دخل بهدومه
كان فاضي.
لكن على الأرض كان فيه ظرف بني صغير.
عادل انحنى وأخذه.
على الظرف مكتوب
إلى عادل لو عرفت إن سامر لسه عايش.
إيده بدأت ترتعش.
فتح الظرف.
جواه صورة قديمة لطفل صغير، واقف جنب والده.
وعلى ظهر الصورة تاريخ
1994
وتحت التاريخ جملة واحدة
الولد ده هو السبب الحقيقي في اختفاء أبوك.
عادل رفع عينه لحمدي.
إنت قلت إن أبويا مات في حادث.
حمدي ما ردش.
عادل صرخ
إنت قلتلي!
حمدي أخيرًا رفع عينه وقال
لأن أبوك طلب مني أقولك كده.
ليه؟
عشان يحميك.
قبل ما عادل يرد، سمعوا صوت الهاتف مرة تانية.
لكن المرة دي
الهاتف كان هاتف كارمن.
نظرت للشاشة.
وتجمدت مكانها.
الرقم ده
عادل قال
مين؟
كارمن رفعت الهاتف ببطء.
نفس الرقم اللي اتصل من شوية.
عادل أخذ الهاتف ورد
سامر؟
جاء الصوت من الطرف الآخر
أخيرًا نطقت اسمي.
عادل ثبت مكانه.
إنت فين؟
قريب منك.
عايز إيه؟
الصوت قال
عايزك تفتح المخزن.
عادل سكت.
ليه؟
لأنك لو فتحته، هتعرف ليه أبوك خبّاني عنك كل السنين دي.
ثم انقطع الخط.
وفي نفس اللحظة
سمعوا صوت مفتاح بيدخل في باب المخزن القديم من آخر الممر.
حد كان واقف هناك.
والباب بدأ يتفتح ببطء
وعادل لمح ظل شخص واقف خلفه الظل وقف مكانه ثواني
وبعدين خرج من باب المخزن.
كان راجل في أواخر الستينات، لابس جاكت غامق، وماسك عصاية خشب قديمة.
عادل أول ما شافه اتجمد.
إنت؟!
الراجل ابتسم ابتسامة صغيرة.
اتأخرت يا عادل.
حمدي قرب منه خطوة، وصوته اتهز
فؤاد
محمود بص لهم باستغراب.
مين فؤاد؟
الراجل بص لمحمود وقال
الشخص اللي أبوك كان واثق فيه أكتر من أي حد.
عادل قال
بس فؤاد مات من خمسة وعشرين سنة.
الراجل رد بهدوء
الناس اللي بتختفي مش دايمًا بتكون ماتت.
عادل قرب منه
وإنت كنت بتتصل بمحمود ليه؟
فؤاد بص لمحمود.
محمود نزل عينه.
فؤاد قال
لأنه كان بيحاول يبيع الشركة قبل ما الحقيقة تظهر.
عادل اتصدم.
يعني إنت كنت عارف؟
محمود قال بسرعة
أنا مكنتش أعرف حاجة عن أخوك!
فؤاد قاطعه
محمود ما كانش يعرف كل حاجة.
ثم بص لعادل
لكن هو يعرف مين اللي بيموّل الصفقة.
عادل التفت لمحمود.
مين؟
محمود سكت.
فؤاد قال
افتح المخزن.
عادل دخل.
الهواء جوه كان تقيل، وكل حاجة مغطاة بالتراب.
في آخر المخزن كان فيه صندوق حديد كبير.
عادل استخدم المفتاح القديم.
لكن الصندوق ما اتفتحش.
فؤاد قال
المفتاح ده مش للصندوق.
عادل بص له.
أمال لإيه؟
فؤاد أشار للأرض.
بص تحت رجلك.
عادل نزل على ركبته، ومسح التراب بإيده.
ظهر غطاء حديد صغير.
فتحه بالمفتاح.
تحت الغطاء كان فيه درج ضيق.
وفي الدرج
كان فيه شريط تسجيل قديم.
وعليه ورقة مكتوب عليها
يتسمع فقط في حالة رجوع عادل.
عادل رفع الشريط.
وفجأة
سمع صوت والده من جهاز تسجيل قديم موجود على الرف.
الصوت قال
عادل لو إنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا فشلت أحميك.
عادل غمض عينه.
صوت والده تابع
سامر مش هو ابني اللي لازم أخبيه
ثم سكت التسجيل ثانيتين.
وبعدين قال
الشخص اللي لازم تخاف منه موجود جوه الشركة لحد النهارده.
التسجيل انقطع.
محمود بص لعادل.
حمدي بص لكارمن.
وكارمن كانت بتبص ناحية الباب.
عادل سألها
في إيه؟
قالت بصوت مرتعش
عشان أنا فاكرة مين كان آخر شخص دخل مكتب أبوك ليلة الحادثة.
عادل قرب منها.
مين؟
كارمن رفعت إيدها وأشارت ناحية محمود.
هو.
محمود شهق
أنا؟!
لكن قبل ما حد يتكلم
اشتغل جهاز التسجيل مرة تانية لوحده.
وجاء صوت والد عادل
ولو محمود موجود وقت ما تسمع التسجيل ما تثقش فيه.
عادل بص لمحمود.
ولأول مرة
محمود نفسه بدأ يبتسم.
وقال
أخيرًا التسجيل اشتغل محمود ابتسم.
الابتسامة دي كانت أغرب من أي حاجة حصلت في الليلة كلها.
عادل قرب منه وقال
إنت كنت مستني التسجيل ده يشتغل؟
محمود رد بهدوء
أكتر مما تتخيل.
حمدي صاح
محمود، بلاش لعب!
لكن محمود ما بصش له.
كان مركز مع جهاز التسجيل.
أبوك كان ذكي جدًا يا عادل سجّل كل حاجة، لكنه نسي إن التسجيل ممكن يقع في إيد الشخص الغلط.
عادل قال
يعني إيه؟
محمود أشار للشريط.
التسجيل ده مش كامل.
عادل فتح عينه.
إنت عارف؟
طبعًا.
كارمن قالت
مستحيل أنا شفت الشريط ده قبل كده.
محمود ابتسم
شوفتي نسخة منه.
عادل أمسك الشريط بقوة.
فين النسخة الأصلية؟
محمود ما ردش.
فجأة فؤاد ضرب الأرض بعصايته.
كفاية يا محمود.
محمود التفت له.
إنت بالذات متتكلمش.
فؤاد قال
أنا وعدت أبو عادل إني أحميه.
محمود ضحك
وإنت خذلت وعدك.
عادل بص بينهم.
حد يفهمني!
فؤاد اقترب من عادل وقال
أبوك كان عارف إن الشركة هتتسرق من جوه. وعشان كده عمل خطة.
أي خطة؟
خبّى المستندات الحقيقية في مكان محدش كان يتوقعه.
عادل قال
المخزن؟
فؤاد هز رأسه.
لأ.
ثم أشار إلى الحائط.
ورا الصورة.
عادل اتجه ناحية صورة والده.
رفعها من مكانها.
خلفها كان فيه تجويف صغير.
لكن التجويف كان فاضي.
إلا من ورقة واحدة.
عادل فتحها.
كان مكتوبًا
لو وصلت لهنا، يبقى محمود عرف مكان المستندات قبلك.
عادل رفع عينه ببطء.
محمود لم يعد يبتسم.
وفي اللحظة دي
رن هاتف عادل.
رقم مجهول.
رد.
وجاء صوت سامر
متصدقش أي كلمة قالها محمود.
عادل قال
إنت عارفه؟
عارفه من زمان.
إنت فين؟
سكت سامر لحظة.
ثم قال
أنا واقف تحت الشركة.
عادل اتجه للباب فورًا.
لكن سامر قال
ومتطلعش لي.
ليه؟
لأن الشخص اللي واقف جنبك دلوقتي
صمت.
عادل بص ناحية فؤاد.
ثم ناحية حمدي.
ثم ناحية كارمن.
وأخيرًا ناحية محمود.
سامر قال
مش هو محمود.
المكالمة انقطعت.
عادل تجمد.
وفي نفس اللحظة
أُغلق باب المخزن من الخارج.
وسمعوا صوت مفتاح بيلف في القفل عادل فضل باصص لسامر، وكأنه بيحاول يلاقي في ملامحه أي إجابة عن السنين اللي فاتت.
إنت عايش كل السنين دي؟
سامر قال
عايش بس أبويا خلاني أعيش باسم تاني.
عادل قرب منه.
ليه؟
سامر بص للخزنة.
لأن اللي جوه دي هو السبب.
عادل حط إيده على مقبض الخزنة.
افتحها إنت.
سامر هز راسه.
المفتاح معاك.
عادل أخرج المفتاح القديم وحطه في القفل.
لكن قبل ما يلفه، كارمن صاحت
استنى!
الكل بص لها.
قالت وهي بتتنفس بسرعة
أبوك ما كانش بيخزن المستندات في الخزنة.
عادل سأل
أمال كان بيحط إيه؟
كارمن قالت
أسماء.
فؤاد قال
أسماء مين؟
كارمن قربت من الخزنة.
أسماء كل شخص دخل الشركة بعد سنة 1994 وكل واحد منهم كان له علاقة بالصفقة القديمة.
عادل لف المفتاح.
الخزنة فتحت.
جواها كان فيه عشرات الملفات المرتبة بعناية.
لكن فوقهم كان فيه ظرف أبيض.
مكتوب عليه
لا يُفتح إلا بحضور عادل وسامر معًا.
سامر وقف بجانب أخوه.
عادل فتح الظرف.
جواه ورقة واحدة.
قرأ أول سطر
ثم رفع عينه لسامر.
إنت كنت متراقب.
سامر قال
عارف.
عادل كمل القراءة.
وأبويا كان بيدفع فلوس لشخص عشان يحميك.
سامر قال
الشخص ده هو اللي لازم نعرفه.
عادل قلب الورقة.
وفي أسفلها كان فيه توقيع.
محمود الشاذلي.
محمود اتراجع خطوة.
ده مش توقيعي.
عادل بص له.
بس ده اسمك.
محمود قال بسرعة
اسمي آه لكن مش توقيعي.
فؤاد أخذ الورقة.
قارن التوقيع بعقد قديم كان في الملف.
ثم قال
هو عنده حق.
عادل استغرب.
يعني إيه؟
فؤاد قال
التوقيع متزوّر.
محمود لأول مرة بان عليه الارتياح.
لكن الارتياح ما استمرش.
سامر قال
التزوير كان مقصود.
عادل بص له.
ليه؟
سامر أشار لآخر سطر.
كان مكتوب
لو ظهر توقيع محمود على أي مستند يخص سامر اعرفوا إن محمود نفسه أصبح مستهدفًا.
وفجأة
سمعوا صوت زجاج بيتكسر في المكتب الخارجي.
ثم صوت جري.
حمدي صرخ
حد دخل الشركة!
عادل خرج بسرعة.
الممر كان فاضي.
لكن باب المكتب القديم كان مفتوح.
وعلى المكتب
اختفى الدفتر الأزرق.
وبجانبه كانت فيه ورقة جديدة.
عادل أخذها.
مكتوب عليها
لو عايز تعرف مين سرق الشركة اسأل الشخص اللي قال لك إن سامر مات.
عادل رفع عينه ببطء ناحية حمدي.
حمدي كان واقف عند الباب.
وشه اتغير تمامًا.
عادل قال
إنت قلتلي إن سامر مات؟
حمدي ما ردش.
سامر خرج من الغرفة، ووقف خلف عادل.
وبص لحمدي مباشرة.
دلوقتي جه وقت الحقيقة يا حمدي المفتاح لفّ في القفل.
تك.
عادل اندفع ناحية الباب، لكنه اتوقف قبل ما يلمس المقبض.
صوت سامر لسه بيرن في ودانه
الشخص اللي واقف جنبك دلوقتي مش هو محمود.
عادل بص لمحمود.
محمود كان واقف مكانه، وشه شاحب.
فؤاد قال بسرعة
محدش يتحرك.
وفجأة سمعوا صوت المفتاح بيتسحب من الناحية التانية.
ثم صوت خطوات بتبعد عن الباب.
عادل ضرب الباب بكتفه.
افتح!
مفيش رد.
حمدي قال
في باب تاني.
كارمن أشارت ناحية آخر المخزن.
ورا الصناديق.
عادل جرى ناحية المكان، وبدأ يزيح الصناديق واحد ورا التاني.
ظهر باب حديد صغير.
لكن عليه لوحة معدنية قديمة.
مكتوب عليها
ممنوع الدخول إلا بحضور الابن الأكبر.
عادل بص لحمدي.
أبويا كان قاصدني أنا؟
حمدي قال
واضح.
عادل أخرج المفتاح القديم.
دخل المفتاح في القفل.
لكن قبل ما يفتحه، سمع صوت محمود من خلفه
متفتحش.
عادل لف.
ليه؟
محمود قال
لأنك مش فاهم إنت بتفتح إيه.
عادل قرب منه.
وإنت فاهم؟
محمود سكت.
عادل أمسكه من ياقة قميصه.
قول!
فؤاد تدخل بينهم.
سيبه يا عادل.
عادل بص له
إنت كمان كنت عارف؟
فؤاد قال
كنت عارف إن أبوك خبّى حاجة هنا.
إيه؟
أسماء.
عادل ترك محمود ببطء.
أسماء مين؟
فؤاد بص للباب.
الناس اللي كانوا شركاء في تأسيس الشركة سنة ١٩٩٤ واللي اختفوا واحد ورا التاني.
عادل فتح الباب.
خلفه ممر ضيق مظلم.
وفي نهايته غرفة صغيرة.
دخلوا.
كان فيه مكتب قديم، وكرسي، وخزنة.
وعلى المكتب
ملف أحمر.
عادل فتحه.
أول ورقة كانت صورة لعقد تأسيس الشركة.
والأسماء مكتوبة تحته.
لكن اسم واحد كان عليه دائرة بالقلم الأحمر.
سامر الشاذلي.
عادل همس
سامر كان شريك؟
فؤاد قال
لأ.
عادل رفع عينه.
أمال اسمه موجود ليه؟
فؤاد ما ردش.
عادل قلب الورقة.
وجد سطرًا مكتوبًا بخط والده
سامر لم يكن ابني فقط كان صاحب الحق القانوني في ٣١٪ من الشركة.
محمود قال فجأة
عشان كده كانوا عايزينه يختفي.
عادل التفت له.
مين كانوا؟
محمود فتح فمه، لكن صوته ما خرجش.
وفجأة
صدر صوت من خلفهم.
أنا أقدر أقولك.
الجميع التفت.
كان سامر واقف عند باب الغرفة.
عادل بص له طويلًا.
نفس ملامح والده تقريبًا.
نفس العينين.
وقال بصوت مرتجف
إنت سامر؟
سامر ابتسم.
أيوه.
ثم بص لمحمود وقال
بس قبل ما تسأله هو عمل إيه
وأشار إلى الخزنة.
افتحها.
عادل قال
فيها إيه؟
سامر رد
الدليل اللي يثبت إن الشخص اللي حاول يبيع الشركة النهارده ما كانش محمود.
ثم نظر مباشرة إلى كارمن.
كان شخصًا أقرب لهم كلهم مما يتخيلوا سامر بص لفؤاد، وقال
لو إنت هنا مين اللي بيتصل باسمك؟
فؤاد ما اتكلمش.
الهاتف فضل يرن.
عادل أخده ورد
ألو؟
جاء صوت رجل من الطرف الآخر
عادل ابعد عن فؤاد.
عادل بص لفؤاد.
ليه؟
لأنه مش فؤاد.
سكت الجميع.
الرجل أكمل
فؤاد الحقيقي مات سنة 2001. الراجل اللي قدامك هو أخوه التوأم.
عادل بص للرجل العجوز.
فؤاد ابتسم بحزن.
كنت عارف إن اليوم ده