دخل بهدومه
دخل وهو هدومه كلها تراب للاجتماع اللي كانوا بيبيعوا فيه شركته من غير ما يعرفوا إنه لسه صاحبها.
كان المدير واقف بيشرب وبيضحك، ولما شاف الراجل العجوز مد له موبايله عشان يهينه قدام الكل.
وقال له
لما تخلص التمثيلية بتاعتك، الأمن هيطلعك برّه.
الراجل ما جادلش.
اتصل بالموثقة ووقف التوقيع
لكن أول ما عينه وقعت على اسم العيلة المكتوب في عقد سنة ١٩٩٤
ابتسامته اختفت.
الجزء الأول
لما تخلص التمثيلية بتاعتك، الأمن هيطلعك برّه.
قالها محمود الشاذلي وهو بيبتسم، قدام ١٨ شخص، ومد موبايله في إيد الراجل العجوز المرتعشة، كأنه بيديه آخر جزء من الإهانة اللي محضرها عشان يضحك الناس عليه.
الراجل ما ردش.
كان عنده ٧٨ سنة.
لابس جاكت قديم من قماش تقيل، دقنه مهملة، وجزمته كلها تراب.
وتحت دراعه كان حاضن ملف كرتون قديم، شكله تقريبًا قد عمره.
لكن حواليه كان كل شيء بيلمع.
قاعة الاجتماعات الضخمة في شركة صناعات النيل في القاهرة.
كاسات مشروبات غازية فاخرة على الترابيزة.
ترابيزة خشب كبيرة.
وشبابيك ضخمة بتكشف جزء كبير من المدينة.
النهارده كان المفروض يتم توقيع أهم صفقة في تاريخ الشركة خلال آخر ٣٠ سنة.
محمود، اللي بقاله ٤ سنين مدير عام، كان هو اللي قاد مفاوضات بيع ٦٤٪ من النشاط الصناعي لمجموعة أوروبية ضخمة.
وكان بيحكي للجميع عن مصانع هتتطور، وأسواق جديدة، واستثمارات بالملايين.
المحامين كانوا حاطين علامات ملونة على صفحات العقد.
مترجمة كانت قاعدة جنب المستثمرين الأجانب.
ومسؤول العلاقات العامة كان بيصور كل حاجة عشان ينزلوا إعلان بعد الظهر يقول إن الشركة دخلت عصر جديد.
رفع محمود كوباية العصير وقال
النهارده بنسيب ورا ضهرنا شركة كانت عايشة في الماضي.
وفي اللحظة دي
باب القاعة اتفتح.
دخل الراجل العجوز من غير ما يستأذن.
مدام كارمن، السكرتيرة اللي بقالها ٣٢ سنة شغالة في الشركة، أول ما شافته عرفته فورًا.
وشها فقد لونه.
لكنها فضلت ساكتة.
محمود عقد حواجبه.
مين سمح للراجل ده يدخل؟
اتحرك اتنين من أفراد الأمن ناحيته.
الراجل العجوز ما بصش لهم حتى.
عينيه كانت مثبتة على العقد.
وقال بهدوء
العقد ده ما ينفعش يتوقع.
المكان كله سكت ثواني.
وبعدين بدأت أول ابتسامة تظهر.
محامي كتم ضحكته بكحة مصطنعة.
ومدير شاب وطى راسه عشان ما يضحكش بصوت مسموع.
محمود مشي ناحيته.
يا حاج، ده مش مركز خدمة اجتماعية. إحنا بنقفل صفقة دولية.
رد الراجل
وعشان كده أنا جيت.
محمود ضحك بسخرية.
ومين اللي باعتك؟ دار المسنين؟
ضحك كذا شخص في القاعة.
لكن الراجل ما ضحكش.
وقال
عايز أشوف أصل عقد تأسيس الشركة، ودفتر المساهمين.
ابتسامة محمود اختفت.
أنا مش فاهم حضرتك فاكر نفسك مين.
الراجل بص له بثبات.
وده مش مستغرب.
الرد عمل همهمة في القاعة.
محمود طلع موبايله ومده في إيد الراجل وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع
اتصل بأي حد تحبه. ولما تخلص العرض بتاعك، الأمن هيطلعك برّه.
الراجل مسك الموبايل.
وسجل رقم من ذاكرته.
استنى.
ولما الطرف التاني رد، قال بس
أنا محمود الشاذلي لا، أنا أقصد أنا الأستاذ محمود الشاذلي؟
توقف لحظة، ثم قال
هات أصل عقد التأسيس، ودفتر حصص الملكية، والظرف المختوم بتاع سنة ١٩٩٤. أيوه دلوقتي.
كارمن نزلت عينيها في الأرض.
وفي آخر الترابيزة، كان فيه مدير قديم اسمه حمدي البدري.
أول ما سمع اسم ١٩٩٤
اتجمد مكانه.
اسم قديم، وذكرى مدفونة من عشرات السنين، رجعت فجأة للممرات والمكاتب اللي محدش بقى بيتكلم عنها.
محمود رجعت له ابتسامته.
تمام. هنستنى بقى كنز عم محمود المدفون.
لكن الراجل العجوز أشار بإيده ناحية شعار المجموعة الأوروبية اللي هتشتري الشركة.
وقال بهدوء
قبل أي حاجة المجموعة دي كان اسمها إيه زمان؟
واحد من المستثمرين الأجانب بطل يقلب في الورق.
حركة بسيطة جدًا.
لكن الراجل العجوز لاحظها.
وحمدي لاحظها كمان.
محمود ما خدش باله.
وضحك وقال
كبار السن دايمًا فاكرين إن زمان كان أحسن.
بص له الراجل العجوز وقال
لأ.
وسكت لحظة.
في ناس بس بتفتكر مين اللي حاول يضيّعها.
المكان كله سكت.
وفجأة
واحد من المستثمرين الأجانب رفع عينه ببطء.
بص للراجل العجوز.
ثم بص للعقد.
ولأول مرة من ساعة ما دخل الراجل القاعة محمود بطل يبتسم.
حكايات بسمه
مين عاوز التكمله ؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكمالمستثمر الأجنبي حط القلم على الترابيزة ببطء.
وبص للراجل العجوز وقال بالعربي المكسّر
حضرتك تعرف الشركة دي من إمتى؟
الراجل ما ردش عليه فورًا.
فتح الملف الكرتون القديم، وطلع منه صورة أبيض وأسود، حوافها متآكلة من الزمن.
حطها قدام المستثمر.
المستثمر أول ما شاف الصورة
اتغير وشه.
مستحيل
محمود قرب بسرعة.
في إيه؟
المستثمر ما ردش.
كان مركز في شخص واقف في الصورة جنب ماكينة قديمة، لابس بدلة بسيطة، وواقف جنبه رجل أوروبي أصغر سنًا.
حمدي البدري قرب من الصورة.
وبمجرد ما شافها
إيده بدأت ترتعش.
قال بصوت منخفض
الصورة دي كانت في مكتب المؤسس
محمود لف له.
مؤسس مين؟
حمدي رفع عينه له.
إنت عمرك ما شفتها؟
شفت إيه؟
قبل ما حمدي يرد، الراجل العجوز قال
لأنهم شالوها من المكتب من ١٩٩٤.
محمود ضحك بعصبية.
يا جماعة، إحنا مش في جلسة حكايات قديمة. الصفقة دي قيمتها مئات الملايين.
الراجل العجوز حط إيده على العقد.
عشان كده لازم توقف.
المحامي تدخل
على أي أساس قانوني؟
الراجل بص له.
على أساس إن الشخص اللي بتبيعوا شركته مش موجود هنا.
سكت المحامي.
تقصد إيه؟
الراجل أشار إلى رأس العقد.
اسم المالك الحالي.
المحامي فتح الصفحة بسرعة.
قرأ الاسم.
وبعدين رفع عينه ناحية محمود.
أستاذ محمود إحنا محتاجين نراجع مستندات الملكية.
محمود اتوتر.
مستندات الملكية موجودة عندكم من أسبوعين!
أيوه، بس
قلب المحامي صفحات العقد.
في حاجة مش متطابقة.
محمود خطف الورق من إيده.
إيه اللي مش متطابق؟
الراجل العجوز مد إيده للملف القديم.
وطلع ظرف بني عليه ختم أحمر قديم.
وقال
قبل ما حد يوقّع افتحوا ده.
حمدي شهق.
الظرف ده
الراجل بص له.
أيوه يا حمدي.
حمدي قرب منه خطوة.
إنت
وتوقف.
الراجل قال بهدوء
كمّل.
حمدي بلع ريقه.
إنت رجعت؟
ابتسامة صغيرة ظهرت على وش الراجل لأول مرة.
أنا ما مشيتش.
محمود بص بين الاتنين.
حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟
الراجل حط الظرف على الترابيزة.
من ٣٢ سنة، اتقال لي إن الشركة ماتت.
فتح الظرف ببطء.
لكن الظاهر إن اللي مات كان مجرد اسم.
وسحب أول ورقة.
كانت عليها أختام قديمة وتوقيع واضح.
وفي أسفل الصفحة
ظهر اسم جعل محمود يترك الورقة من إيده فجأة.
لأن الاسم لم يكن اسم المالك فقط.
كان اسم الشخص الذي ظل محمود طوال السنوات الماضية يبحث عن أي مستند يثبت أنه اختفى للأبد.
لكن المفاجأة الأكبر
كانت في آخر سطر.
سطر واحد فقط.
مكتوب تحته
تنتقل الحصة كاملة إلى الورثة في حالة وفاة المؤسس ما لم يظهر بنفسه.
القاعة كلها سكتت.
والراجل العجوز رفع عينه لمحمود.
عشان كده أنا هنا.
ثم أضاف
ولسه ما بدأتش أسألك الشركة باعت إيه باسمي طول السنين اللي فاتت؟محمود فضل واقف مكانه.
حاول يضحك، لكن صوته خرج متوتر
الكلام ده ملوش أي معنى. الراجل ده بيحاول يعطل صفقة بمستندات عمرها أكتر من ٣٠ سنة.
الراجل العجوز ما بصش له.
كان مركز مع المحامي.
افتح دفتر المساهمين.
المحامي تردد.
محمود ضرب بإيده على الترابيزة
قلتلكم الصفقة قانونية!
في اللحظة دي، دخلت السكرتيرة كارمن بسرعة، وهي ماسكة ملف أسود.
أستاذ محمود
إيه؟
الموثقة وصلت.
محمود اتنفس براحة.
ممتاز. خليها تدخل.
دخلت سيدة في أواخر الخمسينات، ماسكة حقيبة مستندات، ومعاها مساعد شاب.
أول ما شافت الراجل العجوز
وقفت مكانها.
ما قالتش ولا كلمة.
الراجل بص لها وقال
اتأخرتي يا أستاذة ناهد.
الموثقة قربت منه ببطء.
وبصت في وشه.
ثم قالت بصوت مسموع
حضرتك
سكتت.
حضرتك كنت فين كل السنين دي؟
محمود انفجر
هو إنتِ تعرفيه؟!
ناهد بصت لمحمود.
أنا اللي وثقت أول عقد تأسيس للشركة سنة ١٩٩٤.
القاعة اتقلبت همس.
محمود بص للراجل العجوز.
مين حضرتك بالضبط؟
الراجل فتح الجاكت القديم.
طلع بطاقة هوية قديمة، محطوطة داخل غلاف بلاستيك.
وحطها قدام محمود.
محمود مد إيده.
قرأ الاسم.
وشه اصفر.
عادل الشاذلي المؤسس ورئيس مجلس الإدارة.
حمدي البدري قعد على الكرسي.
كارمن غطت فمها بإيدها.
والمستثمر الأجنبي وقف فورًا.
عادل قال بهدوء
أيوه.
ثم بص لمحمود.
أنا صاحب الشركة اللي كنتوا جايين تبيعوها النهارده.
محمود اتراجع خطوة.
بس مستحيل.
عادل ابتسم ابتسامة قصيرة.
المستحيل إنك صدقت إن محدش هيراجع الورق.
ثم مد إيده للموثقة.
هاتي الدفتر.
ناهد فتحت حقيبتها.
طلعت دفترًا سميكًا مغلفًا بالجلد.
ووضعته أمام الجميع.
عادل قلب الصفحات واحدة واحدة.
سنة ١٩٩٤
١٩٩٧
٢٠٠٣
٢٠١٠
ثم توقف.
إصبعه ثبت عند صفحة معينة.
وشه اتغير.
قال
مين كتب الملاحظة دي؟
ناهد قربت.
حمدي وقف من مكانه.
لكن محمود سبقهم ومد إيده للدفتر.
عادل سحب الدفتر بسرعة.
إيدك.
محمود وقف متجمد.
عادل قرأ الملاحظة بصوت منخفض
تم تجميد نقل الملكية مؤقتًا بناءً على تعليمات المؤسس.
ثم رفع عينه.
أنا ما كتبتش التعليمات دي.
الصمت نزل على القاعة.
حمدي بدأ يعرق.
عادل بص له مباشرة.
وإنت كنت موجود يومها.
حمدي ما ردش.
كنت أنت، وكارمن، ومحامي الشركة القديم.
كارمن قالت بصوت مرتعش
إحنا اتقال لنا إن حضرتك وقعت بنفسك.
عادل هز رأسه.
وأنا عمري ما وقعت.
محمود صرخ
كفاية!
الكل بص له.
قال وهو يحاول يستعيد سيطرته
حتى لو الورق ده صحيح، الصفقة اتجهزت من شهور. الشركة دلوقتي ليها مجلس إدارة وإدارة تنفيذية، ومش من حقك توقف كل حاجة بكلمتين.
عادل قرب منه.
وقال بهدوء شديد
عندك حق.
محمود ابتسم بانتصار.
لكن عادل أكمل
عشان كده أنا مش هوقفها بكلمتين.
وطلع من الملف ورقة أخرى.
هوقفها بالدليل.
وضع الورقة أمام المحامي.
المحامي قرأ أول سطر
ثم توقف.
وبدأ يقلب الورقة على الناحية الثانية.
دي كشوف تحويلات؟
عادل قال
أيوه.
تحويلات من حساب الشركة؟
أيوه.
لحساب مين؟
عادل لم يرد.
بل دفع الورقة ناحية محمود.
محمود قرأ اسم المستفيد.
وفي اللحظة دي
لأول مرة منذ بداية الاجتماع
بان الخوف الحقيقي على وشه.
لأن الحساب لم يكن باسم محمود.
ولا باسم أي مدير.
كان باسم شركة خارجية
لكن عنوانها كان نفس عنوان منزل قديم في شارع جانبي.
البيت الذي ظل عادل يعتقد طوال ٣٢ سنة
أنه مجرد بيت مهجور.
رفع عادل عينه ببطء.
أنا كنت فاكر إن اللي سرق الشركة مني شخص واحد.
ثم قلب الورقة الأخيرة.
لكن واضح إن اللي حصل سنة ١٩٩٤ كان أكبر من كده بكتير.
وقبل ما حد يتكلم
رن هاتف عادل.
نظر إلى الشاشة.
وتغيرت ملامحه فجأة.
قال
الرقم ده مين لسه محتفظ بيه؟
ثم رد.
ولم يسمع الجميع سوى جملة واحدة من الطرف الآخر
لو رجعت الشركة يا أستاذ عادل هتكتشف إن اللي حصل لأبوك زمان ما كانش حادث عادل فضل ماسك التليفون من غير ما ينطق.
الصوت اللي على الناحية التانية كرر
سمعتني يا أستاذ