اعز صاحب لابني حكايات احمد عمار
حضر جنازة أعز أصحابه بفستان أحمر… ولما مسك الميكروفون، كشف سرّ خلّى الكل يعيط!
إنت جاي جنازة ابني بالمنظر ده؟!
دي كانت أول جملة عدّت في دماغي وأنا شايفة أقرب صاحب لابني داخل من باب قاعة العزاء، لابس فستان أحمر، والناس كلها بتلف تبصّ له باستغراب وصدمة.
كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة الأسود من فوق لتحت، وقلبي حاسّة إنه اتدفن مع ابني من ساعات. كنت لسه مش مستوعبة إن ابني اللي ربيته وكبر قدام عيني، واللي كان مالي البيت ضحك وحركة، مش هيرجع تاني.
وفجأة، وسط كل الۏجع اللي كنت غرقانة فيه، ظهر الولد اللي كان أقرب له من أخوه، بالشكل اللي خلّى همس الناس يتحوّل لنظرات استنكار، وبعدها لتعليقات مسموعة.
واحدة من الستات اللي قاعدين ورايا همست لصاحبتها
هو مفيش احترام للموتى؟ يعني حتى يوم الچنازة لازم يعمل فيها حكاية؟
راجل قاعد في آخر القاعة هزّ راسه وقال للي جنبه
دي قلة تقدير لأهل المتوفى. المفروض حد يطلّعه برّه.
وأنا؟ أنا ما كنتش عارفة أقول إيه.
الولد ده مش غريب عننا. أنا أعرفه من وهو عنده سبع سنين. كنت بشوفه كل يوم تقريبًا، داخل بيتنا من غير ما يخبط، يفتح التلاجة، ياخد اللي يعجبه، ويجري على أوضة ابني كأن البيت بيته.
كان بيبات عندنا أكتر ما كان بيبات في بيته، وكان بيقعد معانا في الأعياد والمناسبات، خصوصًا في الفترات اللي كانت فيها المشاكل عند أهله كتير.
وفي وقت مرض ابني، كان موجود كل يوم.
كل يوم، من غير مبالغة.
أربعتاشر شهر كاملة، وهو واقف جنبه في أصعب رحلة ممكن شابين في عمرهم يعيشوها.
كان بيقعد على أرض أوضة المستشفى، يعمل واجباته المدرسية جنب السرير، ويضحك ابني لما الألم كان يخليه مش قادر يتكلم، وأوقات كان ينام وهو ساند راسه على طرف المرتبة من كتر الإرهاق.
في أسابيع كتير، كان بيقضي مع ابني وقت أكتر مني أنا شخصيًا.
وعشان كده، لما شفته داخل بالفستان الأحمر، أول سؤال جه في دماغي كان هو حصل بينهم إيه؟
هل اتخانقوا قبل ما ابني ېموت؟
هل ابني قال له حاجة وجعته؟
هل فيه سرّ بينهم محدش يعرفه؟
لفّيت ناحية مجموعة الشباب اللي كانوا أصحاب ابني، وبدأت أسألهم بصوت واطي
هو حصل حاجة بينه وبين ابني؟ حد يعرف إذا كانوا اتخانقوا؟
كلهم هزّوا راسهم بالنفي.
واحد منهم قال
على حد علمي، لأ يا طنط. دول كانوا أقرب اتنين لبعض.
لكن وأنا ببصّ للولد، ما قدرتش أمنع نفسي من التفكير في أسوأ احتمال.
يمكن هو اختار يعمل كده عشان يلفت الأنظار.
يمكن كان عايز يحوّل جنازة ابني لمشهد الناس كلها هتتكلم عنه.
وأنا كنت آخر واحدة عندها طاقة تتحمل أي حاجة زيادة.
كنت لسه من شوية واقفة قدام قبر ابني، بحاول أستوعب إن التراب اللي بيتحط عليه هو آخر حاجة هتربطني بيه.
دلوقتي، بدل ما أركز في وداعه، بقيت مضطرة أتعامل مع موقف مش فاهمة سببه.
جوزي كان قاعد جنبي، ومن أول ما الولد دخل، لاحظت إن ملامحه اتغيّرت.
في البداية فضّل ساكت.
وبعدين ضغط على إيد الكرسي اللي جنبه، وقام واقف فجأة.
ما قالش كلمة واحدة، لكنه كان واضح إنه ناوي يتحرك ناحية الولد.
مسكت في كمّ قميصه بسرعة.
استنى… أرجوك.
بصّ لي، وكانت عينيه مليانة ڠضب.
قال بصوت مكتوم
إنتِ شايفة اللي أنا شايفه؟ ده جاي يعمّل إيه هنا بالشكل ده؟
همست له
مش عارفة… بس استنى شوية. يمكن عنده سبب.
ردّ بعصبية
سبب إيه؟! إحنا في جنازة ابننا! أقل حاجة كان المفروض يحترمنا ويحترم اليوم ده.
ما قدرتش أردّ.
لأني، في اللحظة دي، كنت بفكر في نفس الكلام.
لكن