اعز صاحب لابني حكايات احمد عمار

متابعة القراءة
صفحة
1
/ 9
انت في الصفحة 2 من 9 صفحات

قبل ما جوزي ياخد خطوة واحدة، الولد بدأ يتحرك ناحية المنصة اللي عليها الميكروفون.
كان ماشي ببطء، وإيده بتترعش، ووشه شاحب بشكل خلّاني أحس إن الموضوع أكبر من مجرد تصرف غريب.
وصل للمنصة، ووقف قدام الميكروفون.
ما اتكلمش.
ثانية عدّت.
وبعدين ثانية تانية.
والقاعة كلها بدأت تسكت تدريجيًا، لحد ما ما بقاش مسموع غير صوت حركة الكراسي الخفيفة وأنفاس الناس.
رفع عينيه وبصّ للوجوه اللي قدامه.
وبصوت مكسور، قال
أنا عارف إن نص الناس اللي هنا نفسهم يطلّعوني برّه دلوقتي.
سكت، وبلع ريقه بصعوبة.
وبعدين بصّ للفستان الأحمر اللي كان لابسه، وشدّ طرفه بإيده كأنه بيحاول يلاقي الكلمات المناسبة.
قال
وعارف إن شكلي غريب، وإن فيه ناس كتير شايفة إن اللي عملته إهانة للمكان ده، ولأهل الولد اللي إحنا مجتمعين النهارده عشان نودّعه.
بصّ ناحية جوزي، وبعدها بصّ لي.
والفستان ده مش بتاعي. أنا استلفته من أختي. وعارف إنكم عايزين تعرفوا أنا ليه واقف قدامكم بالشكل ده.
أخد نفس طويل، ومسح دمعة نزلت على خده.
السبب بسيط جدًا… لكنه أوجع حاجة عرفتها في حياتي.
في اللحظة دي، جوزي فكّ إيده من إيدي، لكنه ما قعدش.
فضل واقف، مستني يسمع.
وأنا حسّيت إن قلبي بيدق بطريقة غريبة.
لأني بدأت أفتكر حاجات كتير عن الولد ده، حاجات كنت بشوفها عادية وقتها، لكن دلوقتي بدأت أحس إنها ممكن تكون مرتبطة باللي بيحصل قدامنا.
افتكرت آخر مرة كان فيها ابني في البيت.
كان تعبان جدًا، ووشه شاحب، لكن رغم كده أصرّ إن صاحبه يقعد معاه.
لما دخلت عليهم بالأكل، لقيت الاتنين بيضحكوا.
ضحك ابني وقتها كان ضعيف، لكنه كان حقيقي.
سألته
بتضحكوا على إيه يا حبيبي؟
ردّ ابني بسرعة
سرّ بيني وبينه يا ماما.
وبعدين بصّ لصاحبه، والاتنين ضحكوا تاني.
وقتها ابتسمت وخرجت، لأني كنت مبسوطة إن ابني لسه قادر يضحك رغم كل الألم.
ما سألتش عن السر.
ما خطرش في بالي إن ممكن ييجي يوم أقف فيه في جنازته، وأكتشف إن فيه جزء من حياته ما كنتش أعرف عنه أي حاجة.
رجعت للحظة الحالية لما سمعت صوت الولد من الميكروفون.
قال
قبل ما أقول لكم السبب، محتاج أحكي لكم حكاية صغيرة عن صاحب عمري.
صاحب عمري.
الكلمتين دول لوحدهم خلّوني أحس بوخزة في قلبي.
كمل
أنا عرفت صاحب عمري وأنا عندي سبع سنين. كنت طفل غلبان، ومكنتش بعرف أتعامل مع الناس بسهولة. كنت بخاف أتكلم، وبخاف أطلب أي حاجة، وبخاف أروح أماكن جديدة لوحدي.
ابتسم ابتسامة صغيرة وسط دموعه.
أول يوم ليا في المدرسة الجديدة، كنت قاعد لوحدي في الفسحة. محدش كان بيكلمني، وكل ما أحاول أقرب من مجموعة أطفال، كانوا يسيبوني ويمشوا.
وقف لحظة، وبعدين كمل
هو كان أول واحد جه قعد جنبي. ما سألنيش ليه أنا لوحدي، وما حاولش يحرجني قدام حد. طلع الساندوتش بتاعه، قسمه نصين، واداني نصه وقال لي كل معايا، عشان الأكل لوحدك ملوش طعم.
بدأت دموعه تزيد.
الجملة دي يمكن كانت عادية بالنسبة له، ويمكن نسيها بعدها بخمس دقايق. لكنه بالنسبة لي، كان أول واحد حسّسني إني مش شخص مالوش مكان في الدنيا.
بصّ ناحيتي.
ومن اليوم ده، وأنا بقيت أروح بيته كل يوم تقريبًا. طنط كانت بتفتح لي الباب وتسألني أكلت ولا لأ، وكانت بتحط لي طبق على السفرة من غير ما تحسسني إني ضيف تقيل.
أنا حطيت إيدي على فمي.
لأنني افتكرت فعلًا الأيام دي.
كنت بشوف الولد داخل البيت بملابس المدرسة، وكنت أعرف من وشه إذا كان متضايق أو جعان. ما كنتش أعرف تفاصيل حياته كلها، لكن كنت حاسة إنه محتاج مكان يحس فيه بالأمان.
كمل كلامه
في أوقات كتير، كنت بفضل عندهم لحد بالليل. وساعات كنت
متابعة القراءة
صفحة
2
/ 9
انت في الصفحة 3 من 9 صفحات

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *