حكايات مني السيد حصري سلفتي مش بتحب السمك خالص، أو بالأصح بتقرف من ريحته جدًا، وكل مرة أعمل فيها سمك في البيت كانت لازم تعمل مشكلة. كانت أول ما تشم الريحة تقول إحنا بنقرف منه، ومش بنحب ريحته هو لازم كل شوية سمك؟ في الأول كنت بزعل، لأن أنا وجوزي وعيالي بنحب السمك جدًا، وعيالي بالذات كانوا بيفرحوا لما يعرفوا إن الغدا سمك. ومش معنى إنها مش بتحبه إن البيت كله يحرم منه. بس عشان ما أعملش مشاكل، قلت لها مرة خلاص يا حبيبتي، لما تروحي عند والدتك ابقي قوليلي، وأنا أعمل السمك في اليوم ده، وأهو كل واحد يبقى مرتاح. وفعلًا، بقت لما تروح عند أمها، أنا أستغل اليوم وأعمل السمك وأنا مرتاحة. كنت بحاول على قد ما أقدر أراعيها، رغم إن محدش طلب مني ده. لحد يوم ما قالتلي إنها رايحة عند أمها. وأنا كنت عارفة إنها كل مرة بتقعد هناك لحد بالليل، فقلت خلاص، النهارده فرصة أنا تعبانة ومش قادرة أطبخ كتير، أعمل سمك والعيال تفرح. نزلت جبت السمك، ونضفته، وحطيته على النار. والريحة بدأت تنتشر في البيت، والعيال كانوا واقفين حوالين المطبخ مستنيين الأكل. حصري على صفحة روايات و اقتباسات كنت لسه بحط السلطة على السفرة، وفجأة سمعت صوت المفتاح في الباب. بصيت ناحية الباب لقيت سلفتي داخلة! اتوترت وقلت إنتِ رجعتي بدري؟ ما لحقتش حتى ترد، لأنها أول ما شمت ريحة السمك، وشها اتغير. وقفت على باب شقتي وقالت بصوت عالي إنتِ ما عندكيش دم؟! مش بتفهمي؟! بصيت لها باستغراب في إيه بس؟ قالت بعصبية أنا بروح عند أمي مخصوص عشان ما أشمش ريحة السمك، وإنتِ مستنياني لما أروح عشان تعمليه؟! أرجع ألاقي البيت كله ريحته سمك! قولتلها بس أنا ما كنتش عارفة إنك هترجعي بدري، وبعدين أنا أصلًا كنت بعمله وإنتِ مش موجودة. قالت ولو عايزة تاكليه، اشتريه من بره وكليه بره! لكن ما تعمليهوش في البيت. هنا بقى اتضايقت فعلًا. مش عشان السمك لكن عشان حسيت إن الموضوع خرج من كونه مجرد مراعاة وبقى تحكم. قولتلها أنا راعيتك من البداية، وكل مرة كنت بستنى لما تروحي عشان أعمله، لكن إنك تدخلي بيتي وتقوليلي أطبخ إيه وما أطبخش إيه، ده مش مقبول. أنا وعيالي بنحب السمك، ومن حقي أعمل الأكل اللي إحنا بنحبه في بيتي. صوتنا علي، وهي بدأت ترد عليا، وفي دقايق كانت الخناقة وصلت لحماتي. دخلت علينا وقالت إيه اللي حصل؟ ولما عرفت، بدل ما تهدي الموضوع، بصتلي وقالت يا بنتي اعملي خاطرها، يعني السمك أهم من أخت جوزك؟ قولتلها أنا عملت خاطرها كتير، لكن مش معنى كده إنها تحددلي أطبخ إيه في بيتي. طبعًا الكلمة دي ما عجبتش حد. وبعدها الموضوع وصل لجوزي، ولما رجع وحكيت له اللي حصل، قاللي معلش اعمليه اليوم اللي هي مش موجودة فيه، عشان خاطري. سكت. مش عشان أنا مقتنعة إني غلطانة، لكن عشان مش عايزة خناقة صغيرة تكبر وتبوظ علاقتنا كلنا. بس من جوايا كنت متضايقة. هو ليه دايمًا المطلوب مني أنا اللي أراعي؟ ليه أنا اللي أغير أكلي وأحسب مواعيدها وأستنى غيابها؟ أنا مش بطلب منها تاكل السمك، ولا حتى بدخل عليها بأكلة هي مش بتحبها. أنا بس بطبخ في بيتي. ومن يومها قررت إني مش هعتذر عن حاجة أنا شايفة إني ما غلطتش فيها. وقلت لجوزي أنا هراعيها لما أقدر، لكن مش هعيش وأنا خايفة أطبخ إيه عشان محدش يزعل. وعدى اليوم، وافتكرت إن الموضوع خلص. لكن تاني يوم، وأنا قاعدة في البيت، سمعت خبط جامد على الباب. فتحت لقيت حماتي قدامي، وسلفتي واقفة وراها. بصيت لهم باستغراب وقلت خير؟ حماتي دخلت من غير ما ترد، وقعدت على الكرسي في الصالة. أما سلفتي، فضلت واقفة عند الباب، وبصتلي بنظرة غريبة عمري ما شوفتها منها قبل كده. وبعدين حماتي قالت جملة واحدة بس جملة خلتني أنسى تمامًا موضوع السمك، وأفكر في كل كلمة اتقالت بينا اليوم اللي فات من جديد. ولحد اللحظة دي، أنا مش عارفة إذا كنت لو سمعت كلامهم من الأول كنت هفضل مصممة على موقفي، ولا كنت هتمنى إني ما دخلتش المطبخ اليوم ده أصلًا. حماتي بصت لي وهي بتاخد نفسها بصعوبة، وحطت إيدها على ركبتها، وقالت بصوت واطي بس فيه نبرة تقيلة نزلت عليا زي المية الباردة سارة حامل يا إيمان، والدكتور قال الحمل ضعيف جدًا وأي ريحة نفاذة أو مجهود ممكن يضيع العيل، وهي بقالها أربع سنين بتلف على الدكاترة وساكتة، وأنا حلفتها ما تنطقش لحد ما يثبت. وقفت متسمرة في مكاني، عيني راحت لحماتي وبعدين لسارة اللي كانت واقفة عند الباب، ملامحها مكسورة، عينيها حمر من العياط، مش نفس البنت اللي كانت واقفة إمبارح بتزعق وتهاجم بغل غريب. في ثانية واحدة، حسيت بدوخة، كأن الأرض بتلف بيا. طب وليه؟ ليه ساكتة كل ده؟ وليه خلت الموضوع يبان إنه تحكم وقلة ذوق وعناد؟ حماتي كملت كلامها وهي بتبص في الأرض ما كناش عايزين نقول لحد عشان العين، والولدين اللي راحوا منها زمان وانتي عارفاهم الدكتور حذرها وقال لها ريحة الزفارة والمقليات دي بالذات بتقلب بطنها وتعمل لها تقلصات شديدة. إمبارح لما رجعت ولقت الريحة قلبت بطنها، فضلت ترجع طول الليل ونزل عليها نقطتين دم، وجوزها جه الفجر خدها وجريوا على المستشفى، ولولا ستر ربنا كان زمان الضنى راح. حسيت بلساني مربوط، الأكسجين انسحب من الصالة فجأة. أنا مش شريرة، ولا عمري كنت قاسية، وموقف زي ده لمحة نيوز هد حيلي تمامًا. بس في نفس الوقت، كان فيه حاجة جوايا بترفض السيناريو ده كله، مش عشان مش متعاطفة، لأ، عشان أنا طول عمري عايشة معاهم في نفس العمارة، وسارة أبعد ما تكون عن الهدوء والستر في الحاجات دي. سارة لما صباع رجلها الصغير بيخبط في الباب بتعمل مناحة ويومين عيا وتطلب دليفري وتشتكي للدنيا كلها. إزاي تبقى حامل وفي خطر وساكتة كل الشهور دي؟ وليه طريقة التعامل معايا من أول يوم كانت بالشتيمة والهجوم مش بالرجاء؟ سلفتي اتحركت خطوة لجوة، وقفلت الباب وراها ببطء، ودموعها نزلت أنا ما كنتش عايزة أقولك يا إيمان، عشان مش عايزة أسمع كلمة مبروك وتطلع فال وحش عليا، وعشان انتي ربنا كرمك وورا بعض ما شاء الله، ما كنتش عايزة أحس إني بطلب منك شفقة ولا تقولي مستكترين علينا الأكلة. بس انتي إمبارح قسيتي عليا، قسيتي وأنا كنت بموت. بلعت ريقي بصعوبة، وبصيت لهم الاتنين. كنت محتارة بين إني أعتذر وأجري أحضنها وأقولها فداكي أي حاجة، وبين صوت خافت جوايا بيقولي فيه حاجة غلط. بس العاطفة غلبت، ووجع الأمومة اللي أنا مجرباه خلاني أتنازل في لحظة. قربت منها ومسكت إيدها ألف بعد الشر عليكي يا سارة، والله العظيم ما كنت أعرف، لو كنتي قولتيلى نص كلمة والله ما كنت دخلت سمكاية واحدة البيت كله مش شقتي بس، ليه شيلتيني ذنب أنا ماليش يد فيه؟ ليه جيتي عليا بالصوت العالي إمبارح؟ حماتي اتنهدت بصوت عالي وقالت خلاص يا بنتي، اللي حصل حصل، إحنا جينا نصفي النفوس، بس المهم دلوقتي الحمل يكمل على خير، والدكتور مانعها من الحركة خالص، ولازم راحة تامة، ومفيش وقفة في مطابخ ولا أكل تقيل، وأنا صحتي على قدي زي ما انتي شايفة ورجلي مش شيلاني. هنا بقى بدأت أحس بالخيط التاني في الحكاية. بصيت لحماتي وقولتلها أكيد طبعًا يا ماما، ربنا يتمم لها على خير وتقوم بالسلامة. حماتي عدلت طرحتها وقالت ببساطة غريبة عشان كده بقى يا إيمان، إحنا قفلنا مطبخها خالص، وهي هتفضل نايمة على ضهرها، وأكلها وشربها وعلاجها ومصالح شقتها هتبقى عليكي انتي لحد ما تعدي التلات شهور دول، ما هو انتي زي أختها، وإحنا ملناش غير بعض في البيت ده، وطالما إحنا في بيت عيلة واحد يبقى نشيل بعض. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. خدمة كاملة؟ شقتها وأكلها وعلاجها ومصالحها، وأنا اللي عندي طفلين في المدارس ومسؤوليات وطلبات جوزي؟ وفوق كل ده، هي كانت بتعاملني بجفاء وقرف طول السنتين اللي فاتوا، ودلوقتي الموضوع اتحول فجأة لفريضة عليا إني أشيل بيتها بالكامل؟ بصيت لسارة، لقيت نظرة الدموع اختفت شوية، وظهرت بدالها نظرة ترقب، نظرة واحدة مستنية تشوف أنا هقول إيه وهل هعرف أرفض قدام الست الكبيرة ولا لأ. قولت بهدوء وأنا بحاول أوزن كلامي أنا عنيا ليها في اللي أقدر عليه يا ماما، أبعتلها أكل من اللي بعمله لبيتي، أنزل أروق لها ترويقة خفيفة كل يومين، إنما شيل كامل أنا مش هقدر، انتي عارفة عيالي ومذاكرتهم وظهري التعبان. وش حماتي اتقلب في ثانية، النبرة الحنينة الحزينة اتبخرت، وقالت بحزم أكل من اللي بتعمليه لبيتك إيه يا بنتي؟! بقولك الدكتور كاتب لها على نظام أكل معين، شوربة خضار فريش، مسلوق، عصاير طبيعية كل ساعتين، مفيش بصل مسبك ولا دهون ولا حاجة تقلب بطنها. انتي هتستخسري في مرات أخو جوزك؟ هو ده رد الجميل؟ دا أنتوا لحمكم من خير بعض، وجوزك لو عرف إنك بتترددي في خدمة سلفتك وهي في الحالة دي هياكل وشك! الكلام وجعني، وحسيت بإهانة مباشرة. يعني أنا اتهمت إني معنديش دم إمبارح، والنهارده بيتحط عليا فرض عين إني أكون شغالة لبيتها عشان غلطة هي اللي بدأتها لما خبت عليا، وفوقها بيتهدد بيا جوزي! سارة اتكلمت بصوت فيه مسكنة زيادة عن اللزوم خلاص يا حماتي، ما تضغطيش عليها، أنا هتحمل وخلاص، ولو الضنى نزل تاني يبقى نصيبي، ربنا يعوض عليا، مش عايزة أتقل على حد. الدراما كانت عالية أوي، ومتقونة لدرجة تخنق. بصيت لها وقولت يا سارة متقوليش كده، ربنا يقومك بالسلامة ويحفظلك جنينك، أنا هعمل اللي في وسعي ومفيش تقل ولا حاجة. نزلت حماتي وسارة معاها بالراحة على السلم، كأنها ماشية على بيض، وأنا قفلت الباب وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفسي بالعافية. دخلت المطبخ اللي كان لسه فيه أطباق الفطار، لقيت نفسي تايهة. ريحة السمك كانت راحت من البيت لأني مسحت بكلور وفينيك وبخرت من الصبح، بس ريحة تانية وحشة بدأت تظهر في الجو ريحة استغلال صريح متغلف بوجع وخوف. المغرب جه، وجوزي رجع من الشغل. أول ما دخل من الباب، لقيته باصص لي بصه غريبة، لا سلم ولا اتكلم، قلع جزمته ودخل الصالة ورزع مفاتيحه على الترابيزة. وقفت قدامه وقولتله مالك يا طارق؟ في إيه؟ بصلي وقال بعتاب تقيل بقى سارة حامل وفي خطر يا إيمان، وانتي الصبح تقفي تعاندي مع أمي وتقولي مش فاضية أخدمها؟ هي دي الأصول اللي اتربيتي عليها؟ الناس تايهين في مستشفيات ودكاترة من الفجر، وانتي شاغلة بالك بالمذاكرة والعيال؟! حسيت بدمي بيفور أنا قولت كده؟! مين اللي قالك الكلام ده؟ أنا قولت هعمل اللي أقدر عليه، بس هما عايزين خادمة مقيمة بشروط خاصة! وبعدين هي ليه خبت عليا أصلاً من البداية؟ لو كانت قالتلي إنها حامل، هو أنا كنت هفكر أعمل حاجة تضايقها؟ ليه سابتني أبان وحشة إمبارح والنهارده تعملني أنا المذنبة؟ طارق ضرب بإيده على الترابيزة وقال بنفاد صبر خافت من العين يا سارة! الست سقطت مرتين قبل كده، حقها تخاف ولا مش حقها؟! المهم دلوقتي مش مين قال ومين عاد، أخويا كلمني وهو منهار في التليفون، قالي مراتي أمانة في رقبتكم انت ومراتك، أمي ست عجيبة مش هتقدر، وانتي اللي موجودة في العمارة. شقتهم هتتنضف كل يوم، وأكلها ينزل في مواعيده بالمسطرة، ومش عايز أسمع مشاكل تاني، الموضوع مش مستحمل هبل نسوان! قربت منه وبصيت في عينيه وقولت بصوت واطي ومرجف هبل نسوان؟ يعني أنا بعد التعب ده كله يطلع عليا هبل نسوان؟ ماشي يا طارق، أنا هعمل بأصلي، بس افتكر كويس إنك بتظلمني. من اليوم ده، بدأت مرحلة تانية خالص في البيت. مرحلة كانت أصعب بمراحل من مشكلة السمك. كنت بصحى من الساعة ستة الصبح، أجهز فطار عيالي واللانش بوكس، أوديهم المدرسة، أرجع جرى على شقة سارة. كنت أنزل بالمفتاح اللي حماتي أصرت إني آخده عشان ما أزعجهاش بالتخبيط. أدخل بالراحة، ألاقيها نايمة ومغيمة الأوضة بالتكييف والستاير. أدخل المطبخ بتاعها، أعملها الفطار الخاص بيها بيض مسلوق، عصير برتقال فريش معصور في وقته، توست بني. أطلعلها الأكل لحد السرير، تصحى، تبص في الصينية بقرف وتقول البيض ده مش مستوي كويس يا إيمان، البرتقال فيه مزازة، معدتي هتتعب، ارميه واعمليلي تفاح بيوريه أحسن. كنت أبلع الإهانة وأقول في بالي معلش، هرمونات حمل وضعيفة. أروح أعمل اللي طلبته، وبعدين ألم الزبالة، أمسح الشقة، أغسل الغسيل بتاعها وبتاع جوزها، وأطلع شقتي ألحق أعمل أكل بيتي وأذاكر للعيال. الموضوع استمر أسبوعين على الحال ده، وأنا حيلي اتهد. خسيت، وعيالي بدأوا يشتكوا إني مش بقعد معاهم، وجوزي كل ما يرجع يلاقي البيت مكركب يقولي انتي مهملة في بيتك ليه؟ ولما أقوله كنت تحت يزعق ويقول ما كل الستات بتشيل بعض، انتي بتمني علينا؟! في نص الأسبوع التالت، حصل الموقف اللي قلب الموازين كلها وخلاني أقف على رجلي. كان يوم جمعة، وجوز سارة كان مسافر مشوار شغل تبع شركته في إسكندرية وراجع بليل، وطارق جوزي كان نازل يصلي الجمعة ويقعد على القهوة شوية مع صحابه. نزلت كالعادة عشان أديها علاج الساعة اتناشر وأشوف طلباتها. فتحت باب الشقة بالمفتاح براحة عشان ما أزعجهاش. الشقة كانت هادية خالص، وصوت التلفزيون في الصالة مقفول. مشيت في الطرقة براحة متجهة لأوضة النوم، وكنت ماسكة في إيدي علبة العلاج اللي اشتريتهولها من الصيدلية الصبح بفلوسي أنا ومحدش قالي حتى خدي تمنه. وأنا بقرب من الأوضة، سمعت صوت ضحك! ضحك عالي ورنان، صوت واحدة فايقة ورايقة جدًا ومبسوطة على الآخر. وقفت مكاني مذهولة. الصوت كان جاي من جوة الأوضة، وسارة كانت بتتكلم في التليفون ههههههههه، يا بنتي بطلي بقى هموت من الضحك، والله العظيم فكرة جهنمية، أمك دي دماغها توزن بلد! ما كنتش مصدقة إن الحوار هيبلعوه كده! وقفت ورا الباب، قلبي كان بيدق في وداني زي الطبلة. مسكت مقبض الباب وسكت خالص، وحبست أنفاسي. سارة كملت كلامها وهي بتتحرك في الأوضة، وصوت كعب شبشبها كان بيخبط في الأرض بخفة ونشاط مفيش فيه أي أثر لواحدة نايمة على ضهرها وبتموت يا بنتي حمل إيه بس فال الله ولا فالك، أنا مش ناقصة هم دلوقتي! إحنا روحنا للدكتور عشان نعمل فحوصات عادية أصلًا عشان التأخير، لقى عندي كيس مية صغير خالص قالي هيروح مع العلاج ومفيش أي حمل ولا نيلة! بس أول ما روحت وحكيت لماما على خناقة السمك وإن إيمان دي حاطة راسها براسي وعايزة تفرض شخصيتها عليا، ماما قالتلي دي فرصة نكسر مناخيرها ونعلمها الأدب. قالتلي قولي لحماتك إنك حامل وتعبانة، وخليها هي اللي تتصدر للولا طارق، وطارق أصلًا أهبل وبيسمع كلام أمه، وبكده نضرب عصفورين بحجر نقعدك ست هانم مخدومة ومكرمة، ونعلم سلفتك إزاي تعرف حجمها وتخدمك برضاها وغصب عنها! كنت واقفة مسمرة، الدم هرب من وشي كله، وإيدي اللي ماسكة كيس الدوا كانت بتترعش من الغيظ والقهر. سارة كملت وهي بتمط في الكلام بمياعة والله العظيم يا هبة لو شوفتيها، شكلها يفطس من الضحك! بتنزل الصبح وشها أصفر وتكنس وتمسح وتغسلي حتى الهدوم الداخلية! وعاملة فيها الملاك الرحيم، وجوزها بينزل يبوس على راسي ويقولي معلش حقك علينا لو إيمان قصرت! يا بنتي والله العظيم هفضل مكملاها شهرين كمان لحد ما أزهق، وبعدين نعمل نفسنا سقطنا ونلبسها هي الليلة ونقول من ريحة أكلها ولا عينها الوحشة! في اللحظة دي، حسيت بنار ولعت في نافوخي. كل التعب، كل الإهانات، كل النظرات اللي جوزي بصهالي كأني ست بلا قلب، بهدلتي قدام حماتي، صحتي اللي راحت في الترويق والمسح وطبيخ الهوانم، كل ده كان مجرد مسرحية رخيصة معمولة عشان يتكسر مناخيري؟! إيدي اتحركت لوحدها ودفعت باب الأوضة بكل قوتي. الباب خبط في الحيطة بصوت رزع هز الشقة كلها. سارة اتنفضت من على السرير، التليفون طار من إيدها ووقع على السجادة، وهي وقفت مبرقة وعينيها متبتة فيا، وشها قلب أبيض زي الجص، كأنها شافت عزرائيل واقف قدامها. وقفت في مدخل الأوضة، بصيت لها من فوق لتحت، مفيش أي أثر لتعب، حاطة ميكب خفيف في وشها، وشعرها معمول، ولابسة بيجامة شيك، والضحكة كانت لسه مرسومة على شفايفها قبل ما تتجمد من الرعب. قولتلها بصوت واطي جدًا، نبرة هادية بس كانت أرعب من أي زعيق بقى كيس مية يا سارة؟ ومسرحية عشان تكسروا مناخيري؟ سارة بلعت ريقها وبدأت تتلجلج، حاولت تقعد بسرعة على السرير وتعمل نفسها دايخة وتغمض عينيها إيمان... انتي فهمتي غلط... أنا كنت... كنت بهزر مع صحبتي... أنا دايخة مش قادرة أقف... الحقي... قربت منها بخطوات بطيئة، وبدل ما أصرخ أو أمد إيدي عليها، وطيت على الأرض وجيبت التليفون بتاعها اللي كان لسه مفتوح والخط شغال ومكتوب عليه اسم أختها هبة. حطيت التليفون على ودني وقولت ببرود تام سلميلي على أمك يا هبة، وقوليلها فكرة جهنمية فعلًا، بس للأسف، النهاية مش هتعجبكم خالص. قفلت الخط في وش أختها، وبصيت لسارة اللي كانت بترتعش بجد المرة دي، بس من الخوف والفضايح مش من الحمل. رميت كيس الدوا على السرير في وشها وقولتلها قسماً برب العزة يا سارة، لو شوفت خيالك في شقتي، أو سمعت صوتك طالع، أو حاولتي تفكري إنك هتعملي عليا نمرة تاني، لهخلي العمارة دي كلها، وعيلتك، وجوزك اللي مأمنك على شرفه وبيته، يسمعوا التسجيل اللي كان بيسجل في جيبي دلوقتي حالا. سارة عينيها برقت برعب وقالت بصوت مخنوق انتي... انتي سجلتيلي؟! ما رديتش عليها، ابتسمت نص ابتسامة وسيبتها وخرجت. بس الغضب اللي كان جوايا ما كنش رايح لسارة بس، الغضب الحقيقي كان رايح لحماتي، ولجوزي اللي هانني وصغرني وخلاني خدامة لناس بتتسلى بيا. طلعت شقتي، قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت في الصالة. كنت برتعش من كل حتة، بس كان في هدوء مخيف بدأ يحل محلي. أنا مش الست اللي بتعيط وتندب حظها، ولا اللي بتستنى جوزها يرجع عشان تتخانق معاه فيطلعها هي الغلطانة والمفترية. الساعة كانت داخلة على اتنين بعد الظهر. صوت طارق وهو طالع على السلم كان مسموع، بيصفر ومبسوط بعد ما خلص قعدته مع صحابه. سمعت صوت باب الشقة بيتفتح، دخل ورمى السلام وهو مبتسم إيمان، اعمليلي كوباية شاي ونبي، اليوم كان حلو برا والجو جميل. بصيت له، ملامحي كانت جامدة تمامًا، ومردتش عليه. قرب مني باستغراب وقال مالك قاعدة كده ليه؟ في إيه؟ سارة تعبت تاني ولا إيه؟ أوعي تكوني اتخانقتي معاها؟! وقفت وبصيت في عينيه مباشرة، وقولتله جملة واحدة بس خلت ابتسامته تقع، وخلت الدم يهرب من عروقه زي ما هرب من وش سلفتي تحت أمك وأخوك وسلفتك، قدامك عشر دقايق تلمهم في الصالة هنا يا طارق، يا إما البوليس هو اللي هيلمنا كلنا في القسم النهاردة بتهمة النصب والابتزاز، والشهادة معايا في جيبي يتبع