حماتي وجنازه جوزي حكايات انجي الخطيب

فضلت باصة له وأنا بعيط، لكن المرة دي ما كانتش دموع حزن وبس. كان فيه فرحة، وخوف، ووجع، وأمل، كلهم متلخبطين جوايا. قربته من صدري، وبوست راسه الصغيرة. وقلتله بصوت واطي: «أهلًا بيك يا حبيبي… أنا ماما، وأنا هفضل جنبك مهما حصل.

» سميته آدم ياسين المنشاوي. آدم، اللي جه للدنيا في يوم كان المفروض يكون نهاية كل حاجة حلوة في حياتي، لكنه بقى بداية لحياة جديدة تمامًا. في اللحظة دي، وأنا حاضناه، حسيت إن الدنيا كلها بقت صغيرة وواضحة قدامي. ما بقاش فيه غيري أنا وهو.

أنا وابني. ولو ناهد المنشاوي كانت فاكرة إن لما سابتني تحت المطر، وهي عارفة إني بولّد، إنها كده كسرتني وخلتني ضعيفة، فهي ما كانتش فاهمة أي حاجة. هي ما كانتش تعرف إن فيه ستات بتخرج من أقسى لحظات حياتها ناس تانية خالص.

ستات بتتعلم ما تستناش الرحمة من حد، وما تديش الأمان للي ما يستاهلوش. وإن العاصفة اللي عدّت عليّا في اليوم ده، ما أنهتنيش… دي كانت بتصنع مني ست تانية، ست مش هتسمح لحد يكسرها تاني أبدًا. لكن الحكاية ما خلصتش هنا…

بعد 12 يوم بس من وفاة ياسين، ظهرت ناهد المنشاوي على باب أوضتي، لابسة أحسن هدومها، ووشها مرسوم عليه حزن مصطنع، وجاية تقول إنها عايزة تشوف حفيدها. وقفت قدامي، ومدت إيديها وهي بتقول: «فين حفيدي يا مريم؟

أنا جاية أشوفه وآخده في حضني.»
بصيتلها بهدوء، وابتسمت ابتسامة خلتها تتوتر، وبعدها سألتها سؤال واحد:
«أنهي حفيد فيهم يا طنط ناهد؟!»

بصتلي ناهد المنشاوي كأنها مش مصدقة اللي سمعته، وإيديها اللي كانت ممدودة ناحيتي فضلت معلقة في الهوا، وبعدها نزلت عينيها على السرير الصغير اللي جنب الشباك، وبصت على آدم النائم جواه، ثم رجعت بصتلي بحدة. قالت بصوت حاولت تخليه هادي، لكنه خرج منها متوتر: «إنتِ بتقولي إيه يا مريم؟ أنهي حفيد فيهم إيه؟ هو ياسين خلف غير طفل واحد؟» ابتسمت وأنا بسند ضهري على المخدة، رغم إن جسمي لسه كان تعبان من الولادة، وقلت: «غريبة يا طنط ناهد! هو حضرتك مش جاية تشوفي حفيدك؟ ولا جاية تتأكدي إن لسه فيه حفيد ينفع تستفيدي منه؟» وشها اتغير في ثانية. «إنتِ اتجننتي؟ إنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي إزاي؟ أنا أم ياسين!» بصيت في عينيها، ولأول مرة من يوم ما اتجوزت ابنها، ما حسيتش إني مضطرة أوطي عيني قدامها. «وأنا كنت مراته، يا طنط ناهد. كنت مراته اللي ابنك كان بيحبها، واللي كانت شايلة ابنه وهي واقفة قدام قبره. الست اللي طلبت منك المساعدة وهي بتولد، فقلتي لها تطلب تاكسي. فاكرة؟ ولا المطر غسل الذاكرة كمان؟» شهقت ناهد بعصبية، ولفت وشها ناحية الباب كأنها بتدور على حد يشهد لها، لكن الأوضة كانت هادية، ومفيش غير صوت جهاز التكييف وصوت آدم وهو بيتحرك في نومه. قالت وهي بتشد شنطتها الجلد على كتفها: «أنا كنت في حالة صدمة!
ابني كان لسه ميت، ومكنتش عارفة أنا بعمل إيه! إنتِ لازم تقدري ظروفي.» ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة. «ظروفك؟ طيب وأنا؟ أنا كنت في جنازة جوزي، وفي آخر الشهر التاسع، وميّه الجنين نزلت، والطلق بدأ، وكنت مرعوبة على ابني وعلى نفسي. إنتِ كنتِ في حالة صدمة، وأنا كنت المفروض أعمل إيه؟ أعتذرلك عشان ولادتي عطلت مراسم العزاء؟» قربت مني خطوة، وخفضت صوتها: «خلي بالك من كلامك يا مريم. أنا مش جاية أتحاسب معاكي. أنا جاية أشوف حفيدي، ومن حقي أشوفه.» بصيت لآدم، وبعدين رجعت بصيت لها. «من حقك؟» «أيوه، من حقي. ده ابن ابني، ودم المنشاوي بيجري في عروقه.» قلت بهدوء: «والدم ده كان بيجري في عروق ابنه وهو لسه في بطني يوم جنازته، ومع ذلك ما كانش ليه قيمة عندك. غريبة أوي الحكاية دي. لما كنت محتاجة إيد تسندني، ما لقيتش غير باب مقفول، ولما بقيت أم لطفل يحمل اسم عيلتكم، بقيتوا فجأة عايزين حقوقكم.» مدت إيدها ناحية السرير، لكني رفعت كفي وقلت: «استني مكانك.» وقفت متجمدة، وبصتلي باستهجان. «إنتِ هتمنعيني ألمس حفيدي؟» «أنا همنع أي حد يدخل حياة ابني لمجرد إنه شايف إن الاسم اللي على شهادة ميلاده بيديله سلطة عليه. آدم مش جائزة تعويضية عن موت ياسين، ومش ورقة في إيد عيلة المنشاوي. ده طفل ليه أم، والأم دي مش هتسمح لحد يأذيه، حتى لو كان أقرب الناس ليه.
» في اللحظة دي، ملامح ناهد اتبدلت تمامًا، والحزن المصطنع اختفى من عينيها. «إنتِ فاكرة نفسك هتقدري تعملي حاجة من غير عيلة المنشاوي؟ إنتِ ناسية إن جوزك كان عنده شركات وممتلكات وملايين؟ إنتِ ناسية إن كل ده لازم يتقسم ويتدار، وإن الطفل ده له مستقبل لازم نحافظ عليه؟» رفعت حاجبي باستغراب متعمد. «أهو وصلنا للكلام اللي حضرتك جاية عشانه.» «إنتِ بتتهميني إني جاية عشان الفلوس؟» «لأ يا طنط ناهد، أنا مش بتهمك بحاجة. أنا بس بستغرب إنك ما سألتيش عليّا مرة واحدة طول الاثناشر يوم اللي فاتوا. ما سألتيش الدكتور قال إيه، ولا آدم خرج من الحضانة إمتى، ولا أنا قدرت أقف على رجلي ولا لأ. لكن أول ما عرفتي إني خرجت من المستشفى، جيتي بنفسك، وفي أقل من خمس دقايق فتحتي سيرة الشركات والممتلكات.» سكتت لحظة، وبعدها قالت ببرود: «أنا مش مضطرة أشرحلك أي حاجة. بكرة الساعة عشرة، هتيجي معايا مكتب المحامي. فيه إجراءات لازم تتعمل بخصوص تركة ياسين.» هزيت راسي ببطء. «لو فيه إجراءات تخصني أو تخص ابني، المحامي هيكلمني رسمي. غير كده، أنا مش رايحة أي مكان لمجرد إن حضرتك أمرتيني.» عينيها ضاقت. «واضح إن فيه حد بيلعب في دماغك.» «لأ. فيه حد أخيرًا بقى بيفكر بعقله.» استدارت ناحية الباب، لكنها قبل ما تخرج وقفت وقالت: «افتكري إنك لوحدك يا مريم.
مهما كنتِ قوية دلوقتي، هتحتاجي عيلة تحميكي وتحمي ابنك.» بصيت لها، وقلت آخر جملة سمعتها مني قبل ما تقفل الباب: «أنا كنت لوحدي فعلًا يا طنط ناهد، يوم ما كنت محتاجاكم. إنما دلوقتي، أنا مش لوحدي. أنا عندي آدم، وعندي الحقيقة، والحقيقة دي ساعات بتبقى أقوى من عيلة كاملة.» خرجت وقفلت الباب وراها بعنف. فضلت باصة للباب شوية، ولما سمعت صوت خطواتها بتبعد في الممر، حسيت بإيدي بتترعش. كنت قوية قدامها، لكن الحقيقة إن المواجهة استنزفت آخر ذرة طاقة عندي. قربت من السرير، وشلت آدم بحذر، وحطيته على صدري. «إنت سامع يا حبيبي؟ جدتك افتكرت إن الدنيا كلها ورق وفلوس وأسماء كبيرة. بس أنا هعلمك إن قيمة الإنسان مش في اللي بيملكه، قيمة الإنسان في اللي بيعمله وقت ما يقدر يساعد ومحدش بيجبره.» آدم فتح عينيه للحظة، وبصلي بنظرة بريئة خلت دموعي تنزل من غير ما أحس. كنت فاكرة إن أصعب حاجة عدت عليّا هي يوم الجنازة، لكني ما كنتش أعرف إن الأيام اللي جاية هتكشفلي إن موت ياسين نفسه ما كانش نهاية الحكاية، وإن فيه أسرار اتدفنت معاه، وأشخاص كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان تفضل مدفونة للأبد.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت تليفوني بيرن بإلحاح. كنت نايمة بالعافية ساعتين، وآدم كان لسه راضع ونايم جنبي، وكل ما أحاول أغمض عيني أفتكر وش ناهد وهي بتقول إن من حقيقتها إنها تشوف حفيدها، كأنها كانت بتتكلم عن ملكية مش عن طفل. مديت إيدي للتليفون، ولقيت رقم غريب. «ألو؟» جالي صوت راجل هادي: «مدام مريم المنشاوي؟ أنا المستشار فؤاد السيوفي، محامي المرحوم ياسين المنشاوي. محتاج أقابل حضرتك في أقرب وقت ممكن بخصوص وصية زوجك.» اعتدلت في مكاني، وقلبي بدأ يدق بسرعة. «وصية؟» «أيوه يا فندم. فيه وصية موثقة، وفيه تعليمات خاصة كان المرحوم موصيني بيها، ومش هينفع أتكلم في تفاصيلها على التليفون.» بصيت لآدم، وبعدين سألت: «وطنط ناهد عارفة بوجود الوصية دي؟» سكت لحظة قبل ما يرد: «والدة المرحوم حضرت جلسة بخصوص التركة، لكنها مش على علم بكل التفاصيل. وأنا أفضل إن حضرتك تيجي المكتب بنفسك، ومعاكي أي أوراق تخص الزواج وميلاد الطفل.» حسيت إن قلبي بيخبط في صدري. ياسين كان عنده وصية؟ وليه ما قاليش؟ وليه ناهد كانت مستعجلة على اجتماع الورث من يوم الجنازة؟ قلت: «هكون عند حضرتك بكرة الصبح.» «تمام يا مدام مريم. بس فيه حاجة تانية، أتمنى ما تتأخريش في الحضور. فيه طلب اتقدم للمحكمة من يومين، ولازم نتصرف فيه بسرعة.» جسمي اتشد. «طلب إيه؟
» «الأفضل نتكلم لما تيجي. مش عايز أقلقك على التليفون من غير ما تكون الصورة كاملة قدامك.» قفلت المكالمة، وفضلت ماسكة التليفون وأنا حاسة إن الأرض اللي واقفة عليها بدأت تتحرك من جديد. بعد ساعة، اتصلت بيا صاحبتي داليا، اللي كانت معايا في الجامعة، واللي فضلت جنبي في المستشفى لحد ما خرجت. «مريم، إنتِ قاعدة لوحدك؟» «أيوه، ليه؟» «فيه حاجة لازم أقولها لك، بس عايزاكي تهدي وتسمعيني للآخر.» قلبي انقبض. «اتكلمي يا داليا.» قالت بتردد: «أنا كنت في المستشفى امبارح عشان أجيبلك شوية حاجات، وشفت كريم المنشاوي خارج من مكتب إدارة المستشفى. كان معاه راجل لابس بدلة، وبعد ما خرجوا، سمعت كريم بيقول له إن لازم يخلصوا موضوع الحضانة قبل ما مريم تتحرك.» حسيت إن الدم انسحب من وشي. «الحضانة؟ حضانة مين؟» «مش عارفة. أنا ما سمعتش باقي الكلام، بس الراجل رد عليه وقال له إن وجود طفل حديث الولادة في بيت أمه مش كفاية عشان ياخدوا منها الطفل، ولازم يكون فيه سبب قانوني.» حطيت إيدي على بقي. كريم عايز ياخد آدم مني؟ إزاي؟ وليه؟ هو أنا عملت إيه لكل ده؟ افتكرت كلام ناهد عن مستقبل الطفل، وعن ضرورة إنهم يحموني ويحموه، وفهمت إن تهديدها ما كانش مجرد كلام. قلت لداليا: «محتاجة منك خدمة. تقدري تيجي تقعدي معايا النهارده؟» «أنا جاية حالًا.
» قفلت معاها، وقمت بصعوبة. جسمي لسه موجوع، لكن الخوف على آدم كان أقوى من أي تعب. فتحت الدولاب، وطلعت شنطة صغيرة، وحطيت فيها شهادة ميلاد آدم، وبطاقة هويتي، وقسيمة جوازي، وأي ورقة تخص ياسين كنت محتفظة بيها. وبعدين افتكرت حاجة. قبل وفاة ياسين بأسبوعين، كان راجع البيت متأخر، ووشه شاحب، وعينيه مليانة قلق. يومها دخل أوضتنا، وقفل الباب، وفضل واقف قدامي من غير ما يتكلم. سألته: «مالك يا حبيبي؟ حصل إيه؟» قرب مني، وحط إيده على بطني. «مريم، لو حصل لي حاجة في أي وقت، عايزك توعديني إنك ما تثقيش في أي حد لمجرد إنه من عيلتي.» ضحكت وقتها، وقلتله: «إنت بتقول إيه يا ياسين؟ ربنا يديك الصحة، هتخضني ليه؟» لكنه ما ضحكش. «وعديني يا مريم.» بصيت في عينيه، وقلت: «وعد يا حبيبي، بس إنت كمان اوعدني إنك هتكون موجود يوم ما آدم يتولد.» ضمّني لصدره، وفضل ساكت شوية. «يا رب أكون موجود.» يومها افتكرت إنه قلقان بسبب شغل الشركات، وإنه بيقول الكلام ده من كتر الضغط. دلوقتي، وأنا بفتكر نبرة صوته، حسيت إن ياسين كان عارف حاجة أنا ما كنتش أعرفها. وفجأة، افتكرت الدرج الصغير اللي في مكتبه في البيت. كان دايمًا بيحتفظ فيه بأوراق خاصة، ومرة لما سألته عن مفتاحه، قالي إنه فيه مستندات شغل سرية ومش عايز حد يلمسها.
لكن بعد وفاته، لما رجعت البيت أجيب هدومي، ما لقيتش الدرج مقفول بس، ده كان المفتاح نفسه اختفى. مين أخده؟ وقبل ما أقدر أفكر أكتر، سمعت جرس الباب. كانت داليا. دخلت، حضنتني، وبصتلي بقلق. «إنتِ عاملة إيه؟» قلت وأنا بحاول أتماسك: «أنا كويسة. بس لازم نعرف هما عايزين إيه من آدم.» قعدت جنبي، وفضلنا نتكلم لحد ما اتفقنا إن أول خطوة لازم تكون عند المحامي، وإننا مش هنواجه حد من عيلة المنشاوي من غير ما نفهم موقفنا القانوني. لكن قبل ما ننام، جالي اتصال تاني من رقم مجهول. المرة دي، ما كانش صوت محامي. كان صوت راجل غريب، متوتر، وبيتكلم بسرعة. «مدام مريم، اسمي سامح، وكنت شغال مع الأستاذ ياسين في الشركة. أنا عارف إن حضرتك مش هتثقي في أي حد من طرفه دلوقتي، بس لازم تسمعيني.» قلت بحذر: «عايز إيه؟» «أنا كنت آخر واحد شاف الأستاذ ياسين قبل الحادثة.» جسمي اتجمد. حادثة ياسين كانت حادثة عربية على طريق القاهرة الإسماعيلية. قالوا إن العربية انحرفت بسبب المطر، وإنه فقد السيطرة على الدركسيون، وإنه مات قبل ما الإسعاف توصله. لكن سامح كمل: «اللي حصل للأستاذ ياسين ما كانش مجرد حادثة، وأنا عندي دليل.» ما قدرتش أتكلم. قال بسرعة: «بس أنا مش هقدر أقول أي حاجة في التليفون. فيه ناس بتراقبني، ولو عرفوا إني كلمتك، مش هقدر أساعدك.
» سألته: «إنت عايز مني إيه؟» «محتاج أقابلك في مكان عام، ومعاكي حد تثقي فيه. وبلاش تقولي لحد من عيلة المنشاوي. ولا حتى للمحامي قبل ما نتقابل.» قلبي كان بيصرخ من جوايا. «إنت بتقول إن موت جوزي مش حادثة؟» سكت لحظة، وبعدها قال: «أنا بقول إن الأستاذ ياسين كان بيحاول يمنع جريمة، وإن موته جه في الوقت اللي كان قرب فيه يكشف كل حاجة.» وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، قفل الخط. فضلت باصة للتليفون، وإيدي بترتعش. داليا كانت واقفة قدامي، ووشها شاحب. «سمعتي الكلام؟» هزيت راسي. قالت: «مريم، إحنا لازم ناخد بالنا. الموضوع أكبر من الورث.» بصيت لآدم اللي كان نايم في سريره، وقلبي اتقبض. لو ياسين مات بسبب سر كان بيحاول يكشفه، يبقى ابنه ممكن يكون في خطر. وفي اللحظة دي، أخدت قرار. مش ههرب. مش هسيب حد ياخد ابني مني. ومش هسمح للي حصل لجوزي إنه يتحول لحكاية الناس تتكلم عنها يومين وبعدين تنساها. لو فيه حقيقة ورا موته، هعرفها. ولو فيه حد فاكر إن أرملة لسه والدة من أيام هتكون فريسة سهلة، فهو لسه ما شافش مريم المنشاوي الحقيقية.
في صباح اليوم التالي، لبست هدوم بسيطة، ولفيت آدم كويس، وداليا ركبت معايا العربية اللي طلبناها. كنت كل شوية أبص في المراية وأتأكد إن مفيش عربية ماشية ورانا. وصلنا مكتب المستشار فؤاد السيوفي في عمارة قديمة في جاردن سيتي. كان المكتب واسع، ورفوف الكتب مالية الحيطان، وفيه صور لشهادات تقدير وميداليات معلقة على الجدار. استقبلنا راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض من الجانبين، ونظرته هادية لكنها دقيقة. أول ما شافني، قام من مكتبه. «البقاء لله يا مدام مريم. الأستاذ ياسين كان راجل محترم، وخسارته كبيرة.» شكرته، وقعدت قدامه، بينما داليا فضلت جنبي. فتح درج مكتبه، وطلع ملف أسود سميك. «قبل ما نتكلم عن الوصية، لازم تعرفي إن المرحوم كان عامل ترتيبات قانونية من حوالي ست شهور. الترتيبات دي مش بس تخص توزيع الممتلكات، دي كمان تخص إدارة الشركات وحماية حقوقك وحقوق ابنك.» سألته: «ليه ما قاليش؟» رد بهدوء: «مش عارف كل الأسباب، لكن فيه رسالة كتبها مخصوص لحضرتك، وقال لي ما أسلمهاش ليكي إلا بعد وفاته، وبعد ما أتأكد من وجود ابن له على قيد الحياة.» حسيت إن نفسي وقف. مد إيده بالظرف. كان مكتوب عليه بخط ياسين: «إلى مريم، لو أنا مش موجود.» لمست اسمه بأطراف صوابعي، ودموعي نزلت قبل ما أفتح الظرف. جوا الرسالة، كانت فيه ورقة واحدة، مكتوبة بخط ياسين اللي أعرفه كويس.
«مريم حبيبتي، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا فشلت أكون جنبك في اللحظة اللي وعدتك فيها إني هكون موجود. سامحيني. أنا عارف إنك هتكوني موجوعة، وعارف إنك هتحسي إن الدنيا كلها اتقفلت في وشك، بس فيه حاجات لازم تعرفيها، حتى لو الحقيقة وجعتك أكتر. أنا كنت بجهز نفسي عشان أواجه أشخاص من عيلتي، وأشخاص كنت فاكرهم أصدقاء. اكتشفت تلاعب في حسابات الشركة، وتحويلات مالية بمبالغ كبيرة، وأوراق بتتجهز عشان يتحط اسمي على معاملات ما وافقتش عليها. لما بدأت أسأل، لقيت ناس بتحاول تخوفني، وناس بتطلب مني أسكت حفاظًا على اسم العيلة. أنا ما قدرتش أسكت. لو حصل لي أي حاجة، ما تسمحيش لحد ياخد منك آدم، وما توقعيش على أي ورقة قبل ما المستشار فؤاد يراجعها. فيه نسخة من المستندات الأصلية في مكان آمن، ومفتاح المكان موجود في حاجة كنتِ بتلبسيها يوم ما اتقابلنا أول مرة. افتكري يوم البحر. بحبك، وبحب ابننا، حتى لو ما لحقتش أشوفه. ياسين.» وقفت عند آخر سطر، والدموع غطت عيني. يوم البحر. أول مرة قابلت ياسين كانت في إسكندرية، في رحلة مع أصحاب الجامعة. يومها كنت قاعدة على سور الكورنيش، وبحاول أصلح سلسلة فضة اتقطعت مني، وهو وقف وساعدني. وبعدها اكتشفت إنه كان محتفظ بسلسلة صغيرة شبهها، اشتراها من نفس المحل قبل ما نتعرف.
فضلت محتفظة بالسلسلة دي طول سنين جوازنا، لكن بعد وفاته، حطيتها في علبة صغيرة وسط حاجتي. بصيت للمستشار فؤاد. «إيه المكان الآمن اللي بيتكلم عنه؟» قال: «مش عارف، ودي أول مرة أعرف إن فيه مفتاح مخفي. واضح إن الأستاذ ياسين كان حريص إنه ما يسيبش كل التفاصيل في مكان واحد.» سألته عن طلب الحضانة، ففتح ملف تاني. «فيه طلب اتقدم من كريم المنشاوي، بصفته عم الطفل، بيطلب فيه تقييم أهلية الأم لرعاية الطفل، بحجة إن حالتك النفسية غير مستقرة بعد وفاة الزوج، وإن الطفل محتاج بيئة مستقرة ماليًا وعائليًا.» ضحكت من الصدمة. «حالتي النفسية غير مستقرة؟ أنا لسه والدة، وهو بيحاول ياخد ابني مني؟» رد بحزم: «الطلب ده مش معناه إنهم هيقدروا ياخدوا الطفل. بالعكس، لو ما عندهمش دليل حقيقي على إهمال أو خطر، مجرد كونك أرملة أو إنك بتمري بحزن مش سبب قانوني كافي لحرمانك من ابنك. لكن لازم نرد على الطلب بالأوراق، ونوثق كل حاجة حصلت.» سألته: «وإنت شايف إني أعمل إيه؟» قال: «أولًا، ما تتعامليش معاهم لوحدك في أي موضوع قانوني. ثانيًا، احتفظي بكل الرسائل والمكالمات، وما تدخليش في خناقات ممكن يستغلوها ضدك. ثالثًا، لازم نراجع حسابات التركة ونشوف مين له حق قانوني فيها، ومين بيحاول يتصرف من غير حق.» سكت لحظة، وبعدين أضاف: «وفيه حاجة تانية.
الأستاذ ياسين كتب إن أي خلاف يخص الوصية لازم يتحسم بعد حضور شاهدين محددين. واحد منهم أنا، والتاني اسمه سامح عبد الرحيم.» قلبي دق بعنف. سامح. نفس الاسم اللي كلمني امبارح. المستشار فؤاد لاحظ تغير وشي. «تعرفي سامح؟» بصيت لداليا، وبعدها قلت: «هو اتصل بيا امبارح، وقال إنه عنده دليل إن موت ياسين ما كانش حادثة عادية.» المستشار حط القلم من إيده، واتغيرت ملامحه. «قالك كده؟» «أيوه.» قام من كرسيه، وراح ناحية الشباك، وفضل ساكت ثواني. لما رجع، قال: «يبقى لازم نتحرك بسرعة. لو سامح معاه دليل فعلي، ممكن يغير مسار التحقيق كله.» قلت: «أنا عايزة أعرف الحقيقة، مهما كانت.» رد: «هتتعرف يا مدام مريم، بس لازم نكون حذرين. لأن لو حد فعلًا تسبب في موت ياسين، فممكن يكون مستعد يعمل أي حاجة عشان يخفي اللي عمله.» بصيت لآدم النائم في حضني، وضمّيته أكتر. كنت مستعدة أواجه أي حاجة، لكني ما كنتش مستعدة أخسر ابني. وقبل ما نخرج من المكتب، المستشار فؤاد نده عليّا. «مدام مريم، فيه سؤال لازم أسأله لحضرتك. هل ياسين كان بيحتفظ بمفتاح صغير في سلسلة أو تعليقة؟» افتكرت السلسلة اللي كنت محتفظة بيها، وقلت: «أيوه. كان فيه تعليقة فضة صغيرة على شكل صدفة، جابهالي في ذكرى جوازنا. بس مش فاهمة علاقتها بالموضوع.» هز راسه. «ممكن تكون مهمة جدًا.
دوري عليها، لكن ما تروحيش لأي مكان لوحدك، وما تفتحيش أي باب غريب قبل ما نعرف المفتاح بيفتح إيه.» خرجنا من المكتب، وأنا حاسة إن حياتي اتقسمت لنصين: حياة كنت فاكرة فيها إن ياسين مات في حادثة، وحياة جديدة بدأت فيها أشك إن كل حاجة اتقالت لي كانت كذبة.
رجعت البيت مع داليا، وأول ما دخلت، قعدت على الأرض قدام شنطة حاجتي، وبدأت أفتش في العلب القديمة. لقيت صورنا من يوم البحر، وتذكرة الرحلة اللي احتفظت بيها، والصدفة الفضية اللي كانت في كيس مخملي صغير. مسكتها، وقلبي وجعني. كان ياسين بيهزر معايا كل ما ألبسها، ويقولي: «دي مش مجرد سلسلة، دي ذكرى اليوم اللي حياتي اتغيرت فيه.» فتحت القفل الصغير، واكتشفت إن فيه جزء بيتحرك من الخلف، ما كنتش لاحظته قبل كده. ضغطت عليه، فخرجت قطعة معدنية صغيرة جدًا، شبه مفتاح دقيق. داليا قربت مني. «يا نهار أبيض! هو كان مخبي المفتاح جواها؟» هزيت راسي، وأنا حاسة إن كل تفصيلة في حياتي مع ياسين بقت ليها معنى جديد. لكن السؤال كان: المفتاح ده بيفتح إيه؟ ما كانش عندي إجابة. قررت أحتفظ بيه، وأستنى لحد ما أقابل سامح. وفي نفس الليلة، وصلني ظرف على باب الشقة، من غير اسم مرسل. فتحته بحذر، ولقيت جواه صورة مطبوعة لياسين واقف قدام مخزن قديم، وبجانبه كريم. على ظهر الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط مجهول: «لو عايزة تعرفي مين قتل جوزك، دوري على آخر مكان راح له قبل الحادثة.» داليا شهقت. «مريم، إحنا لازم نبلغ الشرطة.» بصيت للصورة، وبعدين قلت: «هنبلغ، لكن الأول لازم نعرف الصورة دي حقيقية ولا حد بيحاول يجرنا لفخ.» كنت خايفة، لكن فضولي كان أقوى. الصورة دي ممكن تكون أول خيط يوصلني للحقيقة. وفي اللحظة اللي كنت بحط فيها الصورة في الملف، تليفوني رن برسالة من رقم سامح. «بكرة الساعة خمسة، كافيه قريب من ميدان التحرير. تعالي مع حد تثقي فيه، وما تجيبيش أي حد من عيلة المنشاوي.» قريت الرسالة مرتين، وبعدها كتبت له: «هكون موجودة.» لكن قبل ما أبعت، وصلتني رسالة تانية من رقم مجهول: «لو بتحبي ابنك، ما تقابليش سامح.» رفعت عيني لداليا. كانت بتبصلي بنفس الرعب اللي حسيته جوايا. الموضوع ما بقاش مجرد ورث. ولا مجرد خلاف عائلي. فيه حد عارف كل خطوة باخدها، وحد مستعد يهددني بآدم عشان أوقف. حطيت الموبايل على الترابيزة، وقمت أطمن على ابني. كان نايم بهدوء، وإيده الصغيرة مقفولة على طرف البطانية. بصيت له، وقلت في سري: «أنا مش هخاف. مش بعد كل اللي عديت بيه. ومش هسيب حد يسرق منك حقك في الحقيقة، زي ما حاولوا يسرقوا مني حقي في إني أودع أبوك بكرامة.» وفي اللحظة دي، ما كنتش أعرف إن الرسالة اللي وصلتني كانت آخر تحذير قبل ما تبدأ أخطر ليلة في حياتي.
تاني يوم، قبل ميعاد مقابلة سامح بساعتين، رن جرس الباب. داليا كانت في المطبخ بتحضرلي أكل، وأنا كنت قاعدة على الكنبة برضع آدم، فبصيت من العين السحرية، ولقيت كريم واقف بره، ومعاه راجل ما شفتوش قبل كده. قلبي اتقبض. ما فتحتش الباب. خبط تاني، وقال بصوت عالي: «مريم، أنا عارف إنك جوه. افتحي، لازم نتكلم.» فضلت ساكتة. سمعته بيتحرك، وبعدها قال: «أنا مش جاي أعمل مشكلة. أنا جاي أساعدك، بس لو فضلتي تقفلي الباب في وشي، هتخلي الأمور أصعب على نفسك.» داليا خرجت من المطبخ، ولما شافت وشي فهمت. همست: «ما تفتحيش.» لكن كريم بدأ يتكلم بصوت أعلى: «أنا عارف إنك قابلتي فؤاد السيوفي، وعارف إنه حكى لك عن الوصية. بس واضح إنه ما قالكيش كل حاجة. ياسين كان عليه التزامات كبيرة، وفيه مشاكل في الشركة، وإنتِ مش فاهمة حجم المسؤولية اللي وقعت على كتفك.» قربت من الباب، وقلت من وراه: «لو عندك كلام قانوني، ابعته للمحامي.» ضحك ضحكة ساخرة. «المحامي بتاعك؟ ولا محامي ياسين؟ إنتِ فاكرة إن فؤاد واقف في صفك؟ الراجل ده شغال مع عيلتنا من عشرين سنة، وأول ما الفلوس تدخل في الموضوع، هتكتشفي إن مفيش حد بيشتغل ببلاش.» قلت: «خلصت؟» صوته اتغير. «مريم، اسمعيني كويس. أنا مش عايز أضرك. لكن فيه ناس ممكن تستغل جهلِك باللي بيحصل وتخليكي تخسري كل حاجة.
تعالي بكرة المكتب، وقّعي على توكيل لإدارة التركة، وإحنا هنضمنلك دخل ثابت ونأمن مستقبل آدم.» بصيت لآدم، وبعدها قلت: «أنا مش هوقّع على أي ورقة من غير ما أفهمها.» «يبقى إنتِ اللي اختارتي.» سمعت خطواته بتبعد، وبعدها صوت باب الأسانسير وهو بيتقفل. رجعت قعدت وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. داليا جت قعدت جنبي. «هو عارف إنك بتدوري ورا موت ياسين.» قلت: «أيوه. وده معناه إننا قربنا من حاجة هو خايف منها.» «طب ومقابلة سامح؟» بصيت للساعة. «هنروح. لكن مش هنروح لوحدنا، ومش هنسيب آدم مع أي حد مش مضمون.» اتصلت بالمستشار فؤاد، وحكيتله عن الزيارة والتهديد. طلب مني ما أتحركش قبل ما يراجع معايا التفاصيل، واتفقنا إننا نقابل سامح في مكان عام، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وإن أي دليل على جريمة لازم يتسلم للجهات المختصة. قبل الخامسة بعشر دقايق، كنت قاعدة في الكافيه، وداليا جنبي، والمستشار فؤاد على ترابيزة قريبة منا، متظاهر إنه بيقرأ جريدة. الساعة بقت خمسة، وبعدها خمسة وعشرة، وبعدها خمسة وعشرين. سامح ما ظهرش. قلبي بدأ يقلق. اتصلت برقمه، لكنه كان مقفول. وبعد حوالي نص ساعة، وأنا بقول لداليا إننا لازم نمشي، شفت راجل داخل الكافيه، لابس جاكت رمادي، وشه شاحب، وعينيه بتتحرك في كل اتجاه. كان سامح. قرب من الترابيزة، وقعد من غير ما يسلّم.
«إنتِ مريم؟» هزيت راسي. بص لداليا، وبعدين للمستشار فؤاد اللي قرب مننا. لما شافه، تنفس براحة. «كويس إنك موجود يا أستاذ فؤاد. أنا كنت خايف ما تقدرش تيجي.» المستشار سأله: «إيه اللي حصل يا سامح؟» سامح مسح وشه بإيده، وقال: «أنا كنت شغال في الحسابات التنفيذية لشركة الأستاذ ياسين. من حوالي سنة، اكتشفت تحويلات مالية بتخرج من حسابات الشركة لحسابات شركات وهمية. في الأول افتكرت إنها أخطاء محاسبية، لكن لما راجعت المستندات، لقيت توقيعات منسوبة للأستاذ ياسين على معاملات هو ما وافقش عليها.» سألته: «ومين كان بيعمل كده؟» بص حواليه، وبعدها قال: «كريم كان بيضغط على الإدارة المالية عشان تمرر التحويلات. لكن أنا ما أقدرش أقول إنه كان لوحده. كان فيه شخص تاني عنده صلاحيات أكبر، وكان بيستخدم اسم الأستاذ ياسين في معاملات مشبوهة.» المستشار فؤاد سأله: «معاك دليل؟» سامح طلع فلاشة صغيرة من جيبه، وحطها على الترابيزة. «دي نسخة من سجلات التحويلات، ورسائل داخلية، وتسجيل لاجتماع حصل قبل الحادثة بيومين.» حسيت إن قلبي وقف عند كلمة تسجيل. «اجتماع بين مين ومين؟» سامح بصلي، وقال: «بين كريم وراجل اسمه شريف الدمنهوري. شريف كان المدير المالي للشركة، وكان أقرب واحد لياسين في الشغل. والأستاذ ياسين اكتشف إنهم بيستخدموا توقيعه الإلكتروني عشان يغطوا على تحويلات بملايين الجنيهات.» المستشار فؤاد مد إيده وأخد الفلاشة، لكنه ما فتحهاش.
«التسجيل ده لازم يتفحص فنيًا، ويتسلم للشرطة والنيابة. ما ينفعش نتصرف فيه بشكل عشوائي.» سامح هز راسه. «أنا عارف. بس فيه حاجة أخطر.» كلنا بصيناله. قال بصوت واطي: «الأستاذ ياسين كان عارف إن فيه حد بيسرب تحركاته. يوم الحادثة، اتصل بيا وقال إنه رايح يقابل شخص عند مخزن الشركة القديم، وإنه لو ما رجعش خلال ساعة، أبلغ الأستاذ فؤاد.» سألته: «وإنت عملت إيه؟» نزل عينيه في الأرض. «خفت. كنت فاكر إنه هيقدر يحل الموضوع بنفسه. وبعد ما عرفت إنه مات، حاولت أقنع نفسي إن الحادثة ملهاش علاقة بالشغل. لكن من يومين، حد بعتلي رسالة بيهددني لو فتحت بقي.» حسيت بغضب شديد. «وإنت استنيت كل ده ليه؟» رفع عينيه ليا، وكان فيهم ندم حقيقي. «لأني جبان يا مدام مريم. ولأني عندي بنت صغيرة، وخفت يحصلها حاجة. لكن لما عرفت إنهم بيحاولوا ياخدوا ابن الأستاذ ياسين من أمه، حسيت إني لو سكت أكتر، هبقى شريك في كل اللي بيحصل.» سكتنا كلنا. كنت عايزة أصرخ فيه، وأقوله إن خوفه ما كانش أكبر من خوفي وأنا بولد لوحدي، وإن صمته ساعد ناس قاسية تفتكر إنها فوق الحساب. لكني كنت عارفة إن لومه مش هيغير اللي حصل. قلت: «إنت دلوقتي قدامك فرصة تصلح جزء من اللي عملته. هتقول كل حاجة للنيابة، وهتقدم الأدلة، وهتتحمل مسؤولية سكوتك.
لكن مش هتطلب مني أنسى بسهولة.» هز راسه. «مش هطلب منك تنسي.» وقبل ما يقوم، طلع من جيبه ظرف صغير، وحطه قدامي. «الأستاذ ياسين كان سايب ده عندي. قال لي لو حصل له حاجة، أسلمهولك. أنا ما كنتش عارف أتصرف، وخبيته لحد دلوقتي.» فتحت الظرف، ولقيت صورة صغيرة ليا وأنا حامل، وياسين واقف جنبي وحاطط إيده على بطني. وعلى ظهر الصورة، كان مكتوب: «مريم، مهما حصل، ما تخليش حد يقنعك إنك ضعيفة. إنتِ أقوى من كل الناس اللي بتخاف تواجه الحقيقة.» انفجرت في العياط. ما كنتش عارفة إذا كنت ببكي عشان وحشني، ولا عشان حسيت إنه كان بيحاول يحميني حتى بعد ما مشي. المستشار فؤاد حط إيده على كتفي وقال: «هنعمل اللي نقدر عليه يا مريم. لكن من اللحظة دي، لازم نبلغ الجهات المختصة بكل اللي عرفناه.» وافقت، وسلمناه الأدلة، واتفقنا إننا ما نواجهش كريم ولا شريف بنفسنا. لكن اللي ما كناش نعرفه إن شريف كان بالفعل بدأ يتحرك عشان يمسح أي أثر يربطه بالتحويلات.
في اليوم التالي، صحيت على مكالمة من المستشار فؤاد. «مريم، لازم تيجي المكتب. فيه تطور مهم.» قلبي دق بسرعة. «خير؟» «النيابة بدأت تفحص الأدلة، وفيه طلب رسمي للتحفظ على بعض مستندات الشركة. لكن فيه كمان حاجة تخص وصية ياسين، ولازم تعرفيها بنفسك.» بعد ما اطمنت على آدم، وطلبت من داليا تيجي معايا، رحت المكتب. المستشار كان مستنيني، وقدامه ملف كبير. قال: «ياسين كان عامل وصية موثقة من ست شهور. بموجب الوصية، نصيبه الشخصي في الشركات والاستثمارات الخاصة بيه مخصص لتسوية أي التزامات قانونية ثابتة، وبعدها تتوزع بقية أمواله وفق الأنصبة القانونية، مع تخصيص جزء مستقل لتعليم آدم ورعايته. كمان عيّن جهة مستقلة لإدارة الأموال المخصصة للطفل، عشان ما يقدرش أي فرد من العيلة يتصرف فيها بمزاجه.» سألته: «يعني كريم مش هيقدر ياخد فلوس آدم؟» «مش بالطريقة اللي كان بيحاول يعملها. أي تصرف في الأموال المخصصة للقاصر لازم يخضع للقانون والرقابة المطلوبة، ومش من حق عم الطفل يستولي عليها لمجرد إنه عمه.» تنفست براحة، لكن المستشار كمل: «وفيه بند تاني. ياسين كتب إنه لو ظهر دليل على تلاعب في حسابات الشركة أو استغلال اسمه في معاملات غير قانونية، لازم يتم التحقيق بشكل مستقل قبل اعتماد أي تسوية للتركة.» بصيت له. «يعني كان متوقع اللي حصل؟» رد بحذر: «واضح إنه كان شاكك في وجود مخالفات كبيرة. لكن ما نقدرش نجزم إنه كان متوقع موته.» وبعدين طلع ورقة تانية. «أما بخصوص طلب الحضانة، فإحنا قدمنا رد قانوني، وأرفقنا تقارير المستشفى، وشهادة الدكتور اللي تابع ولادتك، وأي مستند يثبت إنك بتقومي برعاية آدم بشكل طبيعي. وكمان طلبنا مراجعة أي ادعاءات اتقدمت ضدك من غير دليل.» كنت بسمعه، لكن فجأة افتكرت جملة ناهد يوم ما جت تشوف آدم. «مريم، لو عرفت إن فيه مستندات بتثبت إن ياسين كان ناوي يغيّر الوصية قبل موته، هتتصرفي إزاي؟» سألته باستغراب: «هو كان ناوي يغيّرها؟» «ما عنديش دليل على ده. لكن كريم لمح في الطلب إن فيه وصية أحدث من اللي معانا، وبيحاول يشكك في صحة الوصية الحالية.» حسيت إن فيه حاجة مش مفهومة. «يعني ممكن يكون فيه وصية تانية؟» «ممكن حد يدعي كده، لكن أي وصية لازم تتفحص وتتأكد صحتها. مش مجرد ورقة تظهر فجأة تبقى حقيقية.» خرجت من المكتب وأنا بفكر في كل الاحتمالات. لو ياسين كان بيجهز نفسه لمواجهة كريم وشريف، يبقى احتمال كبير إنهم كانوا عارفين إنه جمع أدلة. لكن هل كانوا عارفين كمان بوجود الوصية؟ وليه ناهد كانت مستعجلة على اجتماع الورث من يوم الجنازة؟ كنت محتاجة إجابة، لكن الإجابة ما جتش من المحامي. جت من شخص ما كنتش أتوقع إنه يتكلم أبدًا.
بعد يومين، وأنا قاعدة في البيت، جالي اتصال من رقم خاص. رديت بحذر. «ألو؟» سمعت صوت ناهد. «مريم، لازم نتقابل.» قلت ببرود: «لو فيه حاجة تخص آدم، ابعتيها للمحامي.» ردت بسرعة: «الموضوع مش عن آدم بس. الموضوع عن ياسين، وعن حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.» قلبي اتقبض. «إيه هي؟» سكتت لحظة، وبعدها قالت: «أنا عارفة إنك بتدوري ورا موت ابني.» ما رديتش. كملت: «وعارفة إن سامح كلمك، وإنك قابلتي فؤاد. أنا مش هسألك عرفتي إيه، لكن لازم تعرفي إنك لو كملتي في الطريق ده، هتفتحي أبواب مش هتعرفي تقفليها.» ضحكت بمرارة. «هو حضرتك بتخوفيني ولا بتحذريني؟» «أنا بحاول أحميك.» «تحميني؟ زي ما حميتيني يوم جنازة ياسين؟» سكتت. لأول مرة، ما كانش عندها رد جاهز. قلت: «إنتِ عايزة إيه يا طنط ناهد؟» صوتها اتكسر للحظة. «عايزة أشوفك. لوحدنا. من غير محامين، ومن غير داليا.» رفضت فورًا. «مش هقابلك لوحدي.» «يبقى خلي داليا تيجي. بس لازم نتكلم قبل ما يحصل شيء أسوأ.» وافقت على مضض، وحددنا ميعاد في مكان عام، واتفقنا إن المستشار فؤاد يعرف بالمقابلة، وإننا مش هنخفي عنه أي حاجة. لما وصلت، كانت ناهد قاعدة على ترابيزة بعيدة عن الناس، من غير المكياج اللي كانت بتحطه كل مرة، وشعرها باين منه خصلات بيضا أكتر مما كنت فاكرة. لأول مرة، بدت أكبر من سنها.
قعدت قدامها، وداليا جنبي. بصتلي طويلًا، وبعدها قالت: «أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة.» قلت: «أنا مش جاية أتكلم عن السماح.» هزت راسها، وفتحت شنطتها، وطلعت صورة قديمة لياسين وهو طفل، واقف جنبها في جنينة البيت. فضلت باصة للصورة شوية، وبعدها قالت: «أنا ربيت ياسين على إنه لازم يكون الأقوى، والأذكى، واللي ما حدش يقدر يكسره. بعد ما أبوه مات، بقيت خايفة أخسر كل حاجة، وخوفي اتحول مع الوقت لسيطرة. كنت عايزاه يعيش بالطريقة اللي أنا شايفاها، ويتجوز البنت اللي أنا أختارها، ويشتغل مع الناس اللي أنا أثق فيهم.» رفعت عينيها ليا. «ولما اختارك، حسيت إنه بيبعد عني. كنت شايفة إنك هتاخديه مني، وإنه هيختار حياته بعيد عن العيلة.» قلت بهدوء: «هو اتجوزني عشان كان بيحبني، مش عشان ياخدك مني.» دموعها لمعت. «أنا عارفة دلوقتي. بس وقتها ما كنتش شايفة غير خوفي. وبعد ما مات، بقيت مهووسة إني أحافظ على اسم العيلة، وعلى الشركات، وعلى كل حاجة كان هو تعب فيها.» قلت: «لدرجة إنك سيبتيني أولد لوحدي.» نزلت عينيها. «أيوه.» كنت مستنية منها تبرير، لكن اعترافها المباشر خلاني أسكت. كملت: «أنا مش هطلب منك تنسي. ولا هقولك إن اللي عملته كان غصب عني. أنا اخترت أسيبك، واخترت أتكلم بالطريقة دي، ودي غلطة هعيش معاها طول عمري.» سألتها: «طيب ليه جيتي دلوقتي؟
عشان الوصية؟» رفعت عينيها بسرعة. «أنا ما كنتش أعرف تفاصيل الوصية. لكن عرفت من كريم إن فيه أدلة بتظهر، وإن النيابة بدأت تحقق. وخفت.» «خفتِ على مين؟» سكتت شوية. «على نفسي، وعلى اسم العيلة، وعلى الحقيقة اللي أنا ساهمت في إخفائها.» جسمي اتشد. «إنتِ عارفة حاجة عن موت ياسين؟» غمضت عينيها، وبعدها قالت: «أنا ما قتلتش ابني يا مريم.» «ما سألتكيش إذا كنتِ قتلتيه. سألتك إذا كنتِ عارفة حاجة.» إيديها بدأت تترعش. «قبل الحادثة بأسبوع، ياسين جه لي في البيت، وقال لي إنه اكتشف إن كريم متورط في معاملات مالية مشبوهة. طلب مني أوقفه وأمنعه من الاستمرار. أنا اتعصبت، وقلت له إن أخوه مستحيل يعمل كده، وإنه لو فضح الموضوع، هيهدم العيلة كلها.» «وهو قالك إيه؟» «قال لي إن العيلة اللي بتتبني على الكذب مش عيلة تستحق الحماية.» حسيت بوجع شديد في قلبي. دي كانت جملة ياسين. كان دايمًا بيقول إن الحقيقة ممكن توجع، لكنها ما ينفعش تتدفن عشان الناس ترتاح. ناهد كملت: «بعدها بيومين، سمعت كريم بيتكلم في التليفون مع شريف. ما كنتش أعرف كل التفاصيل، لكن سمعت اسم ياسين واسم المخزن القديم. لما واجهته، قال لي إنه بيحاول يحل مشكلة في الشركة، وإن أخوه بيكبر الموضوع.» سألتها: «وليه ما بلغتيش الشرطة؟» دموعها نزلت. «خفت. خفت من الفضيحة، ومن انهيار الشركة، ومن إن الناس تعرف إن ابني الأصغر ممكن يكون مجرم.
كنت فاكرة إن الموضوع فلوس، وإنه هيتحل من غير ما حد يتأذى.» قلت بصوت مليان وجع: «لكن ياسين اتأذى.» هزت راسها، وانهارت في العياط. «أيوه.» فضلت ساكتة، وأنا بحاول أفهم إذا كانت ندمانة فعلًا، ولا بتحاول تنقذ نفسها بعد ما الخطر قرب منها. وبعدين قالت: «فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. يوم جنازة ياسين، كريم كان مستعجل عشان يقابل شريف بعد الدفن. ما كانش اجتماع ورث زي ما قالك. كان عندهم اجتماع عشان يعرفوا إذا كان ياسين ساب أي أدلة قبل ما يموت.» حسيت إن قلبي وقع. «إنتِ متأكدة؟» «سمعتهم بنفسي. وكريم قال لشريف إنه لازم يسيطر على موضوع آدم قبل ما يكبر، وإن وجودك كأم للوريث هيعطلهم.» داليا مسكت إيدي. كنت حاسة إن كل حاجة بقت واضحة، لكن الوضوح ده كان مرعب. سألت ناهد: «عندك دليل على الكلام ده؟» قالت: «عندي تسجيل صوتي. سجلته من غير ما كريم يعرف، بعد ما شكيت فيه. كنت خايفة أستخدمه، لكن دلوقتي… أنا مش عايزة أخسر حفيدي زي ما خسرت ابني.» بصيت لها طويلًا. «إنتِ مش هتستخدمي آدم عشان تصلحي علاقتك بيا. لو عندك دليل، هتسلميه للنيابة. وهتتحملي مسؤولية سكوتك.» هزت راسها. «هعمل كده.» قلت: «والحقيقة لازم تظهر كاملة، حتى لو كانت هتدمّر اسم العيلة اللي إنتِ خايفة عليه.» ردت بصوت مكسور: «أنا فهمت متأخر، لكن فهمت.
» أنهينا المقابلة، وسلمتني نسخة من التسجيل، واتفقنا إن المستشار فؤاد يستلمه بشكل رسمي ويسلمه للجهات المختصة. لكن وأنا راجعة البيت، ما كنتش حاسة بالانتصار. كنت حاسة بالحزن. حزن على ياسين، اللي كان بيحاول يحمي الناس اللي حواليه من غير ما يعرف إن بعضهم هيختاروا مصلحتهم على حياته. وحزن على نفسي، لأني كنت عايشة وسط ناس كنت فاكرة إنهم أهلي، واكتشفت إن بعضهم كانوا مستعدين يبيعوا كل حاجة عشان يفضلوا في مكانهم. لكن كان فيه حاجة واحدة اتغيرت. أنا ما بقيتش بدور على انتقام. أنا بقيت بدور على عدالة.
في الأيام اللي بعدها، بدأت التحقيقات تاخد منحنى مختلف. المستشار فؤاد سلّم الأدلة للنيابة، وسامح أدلى بأقواله، وناهد قدمت التسجيل اللي معاها. التسجيل كان واضح فيه صوت كريم وهو بيتكلم مع شريف عن «إغلاق الملف قبل ما ياسين يروح للشرطة»، وصوت شريف وهو بيرد إن «الموضوع لازم يبان كأنه حادثة عادية». لكن التسجيل لوحده ما كانش كفاية لإثبات كل شيء، والنيابة احتاجت تربطه بالأدلة الفنية وسجلات المكالمات والتحركات. في الوقت نفسه، اتكشف إن العربية اللي كان ياسين سايقها يوم الحادثة اتعمل فيها شغل صيانة قبل الواقعة بأيام، من خلال ورشة مرتبطة بشركة وهمية كان شريف بيستخدمها. ما كانش ممكن أجزم إن ده وحده يثبت جريمة، لكن الأدلة بدأت تتجمع، وكل دليل جديد كان بيقربنا من الحقيقة. أما كريم، فحاول يطلع في الإعلام ويقول إن فيه مؤامرة على عيلة المنشاوي، وإن أرملة أخوه بتحاول تستولي على التركة. لكن المستشار فؤاد رفض يدخل في حرب تصريحات، واكتفى بالرد القانوني، وقال إن كل شيء هيتحسم قدام الجهات المختصة. أنا كمان ما طلعتش أتكلم. كنت محتاجة أحافظ على هدوئي، وأركز على آدم، وأسيب الأدلة تتكلم. وفي يوم، وصلني إخطار رسمي بموعد نظر طلب الحضانة. لما شفت اسم كريم في الأوراق، حسيت بغضب شديد، لكن المستشار فؤاد طمني إننا هنقدم كل المستندات اللازمة. قال لي: «مريم، ما تخافيش من إنهم عندهم فلوس أو محامين كتير. المحكمة بتبص على مصلحة الطفل، وعلى الأدلة، وعلى قدرة الأم على الرعاية. وإحنا عندنا مستندات واضحة بتثبت إن طلبهم قائم على ادعاءات محتاجة دليل.» سألته: «ولو حاولوا يقولوا إني مش مستقرة نفسيًا بسبب وفاة ياسين؟» قال: «الحزن بعد الفقد مش دليل على عدم الأهلية. المهم إنك تقدري ترعي آدم، وإن مفيش خطر عليه في رعايتك. وإنتِ بالفعل بتقومي بدورك.» خرجت من المكتب وأنا حاسة إن أول مرة من يوم وفاة ياسين فيه حد بيقول لي إن حقي مش محتاج أترجى عشانه. لكن كريم ما استسلمش. قبل الجلسة بيوم، وصلني ظرف فيه صور ليا وأنا خارجة من المستشفى، ومعاها ورقة مكتوب عليها: «آخر فرصة. وقّعي التنازل، وإلا هتخسري ابنك.» المرة دي ما عيطتش. صورت الظرف، واحتفظت بيه، وبعته للمستشار فؤاد، اللي ضمه للبلاغ باعتباره تهديدًا محتملًا. وبعدين قعدت جنب آدم، وبصيت له وهو بيحاول يمسك صباعي بإيده الصغيرة. قلت له: «أنا مش هخلي حد يخوفني بيك تاني يا حبيبي. إنت مش نقطة ضعف عندي. إنت السبب اللي مخليني أقوى.» ولأول مرة من أيام، حسيت إني مش بس بحارب عشان أحمي ابني. أنا كمان بتعلم أعيش من جديد.
يوم الجلسة، دخلت المحكمة وأنا شايلة ملف الأوراق في إيدي، وداليا ماشية جنبي، والمستشار فؤاد قدامنا. كريم كان واقف في الناحية التانية، لابس بدلة غالية، ووشه مرسوم عليه حزن مصطنع. جنبه محاميه، ووراه ناهد. أول ما عيني جت في عين ناهد، ما ابتسمتش، وما سلمتش. هي كمان ما حاولتش تقرب. كان فيه حاجات كتير لسه ما اتصلحتش، ومش كل اعتذار بيقدر يرجع الثقة. داخل القاعة، محامي كريم بدأ يتكلم عن ثروة الطفل، وعن ضرورة وجود العيلة حوله، وعن إن مريم لسه في حالة حزن بعد وفاة زوجها. كنت قاعدة ساكتة، وإيدي قابضة على الملف. لما جه دور المستشار فؤاد، وقف وقال بهدوء: «موكلتي لا تطلب حرمان أسرة زوجها من التواصل مع الطفل، لكنها ترفض تحويل هذا التواصل إلى وسيلة ضغط عليها أو محاولة انتزاع حضانته من غير أساس قانوني. الأوراق المقدمة لا تثبت وجود أي خطر على الطفل في رعاية أمه، بينما توجد مستندات توضح أن الطلب جاء في سياق نزاع مالي وعائلي قائم.» بعدها قدم تقارير المستشفى، وشهادة الطبيب، وأوراق رعاية آدم، ونسخ التهديدات اللي وصلتني. القاضي سأل محامي كريم عن الدليل اللي يثبت إن رعاية الأم للطفل فيها خطر. المحامي اتكلم عن الظروف النفسية، لكن ما قدمش دليل طبي أو واقعة تثبت الإهمال. القاضي بص للأوراق، وبعدها قال إن الطلب محتاج دليل واضح، وإن مجرد الحزن أو الترمل أو الاختلاف على التركة مش كفاية لانتزاع الطفل من أمه. وفي نهاية الجلسة، صدر القرار برفض طلب كريم في صورته المقدمة، مع التأكيد على إن أي طلب جديد لازم يقوم على أسباب وأدلة حقيقية، وإن مصلحة الطفل هي الأساس. ما صرختش من الفرحة. ما بصيتش لكريم بتحدي. أنا بس غمضت عيني، وأخدت نفس عميق، وحسيت إن حجر كبير اتشال من فوق صدري. داليا حضنتني، وقالت: «خلصت يا مريم. آدم هيفضل معاكي.» دموعي نزلت، وقلت: «أنا كنت خايفة أوي.» ردت: «عارفة. بس إنتِ ما استسلمتيش.» على بعد خطوات، كانت ناهد واقفة، وعينيها مليانة دموع. قربت مني، لكني رفعت إيدي بهدوء. «مش دلوقتي يا طنط ناهد.» هزت راسها. «فاهمة.» ومشيت من غير ما تحاول تضغط عليّا. كان ده أول موقف أشوف فيه إنها احترمت كلمة «لأ» من غير ما تحولها لمعركة. لكن رغم القرار، ما كنتش مطمنة بالكامل، لأن التحقيق في موت ياسين لسه مستمر، وكريم وشريف لسه بره، وكل اللي حصل لحد دلوقتي كان بداية طريق طويل.
بعد أسبوع، المستشار فؤاد اتصل بيا وقال إن النيابة عايزة تسمع أقوالي في بعض التفاصيل المتعلقة بآخر أيام ياسين. رحت، وقدمت كل الرسائل والصور اللي عندي، وحكيت عن كلامه قبل الحادثة، وعن طلبه إني ما أثقش في أي حد لمجرد إنه من عيلته. وأثناء التحقيق، عرضوا عليّا صورة المخزن القديم اللي كنت شفتها في الظرف. المحقق سألني: «هل المرحوم ذكر المكان ده قبل كده؟» افتكرت إنه كان بيتكلم عن مخزن الشركة في العبور، لكن الصورة كانت لمكان مختلف، مخزن قديم في منطقة صناعية خارج القاهرة. قلت: «هو ما ذكرش المكان بالاسم، لكنه كان بيقول إنه محتاج يراجع مستندات قديمة تخص الشركة.» المحقق دوّن كلامي، وبعدها سألني عن المفتاح الصغير اللي لقيته في السلسلة. كنت سلمت المفتاح للمستشار فؤاد، واتفقنا إنه يتسلم للجهات المختصة. بعد فحصه، اتضح إنه مش مفتاح باب عادي، لكنه مفتاح لخزانة أمانات صغيرة في شركة تخزين خاصة. المعلومة دي كانت نقطة تحول. بأمر من الجهات المختصة، اتفتحت الخزانة، ولقوا جواها حافظة مستندات، وذاكرة إلكترونية، ومظروف عليه اسمي. المستشار فؤاد اتصل بيا، وقال: «مريم، ياسين كان مجهز كل حاجة عشان الحقيقة تظهر، حتى لو ما كانش موجود.» لما استلمت المظروف، كانت إيدي بتترعش. فتحته، ولقيت رسالة تانية. «مريم، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى إنك قدرتي تكملي رغم كل اللي حصل.
أنا مش عارف إذا كنت هقدر أشرحلك كل حاجة وأنا عايش، لكني عارف إنك هتكوني أقوى مما تتخيلي. المستندات اللي في الخزانة هتوضح إن فيه ناس استخدمت اسمي في تحويلات ما وافقتش عليها، وإن فيه محاولات لإخفاء الحقيقة. لكن أهم حاجة عايزك تعرفيها إنك مش مطالبة تدخلي حرب عشان تثبتي إنك بتحبيني. أنا عارف إنك بتحبيني. أنا عايزك تعيشي. عايزك تضحكي تاني، وتربي آدم في بيت مليان أمان، وتخليه يعرف إن أبوه كان بيحب الحقيقة، لكنه كان بيحب الحياة كمان. ما تخليش موتي يبقى آخر فصل في حياتك. بحبك. ياسين.» فضلت ماسكة الرسالة، ودموعي بتنزل على الورق. كان ياسين بيكلمني من خلال الكلمات، لكن المرة دي ما حسيتش إن الرسالة بتطلب مني أواجه العالم كله. كانت بتطلب مني أعيش. وبعدها بدأت الجهات المختصة تفحص المستندات الموجودة في الخزانة. الذاكرة الإلكترونية احتوت على مراسلات وتسجيلات إضافية، وسجلات مالية دعمت أقوال سامح، وربطت بين التحويلات المشبوهة وشركات وهمية كان شريف بيديرها من خلال وسطاء. وبعد مراجعة بيانات الاتصالات والتحركات، ظهرت تناقضات خطيرة في أقوال كريم وشريف عن مكان وجودهما في الساعات اللي سبقت الحادثة. ما كانش معنى ده إن القضية اتحسمت، لكن الأدلة بقت أقوى، والنيابة بدأت تتحرك بشكل أوسع. وفي مساء يوم طويل من التحقيقات، وصلني اتصال من رقم المستشار فؤاد.
«مريم، صدر قرار بضبط وإحضار كريم وشريف على ذمة التحقيق في الاتهامات المتعلقة بالتلاعب المالي والاشتباه في صلتهما بملابسات وفاة ياسين.» حطيت إيدي على صدري. «يعني اتقبض عليهم؟» «لسه الإجراءات بتتنفذ. لكن دي خطوة مهمة.» قفلت المكالمة، وقعدت على الكنبة، وآدم نايم في حضني. ما حسيتش بفرحة الانتقام اللي كنت متخيلة إني هحسها. حسيت بحزن شديد. لأن مهما كانت الحقيقة، ياسين مش هيرجع. ومهما اتحاسب اللي تسبب في موته، مش هقدر أرجع لليلة اللي كنا بنخطط فيها سوا لمستقبل ابننا. لكن على الأقل، محدش هيقدر يقول إن موته كان مجرد حادثة اتقفلت أوراقها وانتهى الموضوع. الحقيقة بدأت تظهر، والناس اللي كانوا فاكرين إن الفلوس والنفوذ يقدروا يدفنوا كل حاجة، بدأوا يفهموا إن فيه حاجات بتفضل تطلع للنور مهما طال الوقت.
بعد يومين، وأنا قاعدة في البيت، سمعت خبط على الباب. داليا كانت لسه ماشية من عندي، وآدم كان نايم في سريره، فقمت أشوف مين. لما فتحت، لقيت ناهد واقفة لوحدها، ماسكة كيس صغير، ووشها باين عليه إنها ما نامتش كويس من أيام. قالت بصوت واطي: «ممكن أدخل يا مريم؟» اترددت لحظة، وبعدها فتحت لها الباب. دخلت بخطوات بطيئة، وبصت ناحية سرير آدم، لكن المرة دي ما قربتش منه من غير إذني. حطت الكيس على الترابيزة، وقالت: «جبتله شوية هدوم. مش عارفة إذا كنتِ هتقبليهم ولا لأ، بس حبيت أجيبله حاجة.» بصيت للكيس، وبعدها قلت: «شكرًا.» قعدت على الكرسي، وفضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدين قالت: «كريم اتقبض عليه.» هزيت راسي. «عرفت.» «وشريف كمان. المحامي بتاعهم بيقول إنهم هينكروا كل حاجة، وإن القضية هتاخد وقت طويل.» قلت: «ده حقهم يدافعوا عن نفسهم، وحق النيابة تحقق، وحق المحكمة تحكم بالأدلة.» بصتلي باستغراب. «إنتِ مش حاسة إنك عايزة تشوفيهم وهما بيتعاقبوا؟» فكرت شوية، وبعدها قلت: «أنا عايزة الحقيقة تظهر، واللي غلط يتحاسب. لكن مش عايزة أقضي عمري مستنية لحظة أشوف فيها حد بيتألم. أنا اتألمت بما فيه الكفاية.» نزلت عينيها، وفضلت تحرك صوابعها بتوتر. «أنا كنت فاكرة إن الفلوس والاسم الكبير هيحمونا من كل حاجة. كنت فاكرة إن لو حافظت على شكل العيلة قدام الناس، يبقى أنا كده بحمي أولادي.
» رفعت عينيها ناحيتي. «لكن أنا اللي ساهمت في تدميرهم. لما ياسين جه لي وقال إنه شاكك في كريم، ما صدقتوش. ولما فهمت إن فيه حاجة غلط، خفت على سمعة العيلة أكتر ما خفت على ابني. ويوم جنازته…» صوتها اتكسر. «يوم جنازته، أنا شوفتك وإنتِ بتتألمي، وشوفتك بتمدّي إيدك لي، وأنا رجعت لورا. لحد دلوقتي مش قادرة أنسى وشك في اللحظة دي.» ما رديتش. كملت: «كل يوم بصحى وأفتكر إنك كنتِ بتولدي، وإن حفيدي كان بييجي للدنيا، وأنا كنت واقفة بفكر في الناس هتقول إيه. مفيش أي عذر يخليني أعمل كده.» بصيت لها وقلت: «إنتِ عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إنك ما ساعدتنيش بس. أنا كنت فاكرة إن ياسين لما يموت، هلاقي فيكم جزء منه. كنت فاكرة إنكم هتحضنوني عشان أنا اللي شايلة آخر حاجة منه. لكن إنتوا خلّيتوني أحس إني غريبة، وإن وجودي ووجود ابني مشكلة لازم تتخلصوا منها.» دموعها نزلت. «أنا آسفة يا مريم.» كانت أول مرة أسمعها بتعتذر من غير ما تقول بعدها إنها كانت مضغوطة، أو إنها أم ياسين، أو إن ليها حقوق. لكن الاعتذار، مهما كان صادق، ما كانش زرار يمسح اللي حصل. قلت: «أنا سمعت اعتذارك يا طنط ناهد. لكن مش هقدر أقولك إني سامحتك دلوقتي. أنا محتاجة وقت، ومحتاجة أشوف إنك اتغيرتي فعلًا، مش بس عشان خايفة تخسري آدم.
» هزت راسها. «عندك حق. وأنا مش هضغط عليكي.» بصت ناحية السرير، وقالت بصوت مرتعش: «ممكن أشوفه من بعيد؟» بصيت لآدم، وبعدها شاورْت لها تقرب. مشيت ناحيته ببطء، ووقفت جنبه، وفضلت باصة لوشه الصغير. حطت إيدها على بقها، وبدأت تعيط في صمت. «شبه ياسين أوي.» قلت: «خصوصًا لما بينام وبيضم إيده كده.» ابتسمت وسط دموعها. «ياسين كان بيعمل كده وهو صغير. كنت بقعد أتفرج عليه بالساعات.» ولأول مرة، حسيت إن الست اللي قدامي مش مجرد حماتي اللي جرحتني، لكنها أم فقدت ابنها، واختارت تتعامل مع الفقد بطريقة قاسية ومدمرة. ده ما كانش بيمسح غلطها، لكنه خلاني أشوف الصورة كاملة. قبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت: «أنا مش هطلب منك تسمحيلي أشوفه تاني دلوقتي. لما تكوني مستعدة، إنتِ اللي هتحددي.» هزيت راسي. «هنشوف يا طنط ناهد.» خرجت، وقفلت الباب بهدوء. رجعت لآدم، وشلته بين إيديا، وحسيت إن قلبي أخيرًا بدأ يتعلم يفرق بين إنه يسامح، وإنه يسمح لنفس الوجع يرجع تاني. أنا مش مطالبة أكرهها طول عمري، لكن كمان مش مطالبة أنسى عشان أريح ضميرها. المسامحة لو هتيجي يومًا، لازم تيجي من قلبي، مش من خوف أو ضغط.
عدت الشهور، والتحقيقات استمرت، وكل يوم كان بيظهر فيه دليل جديد يوضح حجم التلاعب اللي حصل في شركات ياسين. سامح تعاون مع النيابة، وقدم كل المستندات اللي عنده، واعترف إنه تأخر في الإبلاغ خوفًا على نفسه وعلى بنته. أما شريف، فحاول ينكر علاقته بالتحويلات، لكن المستندات الرقمية وسجلات الاتصالات كشفت تناقضات كبيرة في أقواله. وكريم فضل ينكر إنه كان عارف إن التلاعب ممكن يوصل لدرجة خطيرة، لكن الأدلة أثبتت مشاركته في معاملات غير قانونية ومحاولاته للضغط على الشهود. وفي قضية وفاة ياسين، التحقيقات الفنية أعادت فحص العربية ومسار الحادثة، وظهرت أدلة إضافية على وجود تدخل متعمد في سلامة السيارة قبل الحادث. ما كنتش بسمح لنفسي أستبق الحكم، لكن لأول مرة حسيت إن التحقيق ما بقاش مجرد كلام. وفي النهاية، وبعد إجراءات قضائية طويلة، صدر الحكم في القضايا المرتبطة بالتلاعب المالي، واتحاسب المتورطون وفق الأدلة اللي ثبتت عليهم، بينما استمرت الإجراءات الخاصة بملابسات وفاة ياسين لحد ما اكتملت أدلتها. ولما وصلني الخبر النهائي إن المحكمة أدانت كريم وشريف في الجرائم اللي ثبتت عليهم، وإن قضية وفاة ياسين انتهت بحكم مبني على الأدلة الفنية وشهادات الشهود، قعدت لوحدي في أوضة المعيشة، وفتحت الرسالة اللي ياسين كتبها لي. قرأت كلماته للمرة الأخيرة في اليوم ده، وبعدها حطيتها في درج صغير جنب صوره. ما حسيتش إن حياتي رجعت زي الأول.
هي عمرها ما هترجع زي الأول. لكن حسيت إن الحقيقة أخيرًا أخدت مكانها، وإن اسم ياسين مش هيفضل مربوط بحادثة غامضة، وإن ابنه هيكبر وهو عارف إن أبوه كان إنسان بيحاول يعمل الصح حتى لما الصح كان مكلف. في الوقت ده، كنت بدأت أرجع لحياتي بالتدريج. آدم كبر، وبقى يضحك كل ما يسمع صوتي، ويمد إيده ناحيتي أول ما يشوفني داخلة الأوضة. كنت بدأت أشتغل من البيت في مجال تصميم المحتوى اللي كنت بحبه قبل الجواز، وبنيت لنفسي شغل مستقل، بعيد عن شركات المنشاوي وعن أي حد ممكن يستخدم احتياجي وسيلة للسيطرة عليّا. المستشار فؤاد ساعدني أرتب الأمور المالية الخاصة بتركة ياسين، واتعملت إدارة مستقلة للأموال المخصصة لآدم، وكل حاجة بقت موثقة وتحت رقابة قانونية. ما بقيتش محتاجة أروح لحد أترجاه عشان مصاريف ابني، ولا أقبل إهانة عشان أحافظ على مكان في عيلة مش عارفة قيمتي. كنت ببدأ من جديد، لكن المرة دي على أرض ثابتة. وفي يوم عيد ميلاد آدم الأول، قررت أعمل احتفال صغير في البيت. زينة بسيطة، وتورتة صغيرة، وصور لياسين حطيتها في إطار جنب الشباك. داليا كانت أول واحدة وصلت، وجابت هدية كبيرة لآدم، ولما شافته بيحاول يمسك الشريط بتاعها، ضحكت وقالت: «الواد ده هيطلع شقي زي أبوه.» ضحكت من قلبي، وقلت: «ربنا يستر على اللي هيقع في إيده لما يكبر.
» كانت ضحكتي مختلفة عن أي مرة ضحكت فيها من شهور. ما كانش معناها إني نسيت ياسين، ولا إن وجعي اختفى، لكنها كانت دليل إن الحياة بدأت تلاقي طريقها جوايا من جديد. بعد شوية، جرس الباب رن. فتحت، ولقيت ناهد واقفة، ماسكة علبة صغيرة، ووراها عربية فيها هدية كبيرة. بصتلي بتردد. «أنا عارفة إنك قلتي إنك هتحددي بنفسك إذا كنت هقدر أشوفه تاني، وعارفة إن النهارده عيد ميلاده. لو وجودي هيضايقك، همشي فورًا.» بصيت لها شوية. كانت ملامحها اتغيرت. ما بقتش الست اللي لازم كل حاجة تحصل على مزاجها، ولا الست اللي بتدخل أي مكان وهي متوقعة إن الناس هتفتح لها الطريق. قلت: «اتفضلي يا طنط ناهد. النهارده عيد ميلاده، ومش عايزة اليوم يبقى فيه زعل.» دخلت، ووقفت بعيد عن آدم، لحد ما أنا شلته وقربت منه. قلت له: «آدم، دي جدتك ناهد.» مدت إيديها بحذر، لكن ما شالتوش غير لما أنا سمحت لها. أول ما حطته بين إيديها، فضلت باصة له طويلًا، وبعدين بكت. «كل سنة وإنت طيب يا حبيبي. يا رب أقدر أعوضك عن كل حاجة ضيعتها.» آدم مد إيده الصغيرة ولمس خدها، فضحكت وسط دموعها. وقفت أتفرج عليهم، ومشاعري متلخبطة. كان فيه جزء مني لسه فاكر المطر، والقبر، وكلمتين «اطلبي تاكسي». لكن كان فيه جزء تاني بدأ يفهم إن الإنسان ممكن يعترف بغلطه، ويحاول يصلحه، حتى لو ما قدرش يمسح أثره.
ما وعدتهاش إن كل حاجة هترجع زي زمان. وما وعدتهاش إنها هتبقى قريبة مني فجأة. لكن سمحت لها تبدأ خطوة صغيرة، بشرط إنها تحترم حدودي وتحترم حقي كأم. بعد ما الاحتفال خلص، وناهد كانت بتستعد تمشي، وقفت قدامي وقالت: «مريم، أنا عايزة أقولك حاجة قبل ما أمشي.» بصيت لها. «اتفضلي.» قالت: «أنا قضيت عمري كله فاكرة إن القوة معناها إن محدش يقدر يقف قدامي، وإن الفلوس تخليني أتحكم في كل حاجة. لكن إنتِ علمتيني إن القوة الحقيقية إن الإنسان يقدر يقف بعد ما الدنيا تكسره، من غير ما يتحول لشخص قاسي زي اللي أذاه.» سكتت لحظة، وبعدها كملت: «أنا مش هطلب منك تنسي يوم الجنازة. ولو فضلتِ فاكراني باللي عملته، هقبل ده. بس أتمنى في يوم من الأيام، لما تبصيلي، تشوفي إني حاولت أتغير.» بصيت لها، وقلت: «التغيير مش كلام يا طنط ناهد. التغيير إنك تحترمي الناس حتى لما ما يكونش ليكي مصلحة عندهم، وإنك تساعدي اللي محتاجك من غير ما تستني مقابل، وإنك ما تستخدميش آدم عشان تعوضي ذنبك. لو قدرتي تعملي ده، الأيام هتثبتلي كل حاجة.» هزت راسها. «هحاول.» مشيت، وأنا فضلت واقفة عند الباب لحد ما دخلت الأسانسير. رجعت جوه، لقيت آدم بيضحك وهو بيحاول يلمس صورة أبوه. شيلته، وحطيته قدام الصورة، وقلت: «شايف يا حبيبي؟ دي صورة بابا.
بابا كان بيحبك قبل ما يشوفك، وكان مستني اليوم اللي يشيلك فيه. يمكن ما لحقش يعيش معانا، لكن حبه ليك موجود في كل حاجة سابهالك.» بست راسه، وحسيت بدموعي بتنزل، لكن المرة دي ما حاولتش أمنعها. كان من حقي أعيط على ياسين، ومن حقي أفرح بآدم، ومن حقي أعيش حياة جديدة من غير ما أحس إني بخون ذكراه. ومع مرور الوقت، علاقتي بناهد اتغيرت بالتدريج. بقت تتصل قبل ما تيجي، وتسألني إذا كان الوقت مناسب، وتحترم قراراتي من غير ما تحاول تفرض رأيها. وفي كل مرة كانت تيجي، كانت بتجيب لآدم حاجة بسيطة، أو تقعد تلعب معاه، أو تساعدني في حاجة من غير ما تحول مساعدتها لفضل تتمنن بيه عليّا. ما بقيناش أم وبنت، ولا نسينا الماضي، لكن بقينا اتنين بيحاولوا يبنوا علاقة جديدة على أساس الاحترام، مش الخوف. أما أنا، فبعد سنة ونص من وفاة ياسين، كنت بدأت أحس إن الحياة بقت أهدى. اشتريت شقة صغيرة باسمي، قريبة من داليا ومن شغلي، ورتبت أوضة آدم بألوان كان ياسين بيحبها، وحطيت صورة كبيرة ليه فوق مكتبة صغيرة. وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة، وآدم بيلعب قدامي، فتحت درج المكتب وطلعت آخر رسالة كتبها ياسين. قرأت أول سطر، وبعدها ابتسمت. «أنا عايزك تعيشي.» قعدت أفكر في الجملة دي طويلًا. في يوم جنازته، كنت فاكرة إن حياتي انتهت معاه، وإن كل اللي باقي ليا هو الحزن والخوف ومحاولة حماية ابني من عيلة مش عايزانا.
لكن الحقيقة إن حياتي ما انتهتش. هي اتغيرت. اتكسرت أجزاء مني، واتعلمت أجمعها بطريقة مختلفة. اتعلمت إن الحب مش معناه إني أسمح للناس تهينني عشان أحافظ على العيلة، وإن التسامح مش معناه إني أتنازل عن حقي، وإن القوة مش معناها إني ما أعيطش. القوة إني أعيط، وأقوم تاني. إني أخاف، وبرغم خوفي آخد القرار الصح. إني أفقد أغلى إنسان في حياتي، لكن ما أسمحش للفقد إنه ياخد مني نفسي كمان. آدم جري ناحيتي وهو بيضحك، ومد إيده عشان أرفعه. شيلته، وضمّيته لصدري، وقلت: «عارف يا حبيبي، بابا كان نفسه يشوفك بتجري كده. كان نفسه يسمع ضحكتك، ويشوفك وإنت بتكبر. وأنا هحكيلك عنه كل يوم، وهخليك تعرف إنه كان راجل طيب، وإنه حبك قبل ما تيجي الدنيا.» آدم حط راسه على كتفي، وفضل ساكت لحظة، وبعدها رفع وشه وباسني بوسة صغيرة على خدي. ضحكت، وبوست راسه. في اللحظة دي، حسيت إن ياسين مش موجود في المكان، لكنه مش غايب عن حياتنا. كان موجود في ضحكة ابنه، وفي الصور اللي سابها، وفي كل قرار أخدته عشان أحمي الحقيقة، وفي كل مرة اخترت فيها إني أكون إنسانة من غير ما أسمح للقسوة إنها تغير قلبي. وبعدها بفترة، في ذكرى وفاة ياسين، رحت المقابر مع آدم. كانت السما صافية، والهوا هادي، والشمس بتلمع على الشواهد الرخامية.
وقفت قدام قبره، وحطيت وردة بيضا، وقرأت الفاتحة، وبعدها قلت بصوت واطي: «أنا جيتلك يا ياسين. آدم كبر، وبقى بيضحك كتير، وعنده نفس نظرة عينيك لما بيكون مركز في حاجة. أنا كويسة يا حبيبي. مش كل يوم، ومش طول الوقت، بس بقيت أعرف أعيش. وعايزة أقولك إني ما سبتش حد يسرق مني ابني، ولا سبت الحقيقة تتدفن معاك.» سكت شوية، ومسحت دموعي. «أنا مش هقولك إني سامحت الدنيا على اللي حصل، لكني بطلت ألوم نفسي. أنا عملت كل اللي قدرت عليه، وإنت كنت هتكون فخور بيا.» آدم كان واقف جنبي، ماسك صباعي بإيده الصغيرة. نزلت لمستواه، وقلت: «ده بابا يا آدم. بابا كان بيحبك أوي.» بص للصورة اللي على شاهد القبر، وبعدها بصلي وسأل بطريقته الطفولية: «بابا؟» ابتسمت، والدموع لمعت في عيني. «أيوه يا حبيبي، بابا.» حملته، وفضلت واقفة لحظة أخيرة، وبعدها مشيت. وأنا خارجة من المقابر، افتكرت اليوم اللي كنت ماشية فيه وسط المطر، لوحدي، بولّد ابن ياسين، بينما أهله بيكملوا الدفن وبيفكروا في اجتماع الورث. وقتها كنت فاكرة إن الكلمتين اللي قالتهم حماتي هما النهاية. «اطلبي تاكسي!» لكنهم ما كانوش النهاية. كانوا اللحظة اللي فهمت فيها إن فيه أبواب لازم تتقفل، وإن فيه ناس ما ينفعش أفضل أستنى منهم الرحمة، وإن حياتي وحياة ابني أغلى من إني أضيعها في محاولة إرضاء أشخاص ما قدروش قيمتنا.
وبعد ما وصلت البيت، حطيت آدم على الأرض، وفتحته له ألعابه، ووقفت أتفرج عليه وهو بيجري من ناحية للتانية، وبيضحك بصوت عالي. التليفون رن. كانت ناهد. رديت، فقالت: «مريم، أنا عارفة إن النهارده يوم صعب عليكي. لو محتاجة أي حاجة، أنا موجودة.» بصيت لآدم، وابتسمت. «شكرًا يا طنط ناهد. إحنا كويسين.» سكتت لحظة، وبعدها قالت: «ربنا يحفظهولك.» «آمين.» قفلت المكالمة، ورجعت قعدت على الأرض جنب آدم. ما بقيتش محتاجة أثبت لحد إني قوية، ولا أستنى اعتذار عشان أقدر أكمل حياتي، ولا أعيش كل يوم كأنه معركة جديدة. أنا مريم، أم آدم، ومرات ياسين اللي هيفضل حبه جزء من حياتي، لكن مش هيسجنني في حزني. والحقيقة اللي اتعلمتها بعد كل اللي حصل، إن فيه ناس ممكن تسيبك في أصعب لحظة في حياتك، وتفتكر إنها كده انتصرت عليك، لكنهم ما يعرفوش إن الإنسان أحيانًا بيكتشف قوته الحقيقية وهو لوحده، من غير سند، ومن غير تصفيق، ومن غير ما حد يمد إيده ليه. وفيه لحظات بتكون مؤلمة لدرجة إنك تفتكر إنها كسرتك للأبد، لكنها بتكون بداية إنك تعرف نفسك، وتعرف مين يستحق يبقى في حياتك، ومين لازم تسيبه وراك. أما ناهد المنشاوي، ففضلت طول عمرها فاكرة اليوم اللي قالت فيه لمرات ابنها الحامل تطلب تاكسي وسط جنازة ابنها، واليوم اللي رجعت فيه بعد اثناشر يوم تسأل عن حفيدها، فسمعت السؤال اللي ما قدرتش تنساه: «أنهي حفيد فيهم؟
» السؤال اللي كشف لها إن مريم ما بقتش الست اللي بتخاف تزعلها، وإن آدم مش ورقة في إيد عيلة المنشاوي، وإن الاسم الكبير والفلوس ما يقدروش يشتروا قلب اتوجع واتعلم يحمي نفسه. ومع الأيام، فهمت إن فرصة إنها تكون جدة حقيقية مش حق مفروض على مريم، لكنها أمانة لازم تثبت إنها تستحقها. وأنا فهمت إن السعادة مش معناها إن الماضي يتمسح، ولا إن اللي راح يرجع، ولا إن كل الناس تعتذر. السعادة إنك تقدر تضحك من قلبك بعد ما كنت فاكر إن الضحكة مستحيلة. إنك تربي ابنك في أمان، وتبني بيتك بإيدك، وتنام بالليل من غير ما تخاف من تهديد أو ورقة أو مكالمة. إنك تفتكر الشخص اللي بتحبه من غير ما تنهار كل مرة، وتعرف إن الحب الحقيقي ما بيموتش، حتى لو صاحبه مشي. وفي آخر ليلة من السنة، وأنا واقفة في البلكونة، وآدم نايم على كتفي، بصيت للسما اللي كانت مليانة نجوم، وافتكرت ياسين وهو بيحط إيده على بطني قبل وفاته، وبيقول لابنه إنه هيعلمه يركب العجلة، وياخده يلعب في الجنينة، ويشتري له أول كرة. ابتسمت وسط دموعي، وقلت: «أنا هعمل كل ده يا ياسين. هعيش، وهربي ابننا، وهخليه يعرف إن أبوه كان بيحبه من قبل ما يشوفه. ومهما حصل، مش هخلي آخر حاجة بيني وبين الدنيا تكون وجع.
» آدم اتحرك في حضني، وفتح عينيه لحظة، وبعدها رجع نام وهو مطمن. ضمّيته أكتر، ودخلت بيه جوه البيت، وقفلت باب البلكونة ورايا. كانت دي بداية سنة جديدة، وبداية حياة جديدة، مش خالية من الذكريات، لكنها مليانة أمل. ولأول مرة من يوم الجنازة، حسيت إن المطر اللي نزل عليّا في أصعب يوم في حياتي ما كانش بيغسل كل حاجة جميلة من الدنيا، لكنه كان بيعلن نهاية فصل قاسي، وبداية فصل أنا اللي هكتبه بإيدي. ومن يومها، كل ما أفتكر اللي حصل، ما بفتكرش بس الست اللي اتسابت لوحدها وسط المطر. بفتكر كمان الست اللي ركبت التاكسي وهي بتولد، ووصلت المستشفى، وشالت ابنها بين إيديها، وقررت إنها مش هتسمح لحد يقرر مستقبلهم بدلًا منها. الست اللي خسرت جوزها، لكنها ما خسرتش نفسها. واللي اتعلمت إن العيلة مش مجرد اسم بيتكتب في البطاقة، وإن الحب مش مجرد كلام بيتقال في الأيام الحلوة، وإن الناس الحقيقية بتبان وقت الشدة، وقت ما مفيش مصلحة، ووقت ما محدش بيبص. أما آدم، فكبر وهو عارف إن أبوه كان بيحب الصدق، وإن أمه كانت أقوى ست في الدنيا لأنها ما استسلمتش، وإن جدته ناهد كانت إنسانة أخطأت أخطاء كبيرة، لكنها حاولت تتغير وتتحمل مسؤولية اللي عملته. ما علمتوش يكره حد، وما علمتوش ينسى حقه، علمته إن الإنسان يقدر يسامح من غير ما يتنازل عن كرامته، ويقدر يحب من غير ما يسمح لحد يستغله، ويقدر يبدأ من جديد مهما كانت البداية صعبة.
وفي النهاية، ما انتصرتش مريم لأنها شافت كريم وشريف بيتحاسبوا، ولا لأنها حافظت على حقوق ابنها بس، لكنها انتصرت لأنها قدرت تخرج من كل اللي حصل بقلب لسه قادر يحب، وبروح لسه قادرة تفرح، وبإيمان إن الأيام الصعبة مهما طالت مش لازم تكون آخر الحكاية. لأن الحكاية الحقيقية ما كانتش عن حمات سابت مرات ابنها تولد لوحدها في جنازته، ولا عن أرملة اكتشفت أسرار عيلة غنية، ولا حتى عن وصية كشفت جريمة. الحكاية كانت عن أم اختارت تحمي ابنها، وعن امرأة اتعلمت إن كرامتها مش قابلة للتفاوض، وعن إنسان فقد أغلى ما عنده، لكنه قرر ما يسمحش للفقد إنه ياخد منه كل حاجة. وفي آخر يوم من أيام الصيف، وأنا قاعدة في الجنينة الصغيرة قدام بيتنا، وآدم بيجري ناحيتي وهو بيضحك، سمعت صوته بينادي: «ماما!» فتحت دراعاتي، وجري عليّا وارتمى في حضني. شيلته، وبوست وشه، وقلت: «عيون ماما.» ضحك، وحط إيده على خدي، وأنا ضحكت معاه. في اللحظة دي، حسيت إن ياسين كان هيكون مبسوط لو شافنا. مش عشان كل المشاكل اتحلت، ولا عشان كل الوجع اختفى، لكن عشان ابنه كان بيكبر في بيت مليان حب، وعشان مراته اللي كان خايف عليها قدرت تقف على رجليها، وعشان الحياة اللي كانوا بيحلموا بيها سوا ما انتهتش بموته. يمكن ياسين ما شافش آدم وهو بيكبر، لكن آدم هيعرف أبوه من الحكايات والصور والرسائل، وهيعرف إن فيه رجل حب أمه بصدق، وإنه قبل ما يمشي ساب لها وصية أهم من كل الفلوس والممتلكات.
وصية إنها تعيش. وأنا عشت يا ياسين. عشت، وحبيت، وضحكت، وربيت ابننا، وبدأت من جديد. والنهارده، وأنا ببص لآدم وهو بيجري قدامي في الشمس، أقدر أقول إن المطر اللي نزل يوم جنازتك ما قدرش يطفي النور اللي سبتُه في حياتنا. أنا مريم المنشاوي، أم آدم ياسين المنشاوي، والست اللي اتقال لها يومًا «اطلبي تاكسي»، لكنها وصلت بنفسها، وشالت ابنها، وواجهت الحقيقة، وبنت بيتها من جديد. ودي كانت نهايتي السعيدة، مش لأن الدنيا بقت مثالية، لكن لأنني أخيرًا بقيت صاحبة قراري، وصاحبة حياتي، ولأن ابني كان جنبي، ولأن الحب اللي فقدته ما منعنيش إني أعيش حب جديد كل يوم في ضحكته وحضنه. وده كان أكبر انتصار ليا، وأجمل رد على كل اللي افتكروا إنهم يقدروا يكسروني.
تمت حكايات الكاتبة انجي الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *