عندما تحولت حفلة عيد ميلادي إلى فضيحة وبعد دقائق، صرخت فجأة ماذا يحدث لي؟! ثم اندفعت نحو حمام السباحة وقفزت إليه دون تردد. ظل الجميع يحدقون بها في ذهول، لكن زوجي نظر مباشرةً إليّ. ومن التعبير الذي ارتسم على وجهه، أدركت أنه عرف تمامًا ما فعلته. كنت متأكدة أن تلك الملابس لم تكن لي في اللحظة التي وجدت فيها الإيصال داخل سترة زوجي. اسمي سارة منصور، أبلغ من العمر سبعة وثلاثين عامًا، وكنت متزوجة من كريم منذ تسع سنوات. كان الإيصال صادرًا عن متجر فاخر في وسط الإسكندرية، وكان يحتوي على قطعة من الملابس الداخلية المصنوعة من الدانتيل الأسود، مقاس صغير. أما مقاسي فكان متوسطًا. عندما عاد كريم إلى المنزل، لم أقل شيئًا. منذ أسابيع، كنت أشعر بأنه يخونني. لكنني لم أكن أملك دليلًا حقيقيًا. والآن، أصبح لدي دليل على وجود امرأة أخرى في حياته، حتى لو لم أكن أعرف من تكون. بعد يومين فقط، اكتشفت الحقيقة. ترك كريم جهازه اللوحي مفتوحًا فوق طاولة المطبخ، وفجأة ظهرت رسالة من إحدى زميلاته في العمل، ريم عبدالسلام. لا أستطيع الانتظار حتى أرتدي هديتك يوم السبت. كان يوم السبت هو عيد ميلادي. كنت قد دعوت ما يقرب من ثلاثين شخصًا إلى منزلنا لحفلة في الحديقة الخلفية. وكانت ريم من ضمن المدعوين. غضبي جعلني أفقد قدرتي على التفكير بعقلانية. وفي ذلك المساء، عثرت على حقيبة المتجر مخبأة داخل خزانة كريم. فتحتها، فوجدت الملابس الداخلية بداخلها. وبتصرف اندفاعي، أخذت مسحوقًا يسبب الحكة كنت أحتفظ به منذ سنوات ضمن أدوات المقالب القديمة، ونثرته على القماش. كان تصرفًا تافهًا. بل كان غبيًا. لكنني في تلك اللحظة كنت أريد أن تشعر ريم ولو بجزء بسيط من الإهانة التي شعرت بها. وجاء يوم السبت. وصلت ريم إلى الحفلة وهي ترتدي فستانًا أنيقًا وضيقًا. وعندما رآها كريم، لم يستطع إخفاء تعبير وجهه. ذلك التعبير أكد لي كل شيء. أثناء العشاء، ظل الاثنان يتبادلان النظرات من حين لآخر. ثم بدأت ريم تتحرك في مقعدها بعدم ارتياح. وبعد دقائق، اعتذرت وذهبت بعيدًا. لكنها عادت بعد قليل وهي تبدو أكثر توترًا وانزعاجًا. همست وهي تحاول فهم ما يحدث ماذا يحدث لي؟ اقترب منها كريم بسرعة. هل أنتِ بخير؟ صرخت لا! وفجأة، ركضت ريم عبر فناء المنزل. وقبل أن يفهم أحد ما يحدث، قفزت بكامل ملابسها داخل حمام السباحة. صرخ الضيوف في ذعر. واندفع كريم نحوها. أما أنا، فبقيت واقفة في مكاني بجوار كعكة عيد ميلادي، وكأن قدميّ التصقتا بالأرض. خرجت ريم من حمام السباحة وهي غاضبة ومحرجة للغاية. ثم رفعت عينيها نحوي مباشرة. وأشارت إليّ وهي تصرخ أنتِ! ساد الصمت في الحديقة. استدار كريم نحوي ببطء. وقال بصوت غاضب ماذا فعلتِ يا سارة؟ كان قلبي يخفق بعنف. كان بإمكاني أن أكذب. لكنني قررت ألا أفعل. نظرت إلى كريم وقلت بهدوء قبل أن تسألني عما فعلت، ربما عليك أولًا أن تشرح لنا لماذا ترتدي زميلتك الملابس الداخلية التي اشتريتها لها سرًا. سقط كأس العصير من يد أمي، وتحطم على الأرض. لكن ريم صرخت بجملة واحدة، كانت كفيلة بتدمير ما تبقى من زواجي لأن زوجك أخبرني أنه سيتركك الليلة! يتبع في التعليقات لم أتحرك من مكاني. ظل الجميع ينظرون إليّ ثم إلى كريم، وكأنهم ينتظرون مني أن أنفجر. لكنني كنت قد تجاوزت مرحلة الغضب. قلت بهدوء إذن كنت تنوي تركي الليلة؟ لم يجب كريم. وهذا الصمت كان كافيًا. اقتربت منه خطوة، وقلت منذ متى وأنت تخطط لهذا؟ رفع عينيه نحوي وقال سارة، الموضوع ليس كما تظنين. ضحكت بمرارة. ليس كما أظن؟ زوجتيأعني زوجييشتري ملابس لامرأة أخرى، وهي تقف أمام عائلتي وتقول إنك وعدتها بأن تتركني الليلة، ثم تقول لي إن الأمر ليس كما أظن؟ بدأ بعض الضيوف يتبادلون النظرات. أما أمي، فكانت تنظر إلى كريم بغضب شديد. قالت ريم كريم أخبرني أن زواجه انتهى منذ فترة، وأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة ليخبرك. التفتُّ إلى كريم. هل هذا صحيح؟ ظل صامتًا. ثم قال أخيرًا كنت سأخبرك بعد الحفلة. شعرت وكأن شيئًا باردًا مر داخل صدري. تسع سنوات من الزواج. تسع سنوات من الذكريات والوعود والخطط. وكان يريد أن ينهي كل شيء في ليلة عيد ميلادي. قلت لماذا بعد الحفلة؟ لماذا لم تخبرني قبل أن تدعوها إلى منزلي؟ خفض رأسه. لكن ريم لم تنتظر. قالت بغضب لأنه قال إن المنزل سيكون لي بعد أن تنفصلا! ساد الصمت مرة أخرى. نظرت إلى كريم، ثم إلى ريم. وفي تلك اللحظة أدركت أن هناك شيئًا آخر لا أعرفه. قلت منزلي؟ ماذا تقصدين؟ ترددت ريم للحظة. ثم قالت قال إن المنزل مسجل باسمه، وإنك لن تحصلي على شيء منه. شعرت بصدمة حقيقية. التفتُّ إلى كريم. أخبرتها أن المنزل ملكك؟ قال بسرعة سارة، كنت غاضبًا، ولم أكن أقصد قاطعته لا. أجبني. لم يجد ما يقوله. ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الألم. ثم قلت إذن أنت لم تكن تخطط لترك زواجنا فقط... كنت تخطط أيضًا لإخراجي من منزلي. اقتربت أمي مني وأمسكت بيدي. قالت سارة، هل هناك شيء آخر لا نعرفه؟ نظرت إليها. ثم نظرت إلى كريم. وقلت نعم. وهناك شيء واحد لم يعرفه كريم حتى الآن. تغير وجهه. ماذا تقصدين؟ أخرجت هاتفي من حقيبتي. فتحت ملفًا كنت أحتفظ به منذ أسابيع. ثم وضعت الهاتف أمامه. قبل أن تشتري لها هذه الهدية، كنت قد اكتشفت كل شيء. تجمد مكانه. كل رسائلكم. كل التحويلات. وكل ما كنت تخفيه عني. ثم أضفت والأهم من ذلك... اكتشفت لمن تعود ملكية المنزل فعلًا. تغير وجه كريم تمامًا. ولأول مرة في تلك الليلة، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه. قلت هل تريد أن أخبر الجميع الآن؟ لم يجب. وهنا أدركت أن نهاية زواجي لم تكن نهاية قصتي... بل كانت بداية كشف سر أكبر بكثير. يتبع... لم أجب فورًا. ظل كريم واقفًا أمامي، ووجهه شاحب، بينما كان جميع من في الحديقة ينتظرون ما سأقوله. قلت بهدوء المنزل لمحة نيوز ليس باسمك يا كريم. رفع رأسه بسرعة. ماذا؟ أخرجت من حقيبتي ملفًا صغيرًا، وفتحته أمامه. منذ ثلاثة أسابيع، عندما بدأت أشك فيك، راجعت أوراق المنزل. واكتشفت شيئًا لم تخبرني به. تقدم كريم نحوي. سارة، اسمعيني... رفعت يدي. لا تقترب. ثم التفتُّ إلى الجميع وقلت هذا المنزل اشتريته أنا قبل زواجنا بعام. كريم ساعدني فقط في بعض الإجراءات، لكنه ليس المالك. شهقت أمي. أما ريم فحدقت في كريم بدهشة. لكنك قلت لي إن المنزل منزلك! صرخ كريم ريم، اخرسي! ابتسمت بسخرية. الآن تريد منها أن تصمت؟ طوال الأشهر الماضية كنت تكذب عليها، والآن تريدها أن تصمت؟ بدأت ريم تفهم أنها ربما لم تكن تعرف الحقيقة كاملة. قالت قال لي إنكِ لا تعملين، وإن كل شيء باسمه. أجبتها كنت أعمل طوال سنوات زواجنا، وكنت أضع جزءًا كبيرًا من دخلي في حساب ادخار خاص. ثم نظرت إلى كريم. والحساب الذي كنت تحاول الوصول إليه منذ أشهر؟ ما زال موجودًا. تغير وجهه. قال كيف عرفتِ؟ لأنني كنت أعرف أنك ستفعلها. ساد الصمت. ثم أخرجت هاتفي وعرضت على الشاشة صورًا لرسائله وتحويلاته المالية. كان قد استخدم جزءًا من أموالنا المشتركة لدفع إيجار شقة جديدة. شقة كان ينوي الانتقال إليها مع ريم بعد طلاقي. ريم وضعت يدها على فمها. كنت ستأخذ أموال زوجتك أيضًا؟ لم يجب. عندها قلت الآن فهمت لماذا كنت مستعجلًا على تركي. اقتربت ريم من كريم. هل كنت تكذب عليّ طوال هذا الوقت؟ ظل صامتًا. صفعته الحقيقة أكثر مما كانت ستفعل أي كلمة. ثم قالت ريم بصوت مرتجف أنت أخبرتني أنك تحبني. رد كريم كنت سأتركها من أجلك. ضحكت ريم بمرارة. لا... كنت ستتركني أيضًا عندما تجد امرأة أخرى. ثم خلعت خاتمًا صغيرًا كان قد أعطاه لها، وألقته أمامه. انتهى كل شيء. نظر كريم إلى الأرض. أما أنا، فشعرت لأول مرة منذ أسابيع أنني أستطيع التنفس. لكن قبل أن يغادر أحد، رن هاتفي. كان اتصالًا من المحامي. ابتعدت قليلًا عن الضيوف وأجبت. قال سارة، وصلتني المستندات التي أرسلتِها. لكن هناك مشكلة. تجمدت. ما المشكلة؟ قال وجدنا تحويلًا ماليًا آخر باسم كريم... والأمر أخطر مما توقعنا. نظرت إلى كريم. كان يراقبني من بعيد. ثم سألته ماذا فعلت أيضًا يا كريم؟ رفع عينيه نحوي. ولأول مرة، لم يحاول الإنكار. قال بصوت منخفض كنت أحاول حمايتك. توقفت أنفاسي. تحميني من ماذا؟ نظر حوله، ثم قال من الشخص الذي كان يراقبك منذ أشهر. يتبع... شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. مين كان بيراقبني؟ كريم لم يجب. اقتربت منه خطوة وقلت إنت قلت إنك كنت بتحاول تحميني. من مين؟ نظر إلى الضيوف الموجودين حولنا، ثم أشار إلى غرفة المعيشة. دخلنا إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفنا. قلت بعصبية اتكلم. أخرج كريم هاتفه وفتح مجموعة من الصور. كانت صورًا لي وأنا أخرج من عملي. صورة لي أمام أحد المقاهي. وصورة أخرى وأنا أقود سيارتي. تجمدت في مكاني. مين اللي صورني؟ قال كريم أنا اكتشفت الصور دي من حوالي شهرين. وليه ما قلتليش؟ لأني خفت. خفت على إيه؟ تنهد وقال لأن الشخص اللي كان بيراقبك مش غريب. فتح صورة أخيرة. كانت الصورة لرجل يقف أمام المبنى الذي أعمل فيه. عرفته فورًا. كان محمود، ابن عمي الذي لم أره منذ سنوات. قلت بدهشة محمود؟ مستحيل. قال كريم أنا كنت فاكر في الأول إنه بيراقبك بسببي. عشان كده بدأت أحقق وراه. حدقت فيه. وإيه اللي اكتشفته؟ قال اكتشفت إنه كان بيدور على أوراق والدك. تغير وجهي. كان والدي قد توفي قبل سنوات، وترك وراءه بعض الممتلكات التي لم أتحدث عنها كثيرًا. قلت أوراق والدي؟ ليه؟ أخرج كريم ملفًا آخر من درج مكتبه. لأن والدك قبل وفاته كان شريكًا في شركة قديمة، وفيه مستندات تثبت إن فيه أموال وممتلكات اختفت من الشركة. فتحت الملف بسرعة. كانت هناك نسخ من عقود قديمة وأسماء وتحويلات مالية. ثم رأيت اسمًا جعل الدم يتجمد في عروقي. محمود منصور. قلت محمود كان شريكًا مع والدي؟ هز كريم رأسه. وأنا اكتشفت كمان إن فيه شخص تاني كان متورط. مين؟ رفع عينيه نحوي. أنا. تراجعت خطوة. إنت؟ قال بسرعة اسمعيني. أنا ما سرقتش منك أي حاجة. صرخت إذن ليه اسمك موجود في المستندات؟ لأني كنت أحاول أرجع لك حقك. ضحكت بسخرية. بعد كل اللي عملته النهارده، عايزني أصدق إنك كنت بتحميني؟ خفض رأسه. أنا غلطت في حاجات كتير، سارة. خنت ثقتك، وخدعتك، وكنت فعلًا ناوي أطلب الطلاق. لكن موضوع محمود مختلف. ظللت صامتة. ثم سألته طيب إيه اللي حصل الليلة؟ قال كنت ناوي أقولك الحقيقة بعد الحفلة. أي حقيقة؟ إن محمود عرف إنك اكتشفتي المستندات. شعرت بالخوف. عرف إزاي؟ كريم نظر إلى هاتفي. ثم قال لأن حد قريب منك كان بينقل له أخبارك. شعرت بصدمة. حد قريب مني؟ هز رأسه. أيوه. وفجأة، سمعنا صوت ارتطام قوي من الخارج. ركضنا إلى الحديقة. كان الجميع واقفًا في حالة ذهول. أما باب البوابة الخارجية فكان مفتوحًا. وعلى الأرض، أمام المدخل، كان هناك ظرف أبيض. اقتربت منه ببطء. كان مكتوبًا عليه اسمي. فتحت الظرف. وجدت بداخله صورة حديثة لي. وعلى ظهرها جملة واحدة كان لازم تسمعي كلامي من البداية... والليلة لسه ما خلصتش. نظرت إلى كريم. هذه المرة، لم يكن هناك أي شك في عينيه. كان خائفًا فعلًا. ثم رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. وتغير وجهه تمامًا. سألته مين؟ أجاب بصوت منخفض محمود. ثم فتح المكالمة. جاء صوت من الطرف الآخر لو عايز سارة تفضل بخير... ابعد عن الشرطة، وتعال لوحدك. وانقطع الاتصال. نظرت إلى كريم وقلت إنت مش هتروح لوحدك. رفع عينيه نحوي. قلت بحزم المرة دي، إحنا هنواجهه سوا. ولأول مرة منذ بداية هذه الكارثة، أصبح لدينا هدف واحد... معرفة الحقيقة كاملة، قبل أن يصل محمود إلينا. يتبع... لم تمر سوى دقائق حتى تحولت حفلة عيد ميلادي إلى شيء يشبه ساحة تحقيق. طلبت من أمي أن تجمع الضيوف وتغلق البوابة، بينما أخذت أنا كريم إلى غرفة المكتب. قلت له دلوقتي هتحكيلي كل حاجة من البداية. من غير كذب. جلس كريم أمامي، وبدا عليه الإرهاق. قال من حوالي أربعة أشهر، اكتشفت إن محمود كان بيحاول يوصل لملفات والدك القديمة. في البداية ما اهتمتش، لكن بعدين لقيت إنه حاول يدخل إلى مكتب المحامي اللي كان ماسك أوراق والدك. وليه ما قلتليش؟ لأنني كنت غاضبًا منك وقتها. نظرت إليه باستنكار. غاضب مني لدرجة إنك تخبي عني خطر بالشكل ده؟ خفض عينيه. كنت أنانيًا. ثم أضاف وفي الوقت نفسه، بدأت علاقتي بريم. وأنا عارف إن ده شيء ما ينفعش أبرره. لم أرد. تابع لكن لما بدأت أشوف صورك عند محمود، خفت يحصل لك شيء. حاولت أراقبه وأعرف هو عايز إيه. قلت وإيه اللي كان عايزه؟ فتح كريم جهاز الكمبيوتر، وأظهر لي ملفًا يحتوي على مستندات قديمة. قال والدك قبل وفاته اكتشف إن محمود كان بيحوّل جزءًا من أموال الشركة لحسابات خاصة. والدك كان ناوي يبلغ عنه. قلبت الصفحات بيد مرتجفة. لكن والدي مات قبل ما يعمل كده. بالضبط. سكت للحظة، ثم قال والأخطر إن والدك ترك نسخة من الأدلة عند شخص واحد فقط. سألته مين؟ قال المحامي القديم. فجأة تذكرت شيئًا. قبل وفاة والدي بأيام، كان قد أخبرني أن هناك أوراقًا مهمة يجب أن أحافظ عليها، لكنه لم يخبرني أين وضعها. قلت أنا عندي مفتاح صندوق قديم. رفع كريم رأسه. صندوق إيه؟ صندوق أمانات باسم والدي. نظر إليّ بدهشة. إنتِ عندك المفتاح؟ أخرجته من درج صغير في غرفتي. كان مفتاحًا قديمًا احتفظت به لسنوات دون أن أعرف أهميته. قال كريم ده ممكن يكون السبب اللي مخلي محمود يراقبك. وقبل أن نكمل، وصلتنا رسالة على هاتفي. رقم مجهول. فتحتها. كان مكتوبًا لو فتحتِ الصندوق، هتعرفي مين خان والدك. ثم وصلت صورة أخرى. كانت صورة لوالدي مع ثلاثة رجال. تعرفت على أحدهم فورًا. كان المحامي. أما الرجل الثالث... فكان والد كريم. تجمدت في مكاني. نظرت إلى كريم. إيه علاقة والدك بأبويا؟ لم يجب. كريم! قال أخيرًا أنا ما كنتش أعرف. لكنني لم أصدقه تمامًا. قلت يمكن أنت فعلًا ما كنتش تعرف... لكن عيلتك كانت تعرف. وفجأة سمعنا طرقًا على الباب الخارجي. ذهب أحد الضيوف ليفتح. وبعد ثوانٍ عاد وهو يقول فيه راجل بره بيسأل على سارة. خرجت إلى المدخل. كان رجلًا مسنًا يحمل حقيبة جلدية. نظر إليّ وقال أنا كنت محامي والدك. شعرت بقلبي يتوقف. إنت؟ هز رأسه. كنت منتظرك من سنين. ثم نظر إلى كريم. وتغير وجهه. قال لكن وجود ابن عائلة منصور هنا... بيغير كل حاجة. قلت قول لي الحقيقة. فتح الرجل حقيبته وأخرج ملفًا سميكًا. والدك ما ماتش وهو مطمئن. ثم أضاف كان يعرف أن أحد أفراد عائلته سيحاول سرقة كل شيء. سألته مين؟ نظر إلى كريم. ثم إليّ. وقال والد كريم. ساد الصمت. شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي. لكن قبل أن أستوعب كلامه، أخرج المحامي ورقة أخيرة. ودي أهم ورقة. مدها نحوي. قرأت أول سطر... ثم شعرت بصدمة أكبر. لأن الورقة كانت تحمل توقيع والدي، وتحت التوقيع مباشرة كان مكتوبًا إذا حدث لي شيء، فابنتي سارة هي الوحيدة التي تملك الحق في معرفة الحقيقة. رفعت عيني إلى كريم. لكن كريم لم يكن ينظر إليّ. كان ينظر إلى الباب. لأن محمود كان واقفًا في الخارج. وفي يده مسدس. وقال واضح إن الوقت خلص. يتبع... تجمد الجميع في أماكنهم. كان محمود واقفًا عند البوابة، لكنه لم يرفع السلاح باتجاه أحد. ظل ممسكًا به إلى جواره، وكأنه يريد فقط أن يخيفنا. قال بصوت هادئ محدش يتحرك. تقدّم كريم خطوة أمامي. محمود، الموضوع انتهى. ضحك محمود. انتهى؟ أنت آخر واحد يتكلم عن النهاية يا كريم. ثم نظر إلى المحامي. كان المفروض تموت الأسرار مع صاحبها. قال المحامي أنت متأخر يا محمود. سارة عرفت كل شيء. نظر محمود إليّ. لا. هي لسه ما تعرفش أهم حاجة. شعرت بقلبي يخفق بعنف. قلت إذن قلها. اقترب قليلًا، ثم قال أبوك ما كانش ضحية كاملة زي ما كنتِ فاكرة. ساد الصمت. ماذا تقصد؟ قال والدك اكتشف الاختلاس، صحيح. لكنه قبل وفاته اتفق مع والد كريم على إعادة جزء من الأموال بطريقة سرية. نظرت إلى كريم. هل ده صحيح؟ هز رأسه بسرعة. أنا ما كنتش أعرف. أخرج محمود مستندًا آخر. والدك كان ناوي يسلّم الأدلة للشرطة، لكنه خاف على سمعة العائلة. لذلك أخفى المستندات وكتب وصية سرية. قال المحامي وهذه الوصية هي التي احتفظت بها لسنوات. ثم نظر إليّ. والدك ترك لكِ كل شيء، لكنه وضع شرطًا. فتحت الورقة. كان هناك بند واضح لا تنتقل ملكية بعض الأصول إلى سارة إلا بعد كشف الحقيقة الكاملة عن الأموال المسروقة. فهمت فجأة لماذا كان محمود يلاحقني. لم يكن يريد قتلي. كان يريد الأوراق. قلت أنت كنت تراقبني لأنك كنت تريد الوصول إلى الصندوق. ابتسم محمود. وأخيرًا فهمتِ. ثم نظر إلى كريم. لكن كريم كان عقبة. قال كريم أنت حاولت تستغلني. رد محمود وأنت كنت سعيدًا بذلك طالما كنت تحصل على نصيبك. شهقت. التفتُّ إلى كريم. نصيبك؟ قال بسرعة لا! أنا لم آخذ أي أموال منه. أخرج محمود هاتفه. عندي تحويلات تثبت غير كده. تقدم المحامي وقال دعني أرى. أعطاه محمود الهاتف. بعد لحظات، قال المحامي هذه التحويلات ليست إلى كريم. نظر محمود إليه بدهشة. ماذا؟ أشار المحامي إلى الأرقام. الحساب باسم شركة، وليس باسم كريم. ثم التفت إليّ. والشركة مسجلة باسم... توقف. قلت مين؟ نظر إلى كريم. والد كريم. ساد الصمت. اتضح أن كريم لم يكن شريكًا في السرقة. كان والده هو من تلقى الأموال. أما كريم، فكان قد اكتشف الحقيقة قبل أشهر، لكنه أخفاها عني بسبب خيانته وخوفه من انهيار عائلته. قلت له كنت تقدر تقول لي الحقيقة من البداية. قال بصوت منكسر عارف. لكن بدل ما تقولها، خنتني. أطرق رأسه. عارف. نظرت إلى ريم، التي كانت تقف بعيدًا وتبكي بصمت. ثم عدت إلى كريم. أنا مش هسامحك. رفع عينيه. وأنا مش طالب منك تسامحيني. كان صوته صادقًا للمرة الأولى طوال تلك الليلة. ثم التفتُّ إلى المحامي. ماذا نفعل الآن؟ قال نذهب إلى الشرطة، ونقدم كل المستندات. نظر محمود إلى الباب، وكأنه أدرك أن اللعبة انتهت. لكن قبل أن يتحرك، سمعنا صوت سيارات تقترب من الشارع. توقفت سيارتان أمام المنزل. ونزل منهما رجال الشرطة. كان المحامي قد أبلغهم قبل وصوله. تراجع محمود خطوة. ثم وضع السلاح على الأرض ورفع يديه. انتهى كل شيء. بعد ساعات، عندما خلت الحديقة من الضيوف، جلست وحدي أمام كعكة عيد ميلادي التي لم ألمسها. كان اليوم الذي ظننته بداية عام جديد من حياتي قد أصبح نهاية زواج استمر تسع سنوات. لكنني لم أشعر بالهزيمة. شعرت بشيء آخر. التحرر. وفي الصباح، بدأت إجراءات الانفصال. أما ريم، فقد اختفت من حياة كريم تمامًا. وبعد عدة أشهر، ظهرت الحقيقة كاملة أمام المحكمة، وتمت استعادة الأموال التي اختفت من شركة والدي. أما كريم، فقد خرج من حياتي نهائيًا. وقبل أن يغادر المنزل للمرة الأخيرة، وقف عند الباب وقال سارة... أتمنى في يوم من الأيام تعرفي إني ندمت. نظرت إليه وقلت أنا عرفت قيمتي متأخر، لكني عرفتها. ثم أغلقت الباب. وبعد عام كامل، احتفلت بعيد ميلادي مرة أخرى. هذه المرة لم أدعُ كريم. ولم أدعُ ريم. ولم أحتج إلى الانتقام من أحد. لأنني أدركت أن أفضل نهاية للخيانة ليست أن تجعل من خانك يتألم... بل أن تستعيد حياتك، وتعيشها من دونه. النهاية. تمت حكايات محمد عبده