حماتي وجنازه جوزي حكايات انجي الخطيب

كان وسيم، ولبسه غالي، لكن ملامحه كانت مليانة ضيق واستعجال. كل شوية يبص في ساعته البلاتين، ويتنهد، ويبص على العربيات السودا اللي واقفة بعيد عند مدخل المقابر. الساعة دي كان ياسين هو اللي جابهاله، بعد ما دفع عنه ديون قمار كتير، وكريم وعده وقتها إن دي آخر مرة يطلب منه فيها فلوس.

واضح إن كريم نسي الوعد، زي ما نسي حاجات كتير تخص أخوه. وفجأة… حسيت بوجع حاد شق بطني من النص. إيديا اتشبثت بالسور النحاسي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا، وصوت الشيخ اختفى من وداني. وبعدين حسيت بدفا غريب بينزل على رجلي، وهدومي السودا اتبلت، والمية بدأت تتجمع جوه جزمتي.

في الأول افتكرت إن ده من المطر، أو يمكن من كتر الضغط والوجع اللي أنا فيه. لكن لما جت الطلقة التانية من الألم، لدرجة إني ما قدرتش أقف مستقيمة، عرفت الحقيقة. مَيّه الجنين نزلت. أنا بولّد! في جنازة جوزي.

في نفس المكان اللي المفروض أكون فيه مسنودة على دراعه، وهو بيطمني وبيقولي إن كل حاجة هتعدي على خير. ياسين كان المفروض يكون جنبي في اللحظة دي. كان المفروض يبقى هو اللي بيحسب الوقت بين الطلقات، ويمسك إيدي، ويقولي إني قوية وإن كل حاجة هتبقى تمام.

كان المفروض هو اللي يشيل شنطة المستشفى، ويتوتر وهو بيسأل الممرضة عن كل تفصيلة، ويعيط أول ما يسمع صوت ابنه. كان المفروض هو اللي يقطع الحبل السري، ويشيل طفلنا بين إيديه المرتعشة من الفرحة. مش يبقى مدفون قدامي في نعش غالي، وأنا واقفة وسط المطر، وأهله بيتفرجوا عليّا كأني عبء تقيل عليهم في يوم عزاء ابنهم.

بصيت حواليّا وأنا بحاول أقاوم الألم، وبعدها اتحركت بصعوبة ناحية حماتي. إيد كنت حطاها تحت بطني، والإيد التانية مديّاها ناحيتها، ومسكِت طرف كمها. قلت بصوت ضعيف ومخنوق: «يا طنط ناهد… أرجوكي، إلحقيني. مَيّه الجنين نزلت، أنا بولّد!

محتاجة إسعاف بسرعة!» ناهد بصتلي ببطء. عينيها نزلت على وشي، وبعدها على فستاني المبلول، وبعدين على الطين اللي حوالين رجلي. استنيت منها أي رد فعل. خوف، قلق، حتى كلمة تطمّني. لكن ملامحها ما اتغيرتش. ما كانش فيها ذرة رحمة. بالعكس، رجعت خطوة لورا، كأني حاجة مقرفة قربت منها.

وبصوت واطي، لكنه مليان قسوة، قالتلي: «إحنا في جنازة ابني يا مريم! هو مفيش عندك إحساس؟ لازم تعملي المنظر ده كله دلوقتي؟» بصيتلها وأنا مش مصدقة اللي سمعته. أنا بولّد، والست اللي قدامي دي أم جوزي، والطفل اللي جوايا حفيدها، ومع ذلك كل اللي شاغلها إن شكل العيلة قدام الناس ما يتأثرش!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *