مراته سابت لوحده
سابته للموت في الغابة على كرسي متحرك وبعد 11 شهر، صورة في الجريدة كشفت السر اللي دمّر حياتها!
في يوم من أيام الخريف الباردة، كانت الغابة هادية بشكل مخيف، والأرض مليانة طين وميّه، والأشجار العالية بتحجب ضوء الشمس.
في نص الطريق، كان فيكتور، الراجل اللي عنده 58 سنة، قاعد على كرسيه المتحرك، وبيبص لمراته لاريسا بعينين مليانين خوف وصدمة.
قالها بصوت متقطع من شدة التوتر
أرجوكي يا لاريسا، متسبنيش هنا! أنا مش قادر أحرّك رجليّ، والطريق بعيد، ومش معايا حتى تليفوني! هخرج من هنا إزاي؟
لاريسا وقفت قدامه، وبصتله بملامح جامدة، وكأنها بتبص لشخص غريب عمرها ما عرفته.
ردت ببرود
أنا تعبت يا فيكتور! تلات سنين وأنا شايلة مسؤوليتك، ومفيش يوم عرفت أعيش فيه لنفسي. أنا مش هفضل أضحي بعمري أكتر من كده!
فيكتور حس إن الأرض بتتهد من تحته، رغم إنه قاعد على كرسيه.
إحنا متجوزين بقالنا 32 سنة! أنا عمري ما قصّرت معاكي، ولما كنت بصحتي كنت بشتغل ليل ونهار علشان أوفرلك حياة كريمة. دلوقتي لما بقيت محتاج مساعدتك، ده جزاتي؟
لاريسا أشاحت بوشها وقالت
اللي حصل لك مش ذنبي، وأنا مش مجبرة أعيش بقية عمري ممرضة ليك!
مد فيكتور إيده ناحيتها، وهو بيحاول يتمسك بآخر أمل عنده.
خلاص، لو مش عايزة تفضلي معايا، أنا مش همنعك. بس اتصلي بالإسعاف، أو سيبيلي التليفون، أو حتى وصّليني لأقرب طريق. متسبنيش أموت هنا!
لكن لاريسا كانت حاسمة قرارها.
شالت الشنطة الصغيرة المعلقة في الكرسي، واللي كان فيها تليفونه وأدويته وأوراقه الشخصية، ومشيت ناحية عربيتها.
صرخ فيكتور بأعلى صوته
لاريسا! حرام عليكي! فكري في العِشرة اللي بينا! أنا عمري ما أذيتك!
للحظة، وقفت لاريسا مكانها.
فيكتور افتكر إنها يمكن تكون رقّ قلبها، وإنها هترجع تساعده.
لكنها التفتت ناحيته وقالت
اعتبر إن كل واحد فينا بدأ حياته لوحده من النهارده.
وبعدها ركبت عربيتها، وشغلت الموتور، واختفت بين الأشجار.
فضل فيكتور يبص للمكان اللي مشيت منه، ودموعه بتنزل على وشه.
كان حاسس إن كل حاجة بناها في حياته انهارت في لحظة واحدة.
لكن رغم خوفه وألمه، قرر إنه مش هيستسلم للموت بسهولة.
هو لسه عايش، ولسه عنده فرصة ينجو، حتى لو كل الناس تخلّت عنه.
الفصل الأول الرجل الذي رفض الاستسلام
قبل الحادث بثلاث سنين، كان فيكتور راجل نشيط، بيشتغل في مجال البناء، ومعروف بين الناس بالأمانة والاجتهاد.
كان بيبدأ يومه بدري، ويرجع آخر النهار متعب، لكنه كان سعيد لأنه قدر يوفر لبيته كل احتياجاته.
أما لاريسا، فكانت زوجته من أكتر من ثلاثة عقود. عاشوا سنين طويلة مع بعض، وعدّت عليهم أيام صعبة وأيام حلوة.
لكن حياتهم اتغيرت بعد حادث مروّع حصل لفيكتور أثناء شغله.
وقع من ارتفاع كبير، واتصاب إصابة خطيرة في العمود الفقري، وفقد القدرة على تحريك رجليه.
الأطباء قالوا إن حالته محتاجة علاج وتأهيل طويل، وإن احتمال رجوع الحركة ضعيف، لكنه مش مستحيل.
في البداية، لاريسا وقفت جنبه، وكانت بتساعده في العلاج، وتروح معاه المستشفى، وتحاول تخفف عنه إحساسه بالعجز.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تتغير.
بقت تتضايق من طلباته، وتشتكي من مسؤوليات البيت، وتعتبر أي احتياج ليه عبئًا عليها.
وفيكتور، رغم إنه كان شايف التغيير ده، كان بيحاول يلتمس لها العذر.
كان بيقول لنفسه إنها مضغوطة، وإن الأيام الصعبة ممكن تغيّر أي إنسان.
ماكانش يتخيل إن الست اللي عاش معاها 32 سنة ممكن تفكر في التخلص منه بالطريقة دي.
الفصل الثاني ليلة طويلة وسط الغابة
بعد ما اختفت العربية، حاول فيكتور يحرّك كرسيه بإيديه.
لكن العجل كان غرز في الطين، وكل ما يحاول يتحرك، الكرسي كان بيغوص أكتر.
الجو بدأ يبرد، والسماء اتغطت بالسحب، وبدأت قطرات المطر تنزل على وشه وهدومه.
حاول يصرخ طلبًا للمساعدة، لكن صوته كان بيروح وسط الأشجار.
ومع مرور الوقت، بدأ يحس بالعطش والإرهاق، وأدرك إن الوضع أخطر مما تخيل.
بص حواليه، فلاحظ جذع شجرة كبير قريب منه، وتحته مساحة أقل تعرضًا للمطر.
بدأ يحاول يتحرك ناحية الشجرة ببطء شديد، مستعينًا بإيديه وبالعجلات، لحد ما قدر يوصل لمكان يحتمي فيه نسبيًا.
قعد هناك، وضم جاكيته على جسمه، وافتكر بيته وأيامه القديمة.
افتكر يوم جوازه، والسنين اللي تعب فيها علشان أسرته، وكل مرة وقف فيها جنب لاريسا وقت ما كانت محتاجاه.
وبعدين قال لنفسه بصوت خافت
يا رب، أنا مش طالب غير فرصة واحدة. لو خرجت من هنا، مش هسمح لحد يقرر قيمتي أو يحدد نهايتي.
قضى الليل في خوف وألم، لكنه فضل يقاوم النعاس قدر استطاعته.
وفي الصباح، حصل شيء ماكانش يتوقعه.
كان فيه شاب اسمه دانيال، بيشتغل ضمن فريق لمتابعة الحياة البرية في المنطقة، وماشي في طريق جانبي بعيد عن المسار الرئيسي.
سمع صوتًا ضعيفًا جاي من ناحية الأشجار.
وقف، وركز سمعه، وبعد لحظات سمع الصوت تاني.
الحقوني! أنا هنا!
دانيال جري ناحية الصوت، ولما شاف فيكتور، اتصدم من حالته.
الراجل كان مرهقًا، وهدومه مبلولة، ووشه شاحب من البرد.
دانيال اتصل بالطوارئ فورًا، وفضل جنبه لحد ما وصلت المساعدة.
نقلوا فيكتور للمستشفى، وهناك بدأ الأطباء يعالجوا الجفاف والإجهاد، ويفحصوا الإصابات اللي اتعرض لها.
ولما قدر يتكلم، سأله أحد الضباط اللي حضروا المستشفى
إزاي وصلت للمكان ده لوحدك؟
سكت فيكتور لحظة، وبعدها قال
مراتي هي اللي سابتني هناك، وأخدت تليفوني وأدويتي، ومشيت.
الضابط بصله باهتمام وسأله
هل عندك أي دليل على كلامك؟
رد فيكتور
معنديش دليل مباشر دلوقتي، لكن فيه ناس تعرف إني خرجت معاها، وفيه عربية ممكن تكون اتصورت وهي داخلة المنطقة. أنا مش عايز أنتقم منها، أنا عايز الحقيقة تظهر.
ومن اللحظة دي، بدأت التحقيقات تاخد اتجاهًا جديدًا.
الفصل الثالث لاريسا تظن أنها نجت
في الوقت نفسه، كانت لاريسا عايشة حياتها وكأن شيئًا لم يحدث.
رجعت البيت، وتخلصت من بعض حاجات فيكتور، وبدأت تحكي للأقارب إنه اختفى بإرادته.
ولما حد كان بيسألها عن سبب عدم قدرتها على الوصول إليه، كانت ترد
هو اللي اختار يمشي. أنا عملت كل اللي أقدر عليه.
وبعد أيام، قدمت بلاغًا عن اختفائه، وكررت نفس الرواية أمام الشرطة.
لكن أقارب فيكتور ماكانوش مقتنعين تمامًا.
كانوا عارفين إنه مش قادر يتحرك من غير مساعدة، وإنه متعلق ببيته وحياته، وإنه مستحيل يختفي بالطريقة دي من غير ما يحاول يتواصل مع حد.
واحد من أقاربه، اسمه مارتن، قرر إنه مايسكتش.
بدأ يسأل عن آخر مكان اتشاف فيه فيكتور، ويتواصل مع الناس اللي ممكن يكونوا شافوا لاريسا يومها.
وفي نفس الوقت، كانت الشرطة بتراجع البلاغات وسجلات التحركات في المنطقة.
لكن لاريسا كانت متخيلة إن مفيش حد هيقدر يثبت حاجة عليها.
ومع مرور الشهور، بدأت تطمئن أكتر.
كانت مقتنعة إن فيكتور مات، وإن سرها هيفضل مدفون وسط أشجار الغابة.
لكنها ماكنتش تعرف إن فيكتور بدأ يستعيد قوته، وإن شهادته هتفتح باب تحقيق جديد.
الفصل الرابع بداية حياة جديدة
بعد أسابيع من العلاج، خرج فيكتور من المستشفى وانتقل إلى مركز متخصص في إعادة التأهيل.
هناك، قابل أخصائي علاج طبيعي اسمه الدكتور سامويل، اللي شرح له إن استعادة بعض قدراته هتحتاج وقتًا وصبرًا، وإنه لازم يلتزم بالتمارين المناسبة لحالته.
فيكتور ماكانش بيحلم بمعجزة.
كل اللي كان عايزه إنه يقدر يعتمد على نفسه في أكبر قدر ممكن.
بدأ تدريباته يومًا بعد يوم، ورغم الألم والإحباط، رفض إنه يستسلم.
وفي المركز، اتعرف على أشخاص مرّوا بتجارب صعبة، واتعلم منهم إن الحياة ممكن تبدأ من جديد حتى بعد أقسى الخسائر.
وفي أحد الأيام، زاره دانيال، الشاب اللي أنقذه من الغابة.
قاله دانيال
أنا مبسوط إني لحقتك في الوقت المناسب. بس عندي سؤال، لو مش هتضايق إنت ناوي تعمل إيه لما تخرج من هنا؟
فيكتور ابتسم لأول مرة من فترة طويلة.
هبدأ من جديد. هرجع أشتغل، حتى لو بشكل مختلف، وهساعد الناس اللي اتعرضوا لحوادث ولقوا نفسهم فجأة محتاجين حد يقف جنبهم.
وبالفعل، بدأ يتواصل مع جمعية بتساعد الأشخاص ذوي الإعاقة، وشارك في مبادرات لتوفير فرص عمل مناسبة لهم.
وبفضل خبرته الطويلة في البناء، اقترح أفكارًا لتعديل البيوت والمباني بحيث تكون أسهل في الاستخدام للأشخاص اللي بيستخدموا الكراسي المتحركة.
ومع الوقت، بقى اسمه معروفًا في المنطقة بسبب جهوده.
لكن كان فيه شيء واحد لسه ما اتحسمش قضية اختفائه.
الفصل الخامس الصورة التي أرعبت لاريسا
بعد مرور 11 شهرًا على اختفاء فيكتور، نشرت إحدى الصحف المحلية تقريرًا عن مبادرة جديدة لتأهيل المنازل للأشخاص ذوي الإعاقة.
كان التقرير بيتكلم عن مجموعة من المتطوعين، وكان فيكتور واحدًا منهم.
ظهرت صورته على الصفحة الأولى، وهو قاعد على كرسيه المتحرك، وبجواره فريق العمل.
وكان العنوان المكتوب أسفل الصورة
الناجي من الغابة يعود للحياة والشرطة تعيد فتح التحقيق في اختفائه الغامض!
في صباح اليوم التالي، دخلت لاريسا محلًا قريبًا من بيتها لشراء بعض الأغراض.
وأثناء انتظارها، وقعت عيناها على الجريدة الموضوعة فوق المنضدة.
في البداية، لم تهتم.
لكن بمجرد ما شافت الصورة، اتسعت عيناها، وبدأت إيديها ترتعش.
ده فيكتور!
الرجل اللي سابته في الغابة، وكانت متأكدة إنه مات!
قربت الجريدة من وشها، وقرأت العنوان مرة، واتنين، وتلاتة.
وبعدين وقعت عينيها على فقرة صغيرة بتقول إن الشرطة بتراجع تفاصيل اختفائه بعد ظهوره من جديد، وإن التحقيق بيشمل مراجعة أقوال زوجته والتناقضات الموجودة في البلاغ القديم.
الجريدة وقعت من إيديها.
صاحب المحل جري ناحيتها وسألها
مالك يا مدام؟ إنتِ كويسة؟
لكنها ماقدرتش ترد.
كانت بتفكر في سؤال واحد
إزاي فيكتور نجا؟ وإيه اللي قاله للشرطة؟
وفي اللحظة دي، رن تليفونها.
كان اتصالًا من رقم غير مسجل.
ردت بصوت مرتعش
ألو؟
جالها صوت رجل رسمي
مساء الخير يا مدام لاريسا. إحنا من قسم الشرطة، ومحتاجين حضرتك تحضري علشان نراجع معاكي بعض التفاصيل المتعلقة ببلاغ اختفاء زوجك.
حاولت تتماسك وقالت
حاضر بس هو ظهر؟ هو فيكتور عايش؟
رد الضابط بهدوء
أيوه، فيكتور عايش، وحالته مستقرة. وهنحتاج نسمع أقوالك مرة تانية.
قفلت لاريسا المكالمة، وحست إن كل الأبواب اللي كانت فاكرة إنها قفلتها بإحكام بدأت تتفتح من جديد.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه مستنياها.
الفصل السادس الحقيقة تظهر أمام الجميع
في اليوم المحدد، حضرت لاريسا إلى قسم الشرطة.
كانت بتحاول تحافظ على هدوئها، وبتكرر لنفسها إنها لازم تلتزم بنفس الرواية القديمة.
دخلت غرفة التحقيق، ولقت الضابط المسؤول عن القضية، ومعاه ملف كبير فيه أوراق وصور وتقارير.
بدأ يسألها عن يوم اختفاء فيكتور.
حكت نفس القصة اللي قالتها قبل كده، وادّعت إنه اختار يبعد عنها بإرادته.
لكن الضابط فتح الملف وقال
عندنا اختلافات واضحة بين أقوالك الأولى وأقوالك الحالية. كمان فيه معلومات جديدة عن تحركات عربيتك في اليوم ده، وشهادات بتؤكد إن فيكتور ماكانش قادر يتحرك من غير مساعدة.
لاريسا حاولت تبرر
أنا كنت مضغوطة، ومش فاكرة كل التفاصيل.
رد الضابط
الضغط ممكن يخلّي الإنسان ينسى بعض التفاصيل، لكنه مش تفسير كافي للتناقضات اللي ظهرت في التحقيق.
وبعد لحظات، فتح باب الغرفة.
دخل فيكتور على كرسيه المتحرك، برفقة أحد العاملين بالمركز اللي بيساعده.
لاريسا اتجمدت مكانها.
كانت متوقعة إنها تسمع عنه، أو تشوف صورته في الجريدة، لكنها ما تخيلتش إنها هتشوفه قدامها بالشكل ده.
رفع فيكتور عينيه ناحيتها.
ماكانش في نظرته رغبة في الانتقام، ولا محاولة لإذلالها.
كان فيها حزن عميق على 32 سنة عاشها وهو فاكر إن العِشرة كفاية علشان تحمي الإنسان من أقرب الناس إليه.
لاريسا حاولت تتكلم
فيكتور أنا
قاطعها بهدوء
مش لازم تقولي حاجة دلوقتي. أنا مش جاي أطلب منك ترجعي، ولا جاي أسمع تبريرات. أنا جاي علشان الحقيقة تتقال.
وبعدين بص للضابط وقال
أنا مستعد أكرر كل اللي حصل بالتفصيل.
بدأ فيكتور يحكي عن الرحلة، وعن طلبه للمساعدة، وعن الشنطة اللي أخدتها لاريسا، وعن الساعات الطويلة اللي قضاها في البرد والطين.
قدم أقاربه شهاداتهم، واتجمعت المعلومات المتعلقة بتحركات السيارة، وراجعت الشرطة الأدلة المتاحة في القضية.
ومع تقدم التحقيق، بدأت الرواية اللي كررتها