حماتي وجنازه جوزي حكايات انجي الخطيب

كملت كلامها وهي بتبصلي بحدة: «اطلبي تاكسي!» الكلمتين نزلوا عليّا كأن حد ضربني على وشي. بصيت لكريم، أخو جوزي، وكنت بتمنى أشوف في عينيه أي حاجة من طيبة ياسين. أي إحساس بالمسؤولية. أي رحمة. لكنه اتنهد بضيق، وبص على العربيات اللي واقفة بعيد، وبعدها قال: «مش وقته يا مريم!

عندنا محامي العيلة واجتماع بخصوص الورث بعد الدفن. اطلبي أوبر أو تاكسي وخلاص. ما إنتِ مش أول واحدة تولّد في الدنيا!» ما إنتِ مش أول واحدة تولّد في الدنيا! فضلت الجملة دي ترن في وداني. كأن الولادة حاجة بسيطة، وكأن الألم اللي أنا فيه دلع، وكأن حياة ابني مش مهمة.

كأن وصول حفيدهم للدنيا مجرد مشكلة في جدول مواعيدهم، لازم يخلصوا منها بسرعة عشان يلحقوا اجتماع الورث! بصيت حواليّا، ولاحظت إن فيه ناس من المعزّين سمعوا الكلام. واحدة من قرايب جوزي حطت إيدها على بقها من الصدمة. وراجل كبير كان واقف قريب مني هز راسه بأسى.

وواحد من شركاء ياسين بصلي لحظة، وبعدها نزل عينيه في الأرض، وكأنه خايف يتدخل ويزعل ناهد المنشاوي. حتى في اللحظة دي، وسط المطر والقبر المفتوح، محدش فيهم قدر يقف ويقول إن اللي بيحصل ده غلط. الفلوس ساعات بتخلي الناس تسكت عن أبشع أنواع القسوة، وتغلف خوفها بكلام مهذب.

وفجأة، جتني طلقة أقوى من كل اللي قبلها. اتنيت لقدام، وصرخت من الوجع، وإيدي اتحطت على بطني وأنا بحاول أقاوم الإحساس إني هقع على الأرض. المطر كان بينزل على وشي، ومش عارفة أفرق بين دموعي والمية اللي بتغرقني. لكن وسط كل الوجع ده، حصل جوايا شيء غريب. حاجة سكتت.

مش الألم. ولا الخوف. لكن الأمل اللي كنت لسه متمسكة بيه في عيلة جوزي. في اللحظة دي، الست اللي كانت بتحاول طول الوقت تكسب رضا ناهد المنشاوي، واللي كانت بتستحمل كلامها الجارح عشان خاطر ياسين، اختفت. وفهمت الحقيقة أخيرًا. هم ما اعتبرونيش يومًا واحدة من العيلة.

هم كانوا مستحمليني عشان ابنهم بيحبني. أنا بالنسبة لهم ما كنتش مريم، ولا مرات ياسين، ولا أم حفيدهم. أنا كنت الست اللي ابنهم اختارها رغم اعتراضهم. ودلوقتي، بعد ما مات، افتكروا إنهم يقدروا يتخلصوا مني بسهولة، قبل حتى ما التراب يغطي قبره. مسحت المطر من على وشي، وسبت كم حماتي.

ما طلبتش منها حاجة تاني. ما صرختش في وشها. وما حاولتش أقنع كريم إنه يعمل حاجة المفروض أي إنسان عنده ضمير يعملها من غير ما حد يطلب منه. لفيت ضهري ومشيت لوحدي ناحية بوابة المقابر. كل خطوة كانت عذاب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *