ابن الملونير ولد اصم
كيف مرّ هذا الشيء دون أن يراه أحد؟ كيف عاش داخل أذن طفله كل هذه السنوات؟ أسئلة كثيرة تدفقت في رأسه بسرعة، كل سؤال أثقل من الآخر، وكل إجابة محتملة كانت أكثر رعبًا من السابقة. كانت الحقيقة تقف أمامه، ومع ذلك لم يستطع لمسها.
أما غريس، فكانت الوحيدة التي لم تراجع، لأنها كانت الوحيدة التي لاحظت علامات غير مفهومة على الطفل طوال حياته. كانت تراه يستيقظ مفزوعًا في الليل وهو يمسك أذنه، تراه يتجمد كلما شعر باهتزاز بسيط، تراه يضع يديه على رأسه وكأنه يسمع شيئًا لا يسمعه الآخرون.
لكن لم يصدقها أحد. واليوم، وهي ترى المخلوق يتحرك أمام الجميع، أدركت أن إحساسها لم يكن مجرد خيال أو مبالغة. اقترب الطبيب أخيرًا وقال بصوت مرتعش لم يتوقع أحد أن يسمعه منه: “ليس هذا مخلوقًا طبيعيًا”.
”هذا شيء نادر جدًا… شيء كان يمكن أن يقتل الطفل، أو يمنعه من السمع للأبد”. سقطت جملة الطبيب على رؤوس الحاضرين كالصاعقة، وجعلت كالب يرتجف لأول مرة منذ سنوات. كانت الحقيقة أمامهم: الطفل لم يولد أصم، بل كان هناك شيء يعيش داخل أذنه، يسرق منه سمعه، ويحرمه من العالم.
استعاد الطفل وعيه تدريجيًا، وبدأ ينظر حوله بعينين قَلقتين، كأنه يرى العالم لأول مرة. الألوان كانت مشرقة، الأصوات كانت جديدة، وكل شيء بدا له غريبًا ومثيرًا في نفس الوقت. مدّ يده الصغيرة نحو والده، لمسة خفيفة لكنها مليئة بكل السنوات التي عاشها بصمت.
شعر كالب بشيء ينكسر داخله، شيء لم تمنحه له الثروة ولا الطب ولا القوة. كان ابنه يناديه للمرة الأولى. اقترب الطبيب من المخلوق بقطعة زجاج عازلة، وحاول تغطيته بحذر. لكن قبل أن يلمسه، أصدر المخلوق صوتًا منخفضًا يشبه دقًا سريعًا، كأن هناك نبضًا خفيًا بداخله.
توقفت يد الطبيب، وتجمّدت أنفاسه، ثم نظر إلى كالب وقال بذهول: “هذا الشيء كان متصلاً بالأعصاب السمعية… كان يتغذى على الذبذبات الصوتية كأنه كان يعيش على صمت الطفل”. عمّ صمت ثقيل الغرفة، حتى أصبح صوت أنفاس الصبي واضحًا.
غريس، التي لم تعد تخاف من شيء، تقدمت خطوة للأمام وقالت: “كنت أعرف أن هناك سرًا… كنت أشعر أنه يسمع لكنه لا يستطيع أن يصل إلى الصوت… وكأن شيئًا ما يحجبه”. ثم نظرت إلى المخلوق الملتف تحت الضوء وأضافت بصوت منخفض: “ولكن لماذا هو هنا؟ وكيف دخل؟”.