كريم، فكان قد اكتشف الحقيقة قبل أشهر، لكنه أخفاها عني بسبب خيانته وخوفه من انهيار عائلته.
قلت له
كنت تقدر تقول لي الحقيقة من البداية.
قال بصوت منكسر
عارف.
لكن بدل ما تقولها، خنتني.
أطرق رأسه.
عارف.
نظرت إلى ريم، التي كانت تقف بعيدًا وتبكي بصمت.
ثم عدت إلى كريم.
أنا مش هسامحك.
رفع عينيه.
وأنا مش طالب منك تسامحيني.
كان صوته صادقًا للمرة الأولى طوال تلك الليلة.
ثم التفتُّ إلى المحامي.
ماذا نفعل الآن؟
قال
نذهب إلى الشرطة، ونقدم كل المستندات.
نظر محمود إلى الباب، وكأنه أدرك أن اللعبة انتهت.
لكن قبل أن يتحرك، سمعنا صوت سيارات تقترب من الشارع.
توقفت سيارتان أمام المنزل.
ونزل منهما رجال الشرطة.
كان المحامي قد أبلغهم قبل وصوله.
تراجع محمود خطوة.
ثم وضع السلاح على الأرض ورفع يديه.
انتهى كل شيء.
بعد ساعات، عندما خلت الحديقة من الضيوف، جلست وحدي أمام كعكة عيد ميلادي التي لم ألمسها.
كان اليوم الذي ظننته بداية عام جديد من حياتي قد أصبح نهاية زواج استمر تسع سنوات.
لكنني لم أشعر بالهزيمة.
شعرت بشيء آخر.
التحرر.
وفي الصباح، بدأت إجراءات
الانفصال.
أما ريم، فقد اختفت من حياة كريم تمامًا.
وبعد عدة أشهر، ظهرت الحقيقة كاملة أمام المحكمة، وتمت استعادة الأموال التي اختفت من شركة والدي.
أما كريم، فقد خرج من حياتي نهائيًا.
وقبل أن يغادر المنزل للمرة الأخيرة، وقف عند الباب وقال
سارة… أتمنى في يوم من الأيام تعرفي إني ندمت.
نظرت إليه وقلت
أنا عرفت قيمتي متأخر، لكني عرفتها.
ثم أغلقت الباب.
وبعد عام كامل، احتفلت بعيد ميلادي مرة أخرى.
هذه المرة لم أدعُ كريم.
ولم أدعُ ريم.
ولم أحتج إلى الانتقام من أحد.
لأنني أدركت أن أفضل نهاية للخيانة ليست أن تجعل من خانك يتألم…
بل أن تستعيد حياتك، وتعيشها من دونه.
النهاية.
تمت حكايات محمد عبده

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *