حق بنتي حكايات مني السيد
حكايات مني السيد حصري الجزء الاول
جوزي أهان أمي قدام عيني، رمى شنطتها على الأرض وقال قدامك ساعة واحدة تفضي الشقة وتغوري، قطرك هيتحرك الساعة واحدة بالليل، بكرة الصبح أمي وأختي هيوصلوا… لو ما مشيتيش بالذوق، أنا هرمي كراكيبك بنفسي على السلم ….!! رمى طارق تذكرة القطر على الترابيزة، وبعدها شاط شنطة هدوم أمي الصغيرة ناحية باب الشقة، أمي اللي خدمت في بيتنا خمس سنين من غير مليم….
كانت الساعة داخلة على ١١ بالليل في عز برد طوبة في القاهرة. الهوا برة بيرزع في شبابيك الشقة، وأمي، الحاجة فوزية، ست عندها خمسة وستين سنة، واقفة مسمرة جنب باب المطبخ وإيديها بترتعش.
قبلها بخمس دقايق بس كانت بتغرف له شوربة الفراخ الدافية… أكلته المفضلة… من خمس سنين، من يوم ما ابني مالك اتولد، أمي سابت بيتها ودنيتها في بنها وجت عشان تقف جنبي. ما طلبتش مليم أحمر. كانت بتربي الواد، وتطبخ، وتنضف، وتغسل، وبرضه كانت بتشيل له هم وتعمل له أكل سخن لما يرجع متأخر وش الصبح.
في الليلة دي رجع وريحة الشرب فايحة منه… أمي طلعت له بالطبق لقمتين يا
ابني يرموا عضمك، هيريحوا معدتك.
طارق ما بصش حتى للطبق
هو كل شوية أكل الفلاحين ده؟
وبزقة عصبية من إيده، طيّر الطبق. الشوربة المغلية لسعت إيدين أمي.
رجعت لورا من سكات ومن غير ما تنطق بحرف… كنت وقتها بلم ألعاب مالك، سمعت الخبطة وطلعت أجري… وهناك شفت التذكرة.
إيه ده؟ ده معناه إيه؟
طارق عدل ياقة قميصه ورد كأنه بيدي أوامر لموظف عنده في الشركة
بكرة الصبح أمي وأختي منى هيوصلوا وهيستقروا هنا.. وأنا محتاج أوضة مامتك.
افتكرته بيهزر
تقدر تحجز لهم في أوتيل.
ضحك باستهزاء
ومنين يا حسرة يا مريم؟ من مرتبك الغلبان، الستة آلاف جنيه بتوع الموظفين؟
وشاور على الشقة بغرور
أنا اللي دافع تمن الشقة دي. أنا اللي شايل البيت ده وبصرف على العيلة. أمك ليها خمس سنين عايشة واكلة شاربة ببلاش. كفاية عليها لحد هنا.
حسيت بۏجع شق صدري نصين
أمي ربت ابنك في غيابك، كانت بتطبخلك وتغسل هدومك وشايلة البيت ده فوق راسها من غير ما تاخد منك تعريفة واحدة!
حكايات_مني_السيد
خبط على الترابيزة بعصبية
عشان عايشة تحت سقفي وفي خيري!
مالك اتقلب في سريره جوا وصحي على
الصوت.
أمي مسكت دراعي وبتهديني
خلاص يا بنتي، بلاش تخربي بيتك علشاني. أنا ماشية.
عينيها كانت مليانة دموع
هقعد في المحطة لحد الصبح وأركب أول قطر.
طارق ابتسم ابتسامة صفرا بكل روقان
شوفتي؟ أهي بتفهم أهو.
وبص لأمي من فوق لتحت بقرف
ولمّي معاكي بقى الشكاير والهدوم القديمة دي، مش ناقصة أمي تيجي تلاقي ريحة الأرياف قالبالنا البيت.
أمي وطّت راسها في الأرض.
هنا، كل حاجة انكسرت.. بس بدالها طلع جبل من الڼار.
سنين طويلة بلعت فيها لساني واستحملت غطرسته عشان مالك يكبر وسط أب وأم. وطّيت صوتي، وداريت نجاحي، وسبته عايش في وهم هو مصدقه عشان يغذي كبرياءه وغروره الفارغ. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
لكن شوفة أمي بتلم شراب مخروم والدموع نازلة على خدها.. دي غيرت كل حاجة للأبد.
قربت منه خطوة خطوة… طارق كان لسه مبتسم بغرور
يلا يا مريم خلصينا، اطلبي لها أوبر يرميها في المحطة.
نزلت بكف إيدي على وشه بقلم رن في الصالة كلها، خلاه يقف متنح مش مستوعب.
أنت بتطرد مين من بيت مين؟
حط إيده على خده وهو مصډوم ومبرق
أنتِ اټجننتي؟! إيه اللي بتهببيه
ده؟!
بصيت في عينيه بثبات يخلع القلب
الشقة دي
مش أنت اللي شاريها.. والعربية الجيب اللي راكبها وفرحان بيها مش بتاعتك.. حتى منصبك اللي نافش ريشك بيه ده، ما وصلتش ليه إلا بسببي وبواسطتي.
ضحك ضحكة مهزوزة كلها توتر.
فتحت درج المكتب، وطلعت دوسيه أزرق تقيل ورزعته في وشه اقرأ.
أول ورقة عقد الشقة الأخضر، مسجل باسمي أنا بس المالك الوحيد.
تاني ورقة إيصال سداد تمن العربية كاش، برضه باسمي.
وتحتهم كشوفات حساب بنكية بملايين، طارق ما حلمش حتى يشوف أرقام زيها في حياته.
وشه اتخطف، والدم هرب من ملامحه وبقى لونه زي الجير
إيه الورق ده؟ جبتي الحاجات دي منين؟
في اللحظة دي الموبايل بتاعي رن.
اسم المتصل نور على الشاشة مديرة مكتبي التنفيذي.
طارق مد عينه بسرعة وقرا الكلمات اللي مكتوبة على الشاشة
أ مريم الألفي رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب، مجموعة النور للاستثمار.
رفع عينه وبصلي..
ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا، شفت في عينيه ړعب ورعشة ما شفتهاش في حياتي.
واللي طارق ما كانش يعرفه وقتها، إن الصدمة دي والاسم اللي شافه كان مجرد بداية لأكبر كابوس وأسود صباح هيعدي عليه في عمره كله.
كانت
رنة التليفون في السكات اللي خيّم فجأة على الصالة كأنها جرس إنذار بحريقة. الشاشة كانت منورة في الضلمة باسم مديرة مكتبي أ مريم الألفي رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب، مجموعة النور للاستثمار. طارق كان مبحلق في الشاشة، عينه طالعة لبرة، وريقه نشف لدرجة إنه بلعه بصوت مسموع. بص للشاشة، وبعدين بص لعقد الشقة الأخضر اللي في إيده، وبعدين رفع عينه وبصلي أنا.
الملامح اللي كانت من دقيقتين بس بتنضح تكبر وغرور، اتمسحت تماماً، وحل مكانها شكل راجل مسحوب منه الروح، شفايفه بتترعش ومش عارف يجمع جملة مفيدة على بعضها.
أنا ما مديتش إيدي أرد على التليفون. سبته يرن لحد ما فصل لوحده، وفضل صوت الهوا بتاع برة اللي بيخبط في أزاز الصالة هو الصوت الوحيد الموجود. مشيت خطوتين بهدوء ناحية أمي، اللي كانت لسه قاعدة على ركبتها جنب الحيطة، كأنها بتستخبى من الڤضيحة، وإيديها الاتنين حاطاهم على صدرها بتكتم شهقتها من العياط. وطيت في الأرض، مسكت إيديها الاتنين اللي كان مكان الشوربة لسه ملهلب فيهم وأحمر ډم.
قومي يا أمي، قومي على حيلك.. البيت ده بيتك،
والواطي هو اللي يطلع منه مش الست اللي بنته.
أمي بصتلي بړعب، عينيها الدبلانة كانت بتترجاني أسكت، صوتها طلع مهزوز ومخڼوق يا بنتي عشان خاطر الواد.. عشان خاطر مالك، الرجالة ما بتستحملش الكسرة دي، استهدي بالله وخلينا نعدي الليلة على خير، أنا هروح أقعد عند خالتك في شبرا بس ما تخربيش عشك.
عشي؟ الكلمة طلعت مني بضحكة سخرية حاړقة، قومت أمي وسندتها لحد ما قعدت على الكنبة، وبصيت لطارق اللي كان لسه واقف متسمر مكانه، إيده اللي كان ماسك بيها التذكرة بدأت ترتعش، ورقة القطر وقعت من بين صوابعه ونزلت على السجادة زي ورقة شجر ناشفة في الخريف.
مريم.. إيه ده؟ صوته طلع واطي، مخڼوق، مش هو ده الصوت اللي كان بيرزع وېهدد من شوية إيه الورق ده يا مريم؟ ده تمثيل؟ أنتي بتهزري صح؟ ده مش وقت هزار، أنتي إزاي معاكي الورق ده؟ ومين النور دي؟ أنتي.. أنتي موظفة إتش آر في شركة استيراد وتصدير تعبانة، أنا اللي بنزل الصبح أطحن في السوق وأرجع وش الصبح عشان البيت ده يقف!
ابتسمت، نص ابتسامة باردة، من اللي بتدبح من غير ډم. قربت منه ببطء، وكل خطوة كنت باخدها
كانت بتخليه يرجع خطوة
لورا لحد ما ضهره خبط في بار المطبخ الرخام.
أنت صدقت الكدبة يا طارق؟ صدقتها عشان كانت بتنفخ في ذاتك المړيضة؟ عشان تملى النقص اللي كان جواك من يوم ما اتجوزنا؟
كدبة إيه؟! قولي كلام يدخل العقل! أنتي بتشتغلي موظفة عادية من سبع سنين!
أنا سيبت الشركة دي من خمس سنين، من الشهر التالت لحملي في مالك وقفت قدامه وبصيت في عينيه مباشرة وقتها، لما عمي الله يرحمه ماټ ومالوش ورثة غيري، ورثت الحصة الأكبر في شركات مجموعة النور. ولما عرفت حجم الديون اللي كانت بټغرق شركتك الهندسية الغلبانة اللي كنت هتدخل بسببها السچن، دخلت من الباطن، ضخيت سيولة، واشتريت نصيب شريكك اللي كان هيلبسك في الحيط، ومن يومها وأنا الشريك الأكبر الخفي في الشركة اللي بتشتغل فيها ونافش ريشك وبتقول أنا المدير الإقليمي!
طارق فتح بقه، وشه بقى أبيض زي الشمع، وبلع ريقه بصعوبة أنتي؟.. أنتي صاحبة الشركة اللي أنا شغال فيها؟!
الشركة، والشقة دي، والعربية الجيب اللي بتتمخطر بيها قدام أهلك وصحابك وتقول جايبها بقرض من البنك وبدفع قسطها من عرق جبيني. القرض
ده كان باسم شركتي، وأنا اللي كنت بسدده من حساباتي المقفولة. كل مليم صرفته، وكل بدلة براند نزلت بيها، وكل مؤتمر سفرتك فيه برة مصر، كان من تحت إيدي.. وأنا ساكتة، بقول معلش، راجلي ولازم يفضل قدام الناس عالي ومستور، عشان مالك يشوف أبوه ناجح، عشان أشتريلك هيبة أنت نفسك ما كنتش قادر تصنعها!
الډم هرب من وشه تماماً، حسيت برجليه مش قادرة تشيله، سحب كرسي السفرة وقعد عليه فجأة كأنه هيدوخ، بص للأرض وقال بصوت مهزوز وليه خبيتي عليا؟ ليه عيشتيني في كدبة؟ ليه خليتيني أعيش على عمايا؟
عشان أنت نمرود! الكلمة طلعت مني زي الړصاصة، هزت الصالة عشان أول سنة جواز، لما جالي ترقية بزيادة تلات آلاف جنيه في وظيفتي القديمة، قعدت أسبوعين في البيت ما بتكلمنيش، وشك مقلوب وبتلكك على كوباية الشاي، عشان ما قدرتش تستحمل إن مراتك بتقبض زيك أو أعلى منك بألف جنيه! عشان عرفت إنك راجل هش، لو حسيت إن الست اللي معاك أقوى منك أو أغنى منك هتدمرها عشان تحس برجولتك! فقلت أريحك، أعمل نفسي موظفة غلبانة مرتبها مبيكملش تلاتين يوم، وأسيبك أنت تاخد
اللقطة وتعمل فيها سي السيد اللي شايل البيت.. بس الواطي واطي يا طارق، كل ما كنت بكبرك، كنت بتدوس على اللي حواليك، لحد ما الغرور عماك وخلاك تتجرأ وتمد إيدك على أمي؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت كركبة خفيفة من أوضة الأطفال. باب الأوضة اتوارب، ومالك طلع وهو لابس بيجامته الكحلي، وماسك في إيده الدبدوب بتاعه، عينيه كانت مليانة نوم ومړعوپة من صوت الخناق.
ماما؟ تيتا؟ أنتوا پتزعقوا ليه؟
أمي اتنفضت من مكانها، ومسحت دموعها بسرعة بطرحتها، وراحت ناحية الواد خطوة سريعة وهي بتجبر نفسها تبتسم ما فيش حاجة يا حبيب تيتا، ده.. ده بابا وماما بيتكلموا، ادخل نام يا حبيبي الجو برد.
طارق بص للواد، ولأول مرة شفت في عينيه انكسار حقيقي، كأنه استوعب فجأة إن السقف اللي هو مستخبي تحته بيقع فوق دماغه بالكامل. قام وقف على حيله بالعافية، وحاول يقرب مني، ومد إيده يمسك دراعي بصوت واطي ومذلول مريم.. عشان خاطر مالك، وطي صوتك. مش قدام الواد.. إحنا نتفاهم. أنا.. أنا كنت مضغوط في الشغل، وأنتي عارفة أزمة المشروع الجديد مأثرة على أعصابي إزاي،
والله ما كنت أقصد، أنا بس كنت عايز أعمل خاطر لأمي، أمي جاية من البلد بكرة الصبح وأختي معاها وظروفهم صعبة..
نفضت إيده من عليا بكل قرف، وبصيتله باحتقار عمري ما حسيته لبني آدم أمك تعمل لها خاطر على چثة أمي؟! أمك الست الهانم متقعدش في أوتيل عشان ريحة الفنادق مبتعجبهاش، فترمي أمي اللي خادماك خمس سنين في عز الليل ومطر طوبة في محطة القطر كأنها شحاتة؟!
أنا غلطان! قالها وهو بيوطي صوته ويتلفت حواليه بړعب، كأنه خاېف حتى الحيطان تسمعه حقك عليا، وحق الحاجة فوزية فوق راسي.. أنا هبوس راسها دلوقتي حالاً وهعتذر لها، بس هدي الموضوع، بلاش فضايح، إحنا عشرة سبع سنين يا مريم!
أمي كانت واقفة بتطبطب على مالك، وبصت لطارق بعتاب يهد الحيل يا طارق يا ابني.. أنا عمري ما طلبت منك حاجة، كنت بطبخلك وأغسل قمصانك بإيدي وأكويها عشان تنزل تلمع قدام الناس، عمري قصرت معاك؟ عمري حسستك إنك غريب؟ تطردني في نص الليل وتقول أكل فلاحين وريحة قري؟ ده الفلاحين دول هما اللي علموكم الأصول اللي أنت مشوفتش بربع جنيه منها!
طارق وشه كان في الأرض، لسانه عاجز ينطق بحرف واحد.
الغرور المزيف داب، والبدلة الشيك اللي كان لابسها بقت كأنها كفن، كل اللي كان شاغل باله في اللحظة دي مش مشاعر حد، كان شاغل باله مستقبله، فلوسه، شكله قدام أهله اللي عزمهم وجايبهم بكبرياء على أساس إنه ملك مصر والقاهرة وإن الشقة دي بتاعته.
مسكت التليفون بتاعي اللي كان رجع يرن تاني بنفس الرقم. المرة دي فتحت الخط، وحطيت التليفون على السبيكر من غير ما أتردد ثانية.
صوت نور مديرة مكتبي طلع واضح، حاسم، ومليان شغل مساء الخير يا مريم هانم، بعتذر عن الاتصال في وقت متأخر كده، بس كان لازم أبلغ حضرتك.. أستاذ طارق كان مقدم على طلب سلفة بضمان أرباح نهاية السنة من حسابات الشركة عشان يسدد قسط سيارة باسمه، والورق قدامي محتاج توقيع حضرتك عشان يتعمد بكرة الصبح أول ما البنوك تفتح.
طارق رفع راسه فجأة، عينيه اتسعت بړعب چنوني، وهز راسه بهيستيريا كأنه بيترجاني ماردش.
بصيت في عينيه مباشرة، وبنبرة صوت هادية وباردة زي التلج، رديت على نور ارفضي الطلب يا نور.
تمام يا فندم.
وحاجة تانية.. بلغي الشؤون القانونية والموارد البشرية يجهزوا قرار سحب العربية
فوراً، وتجميد كل صلاحيات الأستاذ طارق في إدارة المشروعات لحد ما لجنة المراجعة الداخلية تخلص فحص الحسابات بتاعة السنة اللي فاتت كلها.
نور سكتت ثانية واحدة، مستغربة القرار بس محترفة مفهوم يا فندم. تحبي أبلغ أمن الشركة بعدم دخوله بكرة؟
لا، سيبيه ييجي عشان يستلم إخطار وقفه عن العمل بنفسه.. وقفلي كل الكروت الائتمانية التابعة لحساب الشركة من اللحظة دي.
تحت أمرك يا فندم، تصبحي على خير.
قفلت الخط.
الصالة بقت هادية لدرجة مرعبة، مفيش غير صوت أنفاس طارق السريعة المتلاحقة كأنه بيغرق، عرق بارد نزل من على جبينه وبدأ يمسح وشه بكم قميصه وهو بيترعش.
أنتي.. أنتي بتعملي إيه؟ أنتي كده بتدمريني! شغلي.. الناس في الشركة هتقول إيه؟! أهلي اللي جايين بكرة هقولهم إيه؟!
قربت من باب الشقة، فتحته على وسعه. الهوا البارد بتاع نص الليل دخل لفح وشوشنا، وأنا شاورت بصباعي لبرة، على عتبة الباب، عند السلم الرخام.
التذكرة اللي أنت حجزتها لقطر بنها الساعة واحدة بالليل.. لسه ميعادها ما جاش، قدامك تلت ساعة تلحق القطر.
طارق بلع ريقه وبص للباب بړعب مريم.
. أنتي بتطردينينا من الشقة؟!
مش ده كان كلامك من ربع ساعة؟ مش ده السقف اللي أنت كنت فاكر إنك بتمن بيه على أمي؟ الباب مفتوح يا طارق.. اطلع برة، وأمك وأختك اللي جايين بكرة الصبح، بدل ما تستقبلهم في شقتي، استقبلهم على المحطة وروحوا كلكم على بيتكم القديم اللي خرجت منه ونسيت أصلك فيه.
مريم أبوس إيدك، مريم بلاش فضايح في العمارة، إحنا بيننا ولد!
الولد هيربيه أصل ونسب نظيف، مش راجل خاېن للعيش والملح وبيرمي الستات في الشارع بنصاص الليالي وطيت على الأرض، مسكت الشنطة بتاعته اللي كان راجع بيها من السفر من كام يوم ومركونة جنب الباب، وحدفتها على السلم برة الشقة قدامك خمس دقايق تلم حاجتك وتاخد تذكرتك في إيدك وتغور، وإلا ورب الكعبة هتصل بأمن الكومباوند والنجدة
وهخلي منظرك قدام العمارة كلها ميسواش تلاتة مليم.
أمي جريت عليا وحاولت تمسك دراعي يا بنتي خلاص كفاية، عشان خاطري..
لا يا أمي! صوتي علا بحسم لأول مرة في حياتي اللي يدوس عليكي يتداس بالجزم، حتى لو كان مين!
طارق بص للباب، وبص للممر الطويل اللي برة في السقعة، وبص لورق الشقة اللي محطوط على الترابيزة. شاف في عيني نظرة عرف منها إن مفيش ولا كلمة من اللي قالها أو هيقولها هترجع خطوة واحدة لورا. الكبرياء المصطنع اللي كان عايش بيه اتهد في لحظة واحدة، وتحول لشخص ذليل، وشه في الأرض، عاجز حتى إنه يدافع عن نفسه.
مد إيده على الأرض، ولم تذكرة القطر اللي كان راميها باستهزاء، ومشى بخطوات تقيلة، مهزومة، مکسورة، كأنه عاجز، وطلع على عتبة الباب ووقف يبصلي
للمرة الأخيرة، كأنه مستني معجزة تلحق الکاړثة اللي هو داخل عليها.
بس أنا ما اديتلوش فرصة ينطق. مسكت الباب، ورزعته في وشه بكل قوتي.
صوت الرزعة رن في العمارة كلها، ومسكت المفتاح ولفيته تكتين. سندت ضهري على الباب الخشب، وأخدت نفس طويل حارق كان محپوس جوايا بقاله سنين.
أمي كانت واقفة وپتبكي، بس المرة دي دموعها ما كانتش قهر، كانت صدمة وذهول. رحت عندها، وحضنتها، وأنا حاسة بضربات قلبها بتهدى شوية بشوية.
بس وأنا بضمھا، التليفون رن في إيدي تاني. بصيت للشاشة.. المرة دي كان رقم حمايا القديم، والرسالة اللي وصلت ورا الرنة خلتني أعرف إن الليلة دي لسه فيها مفاجأة تانية محدش كان متوقعها، وإن اللي طارق خاف منه كان مجرد نقطة في بحر اللي مستنيه لما الشمس
تطلع.
يتبع