مراته سابت لوحده

اتصل بيه مرة تانية وقال
عندي أخبار مهمة. المراجعة أكدت وجود مخالفات في إجراءات السلامة، والجهات المختصة بدأت تتخذ خطوات لمعالجتها ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون.
فيكتور سكت لحظات، وبعدين قال أتمنى إن اللي حصل لي يكون سبب إن ناس تانية ترجع بيوتها سليمة.
وفي نهاية اليوم، رجع المركز، ولقى المتدربين مستنيينه علشان يبدأوا ورشة جديدة عن تصميم المباني الآمنة.
بص للوجوه اللي قدامه، وابتسم.
كان زمان فاكر إن حياته انتهت يوم الحادث، وبعدها افتكر إنها انتهت يوم لاريسا سابته في الغابة.
لكن الحقيقة إنه في كل مرة كان بيواجه فيها أزمة، كان بيكتشف إن لسه فيه حاجة يقدر يعملها، وناس يقدر يساعدها، ومستقبل يقدر يشارك في بنائه.
ومن يومها، بقى فيكتور يحكي قصته مش باعتبارها حكاية رجل اتساب للموت، لكن باعتبارها حكاية إنسان رفض إن الألم يكون آخر سطر في حياته.
النهاية.
فصل جديد رجوع لاريسا برسالة قلبت حياة فيكتور!
بعد مرور سنتين على الحادث، كان فيكتور قدر يحقق نجاح كبير في مركز التأهيل، وبقى اسمه معروف في المدينة بسبب مساعدته للمصابين في الحوادث.
وفي صباح يوم، وهو بيراجع طلبات الالتحاق الجديدة، دخلت عليه موظفة الاستقبال وقالتله
أستاذ فيكتور، فيه سيدة بره مصممة تقابلك، وبتقول إن عندها موضوع مهم يخصك.
فيكتور سألها عن اسم السيدة.
ردت اسمها لاريسا.
إيده وقفت فوق الورق، وفضل ساكت ثواني.
كان فاكر إن الصفحة دي من حياته اتقفلت خلاص، وإن كل واحد منهم بقى في طريق مختلف.
لكنه بعد تفكير قصير، وافق يسمع منها، بشرط إن المقابلة تتم في مكتب الإدارة وبحضور المحامي.
دخلت لاريسا، وكانت ملامحها متغيرة، وباين عليها التعب.
قعدت قدامه، وفضلت تبص للأرض قبل ما تقول
أنا عارفة إن مفيش حق ليا إني أطلب منك أي حاجة، بس فيه موضوع لازم تعرفه.
فيكتور رد بهدوء اتفضلي، أنا سامعك.
طلعت من شنطتها ظرفًا قديمًا، وحطته على المكتب.
الظرف ده وصلني من فترة، وكان فيه أوراق تخص شغلك القديم. أنا ما فهمتش أهميتها وقتها، لكن لما راجعتها، اكتشفت إنها ممكن تساعدك في موضوع حادثك.
فيكتور بص للظرف باستغراب.
إنتِ وصلتي للأوراق دي إزاي؟
قالت لاريسا إنها كانت ضمن مستندات قديمة في البيت، وإنها احتفظت بيها بدل ما تتخلص منها، وبعد مراجعة بعض الأوراق اكتشفت إنها مرتبطة بالمشروع اللي كان بيشتغل فيه قبل الحادث.
فيكتور ما أخدش الأوراق منها مباشرة، لكنه طلب من المحامي يفحصها ويتأكد من صحتها ومصدرها قبل اتخاذ أي خطوة.
وبعد ما لاريسا خلصت كلامها، قالت بصوت منخفض
أنا مش جاية أطلب منك تسامحني، ولا عايزة أرجع لحياتك. أنا بس مش عايزة أفضل مخبية أي حاجة ممكن تساعد في كشف الحقيقة.
فيكتور رد بحزم وهدوء
لو الأوراق دي مهمة، هنسلمها للجهات المختصة. لكن لازم تفهمي إن مساعدتك دلوقتي مش هتمحي اللي حصل في الغابة، ومش هتغيّر قراري بخصوص حياتنا.
لاريسا هزت رأسها، وقامت من مكانها من غير ما تطلب منه أكتر من كده.
بعد خروجها، بدأ المحامي يفحص الأوراق، واكتشف إنها بتحتوي على مراسلات قديمة تخص إجراءات السلامة في موقع الحادث.
ماكانش ممكن الاعتماد عليها وحدها لإثبات مسؤولية أي شخص، لكنها كانت كافية لتوجيه أسئلة جديدة للجهات المختصة.
وبعد مراجعة المستندات الأصلية، بدأت الجهات المعنية تستكمل التحقيق في ظروف الحادث، وتحدد إذا كانت فيه مخالفات إضافية تستوجب اتخاذ إجراءات قانونية.
أما فيكتور، فكان عنده إحساس مختلف المرة دي.
ما بقاش مستني من لاريسا اعتذارًا يريحه، ولا اعترافًا يثبت له إنه كان على حق.
كل اللي كان يهمه إن الحقيقة تظهر، وإن أي شخص تسبب في إهمال يعرّض العمال للخطر يتحمل مسؤوليته.
وفي المساء، دخل مكتبه، وفتح الدفتر الخشبي القديم اللي كان محتفظ فيه بأحلامه قبل الحادث.
كتب في آخر صفحة
مش كل رجوع من الماضي معناه إننا لازم نفتح بابه من جديد. ساعات الماضي بيرجع علشان نعرف الحقيقة، ونكمل طريقنا وإحنا أخيرًا فاهمين اللي حصل.
قفل الدفتر، وخرج يقابل المتدربين اللي كانوا مستنيينه في القاعة.
كان عارف إن لسه فيه أسئلة محتاجة إجابات، وإن التحقيق ممكن ياخد وقتًا، لكنه ما بقاش خايف من الحقيقة مهما كانت.
لأن فيكتور اتعلم إن بداية الحياة الجديدة مش معناها إننا نمسح الماضي، لكن إننا نواجهه من غير ما نسمح له يسرق المستقبل.
يتبع…
الفصل الجديد الحقيقة اللي ظهرت بعد سنين!
بعد ما لاريسا سلّمت الأوراق القديمة، فيكتور قرر إنه يسيب المحامي يتابع الموضوع، ويركز على المركز اللي بقى جزءًا أساسيًا من حياته.
لكن بعد حوالي شهر، حصلت مفاجأة جديدة.
اتصل بيه المحامي وقاله
فيكتور، التحقيق في حادثك وصل لنتيجة مهمة. فيه مستندات أصلية بتوضح إن إدارة موقع البناء كانت على علم بمشكلة في إجراءات السلامة قبل الحادث، لكن لازم الجهات المختصة تحدد المسؤوليات النهائية.
فيكتور سكت للحظات.
كان طول السنين فاكر إن الحادث مجرد لحظة مؤلمة غيّرت حياته، لكنه دلوقتي عرف إن فيه أسئلة كان لازم تتجاوب من زمان.
سأل المحامي
طيب، إيه اللي نقدر نعمله؟
رد المحامي
هنقدم المستندات للجهات المختصة، وهنطالب بمراجعة حقوقك ومستحقاتك وفقًا للقانون.
وافق فيكتور، وبدأت الإجراءات من جديد.
لكن بدل ما يقضي أيامه في القلق، قرر يحوّل التجربة دي لحاجة تفيد غيره.
نظم ندوة في المركز عن حقوق العمال، وأهمية الإبلاغ عن مخاطر السلامة، وضرورة توثيق الحوادث والتحقيق فيها بشكل سليم.
حضر الندوة عمال ومهندسون وأسر أشخاص اتعرضوا لإصابات أثناء العمل.
وفي نهاية اللقاء، وقف فيكتور وقال
أنا مش هنا علشان أحكي عن معاناتي بس. أنا هنا علشان أقول إن العامل اللي بينزل شغله كل يوم علشان يوفر لقمة العيش لأسرته، من حقه يرجع بيته بأمان. ولو حصل حادث، من حقه يعرف الحقيقة، ومن حق أسرته تلاقي الدعم اللازم.
كلامه أثر في الحاضرين، وبدأت مجموعة من المهندسين تتطوع لتقديم استشارات مجانية للعمال المصابين.
وبعد فترة، اتفق المركز مع جهات متخصصة على إطلاق برنامج توعية يساعد العمال على معرفة حقوقهم وإجراءات السلامة الأساسية.
رسالة غير متوقعة
في نفس الفترة، وصل لفيكتور خطاب من المحكمة بخصوص آخر الإجراءات المتعلقة بقضيته مع لاريسا.
قرأ الخطاب بهدوء، وبعدها حطه في الملف الخاص بالقضية.
كان عارف إن كل شيء لازم يمشي وفقًا للقانون، وإنه مش محتاج يدخل في أي مواجهة جديدة معاها.
وبعد أيام، وصله خطاب تاني من لاريسا، لكنها المرة دي ما طلبتش مقابلة ولا حاولت تبرر تصرفاتها.
كتبت له
فيكتور، أنا عارفة إن كل واحد فينا بقى له طريق مختلف. مش هطلب منك تنسى اللي حصل، لكن أتمنى إنك تكمّل حياتك من غير ما تفضل شايل وجع السنين اللي فاتت.
فيكتور قرأ الرسالة، واحتفظ بيها في الملف القديم.
ما ردش عليها، لأنه كان شايف إن المسافة اللي حطها بينه وبين الماضي ضرورية علشان يقدر يعيش بسلام.
المفاجأة الأخيرة
بعد مرور عدة شهور، أعلن المركز عن افتتاح ورشة جديدة لتدريب الأشخاص ذوي الإعاقة على أعمال التصميم والتخطيط الهندسي.
وفي يوم الافتتاح، وصل صحفي كان قد نشر صورته في الجريدة قبل سنوات.
قال الصحفي
أنا فاكر اليوم اللي نشرت فيه صورتك. الناس وقتها كانت بتسأل إزاي راجل اتساب في الغابة قدر ينجو، لكن قصتك دلوقتي بقت أكبر من الحادث نفسه.
فيكتور ابتسم وقال
أنا مش عايز الناس تفتكرني باعتباري الراجل اللي مراته سابته في الغابة. عايزهم يفتكروا إن أي إنسان ممكن يبدأ من جديد، وإن طلب المساعدة مش ضعف.
الصحفي سأله
ولو رجع بيك الزمن لليوم ده، كنت هتغيّر إيه؟
فيكتور فكر شوية، وبعدين قال
كنت هطلب المساعدة من بدري، ومكنتش هتجاهل العلامات اللي كانت بتقول إن علاقتنا بقت مؤذية. لكني مش هغيّر إني قررت أعيش. دي أهم حاجة عملتها.
وفي نهاية اليوم، وقف فيكتور قدام صورة جماعية للمتدربين، وشاف بينهم ناس كانوا فاقدين الأمل وبقوا دلوقتي بيشتغلوا وبيخططوا لمستقبلهم.
ابتسم، وحس إن كل خطوة تعب فيها كان ليها معنى.
أما لاريسا، فبقيت مسؤولة عن اختياراتها ونتائجها، بينما فيكتور استمر في حياته بعيدًا عنها، من غير انتقام ولا محاولة لاستعادة الماضي.
وهكذا، انتهت الحكاية الحقيقية بالنسبة لفيكتور مش يوم ما ظهرت صورته في الجريدة، ولا يوم ما صدر الحكم، لكن يوم ما بطل يشوف نفسه ضحية لما حدث، وبدأ يشوف نفسه إنسانًا عنده مستقبل يستحق إنه يعيش علشانه.
النهاية.
النهاية فيكتور انتصر من غير ما ينتقم
بعد شهور من التحقيقات، أعلنت الجهات المختصة نتائج مراجعة مستندات حادث البناء القديم، وثبت وجود مخالفات في إجراءات السلامة، وبدأت الإجراءات القانونية لمحاسبة المسؤولين عنها، مع مراجعة حقوق فيكتور ومستحقاته.
أما قضية لاريسا، فاستمرت في مسارها القانوني، وتحملت عواقب تركها لزوجها في الغابة ومحاولتها تضليل الشرطة.
فيكتور ما حاولش يتدخل في حياتها، ولا سعى إنه ينتقم منها. كان كل اللي يهمه إنه يستعيد حقه ويعيش بكرامة.
وفي يوم افتتاح الورشة الجديدة في مركزه، وقف قدام الحاضرين وقال
في يوم من الأيام، كنت فاكر إن حياتي انتهت لما فقدت قدرتي على المشي، وبعدها افتكرت إنها انتهت لما أقرب إنسانة ليا سابتني أموت في الغابة. لكني اكتشفت إن الإنسان مش بيتقاس باللي فقده، ولا بالناس اللي خذلوه، لكن بالقرار اللي بياخده بعد كل ده.
القاعة كلها صفقت، ووسط الحاضرين كان دانيال، الشاب اللي أنقذه في الغابة. ابتسم فيكتور له وقال
لو مكنتش سمعت صوتي اليوم ده، مكنتش هقف هنا دلوقتي.
رد دانيال بتواضع
أنا بس عملت اللي أي إنسان المفروض يعمله.
بعد انتهاء الحفل، رجع فيكتور لمكتبه وفتح الدفتر القديم اللي كان بيكتب فيه أحلامه قبل الحادث. قلب صفحاته لحد ما وصل لصفحة جديدة، وكتب
مش هقدر أغيّر اللي حصل، لكن أقدر أختار اللي هيحصل بعده. خسرت سنين من عمري في الألم، ومش هسمح للي فات إنه ياخد مني يوم كمان.
قفل الدفتر، وبص من الشباك على المتدربين وهما بيشتغلوا في الورشة.
لأول مرة من سنين، ما كانش بيفكر في الغابة، ولا في لاريسا، ولا في اللي حصل له. كان بيفكر في الناس اللي محتاجة فرصة، وفي المشروعات اللي لسه عايز يحققها.
أما لاريسا، فبقت جزءًا من ماضيه، مش لأنها اعتذرت أو لأن الزمن محا اللي عملته، لكن لأن فيكتور قرر إن حياته أكبر من إنها تفضل مرتبطة بيها.
وفي آخر يوم من السنة، علّق على باب المركز لافتة كتب عليها
هنا لا يُقاس الإنسان بما فقده، بل بما يستطيع أن يبنيه من جديد.
وهكذا، الرجل اللي اتساب في الغابة علشان يموت، قدر يرجع للحياة بمعنى أعمق من مجرد النجاة.
ما استعادش حياته القديمة، لكنه بنى حياة جديدة، وساعد غيره يلاقوا طريقهم، وأثبت إن أقوى انتصار مش إنك تشوف اللي ظلمك بيتألم، لكن إنك توصل لمرحلة ما يبقاش فيها ظلمهم هو اللي بيحدد مستقبلك.
تمت النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *