رجعت على البيت اللي كنت مشتريه لمراتي في حتة في طنطا، لقيت أختي قاعدة ومروقة على البلكونة، في الوقت اللي كانت فيه هناء نايمة على بُعد اتنين كيلو في عشة خشب جنب كلب بلدي غلبان كانت منقذاه من الشارع. أنا بقالي سنتين باطحن نفسي في الغربة برة مصر بين دبي والدوحة، وفتحت شركة مقاولات لتشطيب وتجديد الفنادق. كل شهر كنت باحول الفلوس والتحويلات للمصاريف، أكل وعلاج وكل اللي يلزم هناء. كنت حاطط في بطني بطيخة صيفي إني حتى وأنا مسافر وبعيد، مش مخليها محتاجة الهوا ولا ناقصها قرش. في عصر يوم من أيام سبتمبر، طبيت عليهم في البيت ومعايا بوكيه ورد وعلبة قطيفة صغيرة فيها سلسلة دهب. ما رنتش ولا قولت إني نازل من المطار عشان كنت ناوي أعملها مفاجأة. لكن أول ما عتبت باب الشقة، اتسمرت مكاني؛ عفش جديد كرتونة، شاشة عرض الحيطة، ومشاية كهربا عمري ما شوفتها. خرجتلي أختي سمر تستقبلني بفستان شيك وكاس عصير ساقع في إيدها، وقالتلي:— إيه ده! ما قولتليش ليه إنك جاي ومحذرتنيش؟الضحكة طارت من على وشي وسألتها نشفان ريق:— فين هناء؟ردت عليا بكل برود إن مراتي سابت البيت وطفشت من بدري، ومحدش عارف لها طريق. شريف، جوز أختي، دخل وأكد نفس الرواية، وأمي الحاجة فاطمة كانت عمالة تتهرب من عيني وتبص في الأرض. اللي جنني وخلّى دماغي تضــ,,ـــــرب إن التواريخ اللي بيقولوها ما بتركبش على بعض؛ سمر تقول دي مشيت في طوبة، وشريف يحلف إنها مشيت في برمودة، وأمي فضلت تبصلي كأنها مذهولة من الكدب اللي بيتقال.— هو أنت بجد مش عارف مراتك رمت جثتها فين؟ الأكثر قراءة الان حكايات زهره الربيع 1 منذ 3 أيام ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 1 منذ يومين من وقت ما اتجوزت حكايات رومانى مكرم 1 منذ 4 أيام سمر ما رضيتش تزيد ولا تعيد، بس شاورتلي بإيدها على مدق تراب داخل في وسط غيط مهجور على أطراف البلد. أخدت عربيتي وسوقت لآخر السكة ونزلت كملتها كعابي، جزمتي اتملت تراب وعفار. في آخر المدق، لقيت عشة قديمة ومخلعة، سقفها حتت صاج على خشب مسوس. جوة العشة، كانت هناء نايمة على كنبة مكسرة ومحشية قش. كانت خاسة خالص، إيديها ناشفة ومشئقة من شغل الخياطة، وجنبها كلب بلدي لونه عسلي، أول ما حس بيا رفع راسه وزمجر بصوت واطي. رجلّيا اتسمرت في الأرض. هناء فتحت عينيها، شافتني وعرفتني، بس شفايفها ما اتهزتش بابتسامة:— بقالك سنتين غايب في الغربة. — والله العظيم ما كنت أعرف إنك هنا ولا عايشة كده! بصتلي بنفس النظرة الباردة وردت:— أيوة، بالظبط زي ما أنا مكنتش أعرف إنك رمتني ونسيتني. حلفت وضــ,,ـــــربت على صدـ,,ـــري بالكدب على اللي سمعته، راحت فتحت علبة صفيح قديمة وطلعت منها رزمة إيصالات وورق أبيض:#الكاتب_رومانى_مكرم — ولا مليم أحمر من الحوالات اللي بتقول إنك كنت بتبعتها وصلني، ولا شوفت قرش من يوم ما طردوني. رفعت عيني وبصيت في سقف العشة المشروخ وأنا مش مستوعب الصدمة. وفي اللحظة دي بالذات، فهمت؛ الحكاية مكنتش بس إن حد خرب بيتي ودمّر جوازي، الحقيقة إن فيه ناس عاشوا السنين دي كلها متهنيين وعاملين ملوك على قفا شقايا وغربتي والفلوس اللي كنت باطحن نفسي عشان أبعتها لمراتي. فضلت واقف في مكاني، رجليّ كأنهم غرزوا في أرضية العشة الترابية، والريح الباردة بتاعة أول الخريف بتصفّر بين ألواح الصاج المشروخة فوق دماغي. الكلب البلدي فضل حاطط دقنه بين رجليه الأماميين، بس عينيه العسلية الذكية متعلقة بيا، ودانه مرفوعة ومستني أي حركة غلط. هناء كانت قاعدة على الكنبة المكسورة، ركبتيها مضمومين لصدـ,,ـــرها، والشال الصوف القديم المنسول من حروفه ملفوف حوالين كتافها اللي عضمها بقى بارز زي عضم عيل يتيم. الأوراق اللي طلعتهم من علبة الصفيح كانوا محطوطين قدامي؛ الدموع غمت عيني وسألتها بصوت مخنوق ومكسور:— طرد وكي إزاي يا هناء؟ الشقة باسمي، والتوكيل اللي سيبته لأمي مكنش غير عشان تمشي مصالح البيت والمصاريف وتستلم الحوالات من البنك لما الشبكة تقع في التليفون.. مين قدر يمد إيده عليكي ولا يفتح بقه بكلمة؟رفعت هناء وشها، وبصتلي بجمود يخوف، جمود ألعن ألف مرة من الصريخ واللطم:— بعد سفرك بتلات شهور، جالي شريف جوز أختك، دخل ومعاه سمر. أمك كانت واقفة على السلم برة بتعيط بس ما دخلتش. شريف طلعلي ورقة عليها ختوم وقالي إنك في الإمارات خسرت مناقصة كبيرة ومديون بفلوس تقيلة، وإنك بعتله تليغراف وتنازل عن الشقة عشان يسد ديونك قبل ما تتحبس برة. قالي بالحرف: "أخوكي في الغربة غرقان لشوشته، والبوليس هناك ما بيرحمش، والشقة دي راحت خلاص عشان نخرجه من قضيته".ضــ,,ـــــربت بإيدي على التراب اللي في الأرض لحد ما عضم كفي وجعني:— ديون إيه وكدب إيه! أنا من أول ست شهور في دبي وأنا مقاولتي بتكبر وواخد مقاولة تشطيب برج كامل في شارع الشيخ زايد، وعمري ما اتداينت لسمير ولا شريف بمليم أحمر! كملت هناء وصوتها بقى أهدى بس قاطع زي حد السكــ,,ـــــين:— سمر أختك مسكتني من طرحتي في الصالة، رمت شنطة هدومي المقطعة دي في بير السلم، وقالتلي: "إنتي خلاص ملكيش عيش هنا، اطلعي برة بكرامتك بدل ما نجيبلك القسم ونقول إنك سرقتي دهب أمي اللي في الدولاب". أمك يا خالد.. الحاجة فاطمة اللي كنت بتقولي شيلها في عينيكي عشان دي أمي الغالية، دخلت وطت راسها وأخدت علبة دهبي من على التسريحة قدام عيني، وقالتلي بلسان ناشف: "استري على نفسك وروحي لأهلك في كفر الشيخ يا بت الناس، ابني مابقاش عاوزك". الأكثر قراءة الان حكايات زهره الربيع 1 منذ 3 أيام ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 1 منذ يومين من وقت ما اتجوزت حكايات رومانى مكرم 1 منذ 4 أيام — طب ما روحتش لأهلك ليه؟ ليه قعدتي في العشة دي في وسخ الغيطان والكلاب؟سألتها وأنا حاسس بقلبي بيتقطع حتة حتة، فردت بحسرة خلت نفسي يتكتم:— أهلي؟ أهلي اللي جوزوني ليك بالعافية عشان شافوك مهندس ومسافر الخليج وعندك مستقبل؟ لو رجعتلهم مطلقة ومن غير مليم وأختك بلغتهم إني مشيت بفضيحة وسرقت، كان إخواتي الصبيان دفــ,,ـــــنوني بالحيا. عم منصور الخفير بتاع الغيط الله يرحمه هو اللي سترني، دخلني العشة دي وقالي اقعدي هنا واشتغلي على المكنة القديمة دي واصرفي على نفسك لحد ما صاحب الحق يرجع.. وأنا قعدت سنتين، مستنية صاحب الحق اللي طلع باعتلي بوكيه ورد وسلسلة دهب بعد ما اتدبح لحمي! مسكت إيدها المشققة غصب عنها، قربتها من شفايفي وبوستها ودموعي بتنزل على صوابعها الناشفة. كانت بتشد إيدها بعيد في الأول، بس لما حست برعشة صدـ,,ـــري وبكايا المر اللي عمري ما بكيته في حياتي، ارتخت إيدها وسابتني أبكي زي العيل التايه في الضلمة. — وحق التراب اللي مشيتي عليه، وحق الجوع والبرد والخوف اللي سكن قلبك، وحق كل ليلة نمتيها هنا وسقف الصاج ده بينقط مية مطر عليكي.. لأخلي ريوسهم في الطين، وما هكون خالد بن فاطمة إن ما خليت اللي عملوه ده يلف حوالين رقابهم زي حبل المشنقة. قومت وقفت ومسحت دموعي بضهر كم قميصي، النعومة والضعف اللي دخلت بيهم البلد اتبخروا خلاص، وحل مكانهم غل أسود وبارد. — إنتي هتيجي معايا دلوقتي حالا. ردت هناء وهي بتشاور على الكلب اللي وقف وراها على طول:— "صابر" مش هيمشي من هنا إلا معايا، الكلب ده هو اللي منع تعابين الغيط وكلاب السكك والعيال الصيع يدخلوا عليا العشة دي في أنصاص الليالي. ركبتهم في العربية ورا، الكلب قعد جنبها على الفرش الفخم وهو باصصلي من المراية، وهناء حاطة إيدها على راسه وعينيها باصة للطريق الزراعي كأنها بتودع كابوس كان خانق أنفاسها. طلعت بالعربية على طنطا، بس ما روحتش على الشقة. وقفت قدام أوتيل محترم على أول المدينة، نزلت وحجزت باسمي أكبر جناح، ودخلتها وطلبتلها أحسن أكل ممكن يتعمل، وخليت الروم سيرفيس يجهزوا لبس وحمام دافي وكل اللي ممكن تحتاجه بني آدمة اتعذبت سنتين. وقفت قدام باب الجناح، بصيت في عينيها وقولت:— ارتاحي يا هناء، نامي على سر,,ـــــير نضيف، واقفي ورا الباب ده بالمفتاح ومتفتحيش لحد غيري.. أنا عندي مشوار صغير، هروح ألم الدفاتر القديمة وأقفل الحساب اللي اتفتح على قفايا. نزلت من الأوتيل ودخلت على البنك الأهلي فرع طنطا، وكان فاضل ربع ساعة قبل ما الموظفين يقفلوا السيستم الداخلي. دخلت لمدير الفرع اللي كان معرفة قديمة لوالدي الله يرحمه. قعدت على الكرسي قدامه، وطلبت برنت كامل لكل الحوالات اللي دخلت حسابي وحساب أمي باسمها على مدار السنتين اللي فاتوا، وصور الشيكات وتفاصيل التوكيل اللي كان متسجل عندهم. الراجل بص في الشاشة ودماغه لفت، رفع نضارته وقالي:— يا بشمهندس خالد.. أنت عارف المبالغ اللي اتسحبت دي قد إيه؟ التوكيل اتفعل بالكامل، والفلوس اللي كنت بتبعتها بالدولار كانت بتتصرف بالمصري وتتحول أول بأول لحساب شريف عبد المنعم جوز أختك، ده غير القرض اللي اتسحب بضمان رصيدك العقاري هناك! طبعت كل كشف، كل إيصال، كل ورقة عليها إمضاء شريف أو بصمة أمي أو توقيع سمر بالاستلام. الأكثر قراءة الان حكايات زهره الربيع 1 منذ 3 أيام ثلاث شهور حكايات رومانى مكرم 1 منذ يومين من وقت ما اتجوزت حكايات رومانى مكرم 1 منذ 4 أيام حطيت الملف التقيل ده في شنطتي الجلد، وقبل ما أخرج، اتصلت بالمحامي بتاعي في القاهرة:— ألو.. يا متر، جهزلي بلاغ للنائب العام بتهمة الاستيلاء على أموال وخيانة أمانة وتزوير محررات رسمية، وعايزك في خلال ساعة تكون واقفلي قدام عمارة طنطا ومعاك اتنين رجالة وقوة من القسم لو أمكن. . الليلة دي هتتصفى ومش هتبات للصبح. سقت العربية ورجعت على نفس الشارع، الشمس كانت غربت والضلمة بدأت تغطي بيوت طنطا، وأنوار الشقة بتاعتي في الدور التالت كانت منورة بالكامل، وصوت ضحكات سمر وجوزها طالع لحد الشارع وهما مشغلين التلفزيون الجديد وعاملين حفلة على شقايا. طلعت السلم خطوة بخطوة، صوت جزمتي على الرخام كان بيعمل صدى تقيل في العمارة. وقفت قدام الباب، رنيت الجرس رنة واحدة طويلة، وحطيت إيدي في جيبي مستني اللحظة اللي هينفتح فيها الباب ويشوفوا الوش اللي عمرهم ما تخيلوا إنهم هيشوفوه