بنتي سنها 17
. خايفة أوي يا ماما!”.
مسكتها من كتفها وقومتها، وبصيت في عينها بغضب وحيرة: “خايفة من إيه؟ فهميني! إيه اللي يخلي بنت في سنك تعمل التمثيلية دي سنتين كاملين وتدمر حياتنا وتديننا بالشكل ده؟!”.
قعدت على الأرض وهي بتشهق، وقالت السر اللي نزل عليا زي الصاعقة:
“فاكرة يا ماما من سنتين لما عمي جاب ابن أخته الكبير عشان يتقدم لي؟ فاكرة لما قالك البنت كبرت ولازم نجوزها لراجل يسترها ويكون وصي عليها بدل أebوه المرحوم؟ أنا كنت مرعوبة يا ماما.. كنت 14 سنة ولا 15 سنة ومش فاهمة حاجة، ومش عايزة أتجوز، كنت عايزة
أتعلم وأكمل تعليمي وأفضل جنبك. عمي كان بيضغط عليكي وكان هيجبرك وافق، وأنتِ كنتِ ضعيفة ومكسورة ومفيش راجل يسنُدنا”.
كملت نور وهي بتبصلي بكسرة: “ساعتها سمعت جارتنا بالصدفة بتتكلم عن بنت حارتنا اللي اتطلقت بعد أسبوع من جوازها عشان عندها مشكلة التبول اللا إرادي، وسمعت الناس بيعدوها ‘عيب كبير’ ومفيش راجل يرضى يعيش مع واحدة كده. الفكرة جأت في دماغي زي المجنونة.. قلت لو بقيت كدة، عمي مش هيفكر يسترني ولا يجوزني لابن أخته ولا لأي راجل تاني، ومفيش راجل هيرضى بيا، وهفضل جنبك وأكمل تعليمي وما حدش يقدر ياخدني منك!”.
أنفاسي اتجمعت بالعافية، وبصيت لها بذهول: “بس الجوازة انفضت من زمان وعمك صرف نظر! ليه استمريتي كل ده يا نور؟ ليه طُول السنتين دول؟!”.
غطي وشها بإيديها وقالت بصوت مكسور: “في الأول كان عشان السبب ده.. بس
لما لقيتك بتلفي بيا على الدكاترة وبتصرفي الفلوس وتستلفي، خفت أقولك الحقيقة! خفت تكرهيني، خفت تشوفي إن بنتك الشاطرة المحترمة طلعت كدابة وضحكت عليكي وخليتيكي تستلفي من الناس. كل ما كنت أقول النهارده هعترف، أطلع ألاقيكي جايبة علاج بآخر جنيه معاكي وبتدعيلي بدموعك، فكنت أخاف أكتر وأقول لو اعترفت دلوقتي ماما هتكرهني ومش هتبص في وشي تاني! الخوف
مسكني ومعرفتش أخرج من الدائرة الملعونة دي إلا لما أعمل نفسي مريضة كل يوم عشان المخطط يفضل ماشي ومفيش حد يطلبني للجواز ولا تسيبيني!”.
قعدت على السرير مش قادرة أشيل جسمي. الصدمة كانت مزدوجة؛ صدمة إن بنتي عملت كده، وصدمة أكبر إنها عاشت الرعب ده كله لوحدها، إنها شافت عمها بعيون المرعوبة وسيلة تهديد لحياتها ومستقبلها، ملقتش أمان في الدنيا إلا إنها تعيي نفسها وتعمل عيب مجتمعي عشان تحمي نفسها من جوازة كانت شايفاها كابوس!
بصيت للبنت، لقيتها انكمشت في الأرض زي العصفور المبلول، بتترعش ومستنية مني القلم أو الشتيمة أو الطرد. بس أنا أُم.. وفي اللحظة دي، رغم كل المرار والديون اللي عليا، ورغم كل الذل اللي شفته في أروقة العيادات، شفت قدامي طفلة خايفة ملقتش حد يحميها من مجتمع شايف البنت مجرد عروسة لازم تتقفل عليها مع أي راجل.
نزلت على الأرض بكل قوتي. نور اتفاجئت، ومسكت فيا وبكت بأعلى صوت عندها، كان بكاء سنتين من الخوف والذنب والتمثيل.
قلتلها وأنا بدعي ربنا يسامحني على ضعفي: