بكره تدوري علي شغل

اللي لقيته مرمي في المطر، واللي قعدت جنبه طول الليل، واللي اختفى من غير ما أعرف عنه أي حاجة.
لكنه المرة دي كان مختلف تمامًا.
وقف قدامي وقال
صباح الخير يا سلمى. أتمنى تكوني بخير.
بصيت له بدهشة وسألته
إنت كويس؟ وإيه اللي حصل لك؟
رد
أنا بخير دلوقتي، والفضل يرجع لك بعد ربنا.
وقبل ما أقدر أسأله عن اسمه الحقيقي، مد إيده وناولني كيسًا أنيقًا.
فتحته، فلقيت جواه البيجامة والبلوفر اللي كان لابسهم ليلة ما وصل المستشفى، مغسولين ومكويين بعناية.
وتحتهم كان فيه خطاب مقفول باسمي.
قال لي
دي حاجتي اللي استعرتها من المستشفى، وده خطاب ليكِ. أتمنى تقريه قبل ما تسمعي أي كلام عني.
في اللحظة دي، قرب الدكتور محمود بخطوات متوترة، وقال بابتسامة مصطنعة
أهلًا وسهلًا يا أستاذ أدهم، نورت المستشفى. إحنا تحت أمرك في أي حاجة.
أدهم بص له ببرود وقال
غريبة! من يومين بس، كنت بتقول إن المستشفى مش مكان للناس اللي ملهاش أوراق تثبت هويتها.
اتغير لون وش الدكتور محمود، وبص حواليه كأنه بيدور على مخرج من الموقف.
أما أنا، ففضلت واقفة مش فاهمة حاجة.
مين أدهم المنشاوي؟ وليه مدير المستشفى خاېف منه بالشكل ده؟
فتح أدهم الملف اللي كان معاه، وطلع منه مجموعة مستندات.
وقال بصوت واضح سمعه كل اللي واقفين
أنا مش جاي هنا عشان أشتري المستشفى، ولا عشان أطرد حد من شغله. أنا جاي عشان أعرف الحقيقة عن اللي بيحصل جوه المكان ده.
وبعدين الټفت ناحيتي وقال
وسلمى هتكون أول شخص أتكلم معاه.
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما أدهم فتح أول مستند، وحطه قدام مدير المستشفى.
كان تقريرًا ماليًا فيه أرقام كبيرة، وتوقيعات، وتحويلات مش مفهومة.
أدهم قال
التقرير ده وصل لي من أسبوع، وبيثبت إن فيه تلاعب في ميزانية علاج المرضى، وإن فيه مبالغ اتصرفت باسم حالات عمرها ما دخلت المستشفى أصلًا.
الدكتور محمود اتكلم بسرعة
دي اټهامات خطېرة، ولازم نتأكد من صحتها.
رد أدهم
علشان كده أنا جاي بنفسي. وكل ورقة هنا هتتراجع بمعرفة الجهات المختصة.
ثم أخرج مستندًا ثانيًا، وقال
لكن فيه حاجة أهم. اسم سلمى ظهر في تقرير داخلي، وده السبب اللي خلاني أطلب مقابلتها.
اتجمدت مكاني.
أنا عمري ما لمست فلوس المستشفى، ولا شاركت في أي مخالفة.
قلت بقلق
أنا مالي بكل ده يا أستاذ أدهم؟
بص لي وقال
إنتِ مالكيش ذنب، وده اللي لازم أثبته. فيه حد استخدم اسمك في مستندات تخص مرضى، وأنا محتاج مساعدتك عشان نعرف مين عمل كده.
الدكتور محمود حاول يقاطعنا، لكن أدهم طلب منه ينتظر لحد ما يراجعوا الأوراق.
بعدها سلّمني خطابًا آخر، وقال
اقري ده على راحتك. جواه عرض ممكن يغيّر حياتك، لكن القرار في إيدك إنتِ وحدك.
فتحت الخطاب، وبدأت أقرأ أول سطر.
وفجأة، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لأن أدهم المنشاوي مكنش مجرد رجل أعمال غني، زي ما كنت فاكرة.
ده كان رئيس مجلس إدارة المؤسسة الطبية اللي بتملك المستشفى، والشخص المسؤول عن مراجعة حساباتها قبل اتخاذ قرار مصيري بشأن مستقبلها.
أما العرض اللي قدمه لي، فكان أبعد بكتير من أي حاجة تخيلتها.
لكن قبل ما أقدر أكمل القراءة، دخلت زميلتي هالة تجري وهي بتقول
يا سلمى، إلحقينا! الأمن بيقول إن فيه حد دخل مكتبك وفتش درجك، والدكتور محمود طالب حضورك حالًا!
رفعت عيني ناحية أدهم.
لأول مرة من ساعة ما رجع، اختفت ابتسامته.
قفل الملف وقال بحزم
واضح إن فيه حد عرف إننا قربنا نوصل للحقيقة.
وبعدين بص لي وأضاف
من اللحظة دي، محدش هيتحاسب من غير دليل، ومحدش هيقدر يحمّل بريء ذنب چريمة معملهاش.
مشيت معاه ناحية المكتب، وأنا
مش عارفة إيه اللي مستنيني.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة
الليلة اللي أنقذت فيها راجل مجهول من البرد، كانت بداية حكاية أكبر بكتير من مجرد مريض محتاج المساعدة.
يتبع في الجزء الثاني
يا ترى مين اللي زوّر المستندات باسم سلمى؟ وإيه العرض اللي قدمه لها أدهم؟ وهل الدكتور محمود بيخفي سرًا أخطر من التلاعب في ميزانية المستشفى؟ الجزء الثاني السر اللي كان مخبّيه مدير المستشفى
دخلت مكتبي وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي. درج المكتب كان مفتوح، والأوراق اللي كنت محتفظة بيها متبعترة على الأرض، وملف صغير كنت بكتب فيه ملاحظات عن نواقص الأدوية اختفى تمامًا.
بصيت لأدهم وقلت بقلق
أنا مش فاهمة حاجة! مين ممكن يفتش مكتبي، وليه؟
رد بهدوء
اللي بيحاول يخفي الحقيقة غالبًا بېخاف من ورقة واحدة تثبتها.
في اللحظة دي، دخل الدكتور محمود ومعاه مسؤول الأمن، وقال بعصبية
محدش هيخرج من المكتب ده قبل ما نعرف إيه اللي حصل! فيه مستندات مالية اتسرقت، وآخر واحدة كانت هنا هي سلمى.
حسيت إن الډم نشف في عروقي.
حضرتك بتتهمني بالسړقة؟ أنا طول عمري بشتغل هنا بأمانة!
رد ببرود
أنا مباتهمكيش، لكن لازم نتحقق.
أدهم قفل الملف اللي في إيده، وبص للدكتور محمود.
ممتاز. يبقى نتحقق من كل حاجة، مش من سلمى بس. عايز تسجيلات كاميرات المراقبة من الساعة عشرة بالليل لحد دلوقتي، وسجل الدخول للمكاتب، وكشف بكل الأشخاص اللي دخلوا القسم الإداري.
اتوتر الدكتور محمود وقال
الكاميرات في الممر ده عطلانة من أسبوع.
أدهم سأله فورًا
مين اللي أثبت العطل؟ وفين تقرير الصيانة؟
الدكتور محمود سكت.
كانت أول مرة أشوفه مش عارف يرد.
وبعد دقائق، وصل مسؤول تكنولوجيا المعلومات، وقال إن الكاميرات الداخلية مش كلها متوقفة زي ما المدير ادّعى، وإن فيه تسجيلات محفوظة على جهاز منفصل.
طلب أدهم مراجعتها بحضور المسؤولين المختصين.
وبعد شوية، ظهرت صورة شخص داخل مكتبي الساعة السادسة صباحًا، قبل بداية ورديتي.
الصورة مكنتش واضحة كفاية عشان نحدد ملامحه، لكنه كان لابس معطفًا خاصًا بالعاملين في الإدارة.
وفجأة، قال مسؤول الأمن
استنوا! الشخص ده خرج ومعاه ملف أزرق، وراح ناحية مكتب المدير.
بصيت للدكتور محمود، فلقيته بيحاول يحافظ على هدوئه، لكن إيده كانت بتترعش.
أدهم طلب حفظ التسجيلات رسميًا، وقال إن أي اتهام لازم يتبني على دليل واضح، وإنه مش هيسمح لحد يعبث بالأدلة.
وبعدها طلب مني أقعد معاه في قاعة الاجتماعات.
العرض اللي قلب حياتي
قعدت قدامه، وحط الخطاب اللي كان سلّمهولي على الترابيزة.
قال
قبل ما أتكلم عن العرض، لازم أحكيلك أنا كنت في الشارع ليه.
بدأ يحكي إن اسمه أدهم المنشاوي، وإنه رئيس مجلس إدارة مجموعة طبية كبيرة، وإنه كان بيجهز لمراجعة شاملة للمستشفى بعد ما وصلته شكاوى عن نقص الأدوية، وتأخر علاج المرضى، ومشكلات في الحسابات.
وقبل ما يبدأ المراجعة الرسمية، قرر يزور المستشفى بنفسه من غير ما يعلن عن هويته.
لكن في طريقه، حصلت له مشكلة. عربيته اتعطلت في منطقة بعيدة، وموبايله اتفقد وسط ارتباك حصل بعد ما وقع واتخبط في رأسه. ومع شدة البرد، فقد وعيه بالقرب من السور الخلفي للمستشفى.
قال بأسف
أنا عارف إن اختفائي من غير ما أشكرك كان تصرف غلط. لما فوقت كويس، افتكرت إن وجودي في المستشفى بهويتي الحقيقية ممكن يغيّر طريقة تعامل الناس معايا، فخرجت بمساعدة أحد العاملين بعد ما بقيت قادر على الحركة، وروحت أراجع أوراقي وأرتب رجوعي.
سألته
طب ليه رجعت بنفسك؟ كان ممكن تبعت حد يشكرني.
ابتسم وقال
لأنك ساعدتيني قبل ما تعرفي أنا مين. وده خلاني
أفهم إنك شخص يستحق فرصة حقيقية.
فتح الخطاب وبدأ يشرح العرض.
كان عايز يرشحني لمنصب مشرفة تمريض في وحدة جديدة لرعاية المرضى غير القادرين، بشرط اجتياز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *