انتقام تحت التراب

​تخيلي تكوني بتترمي في الشارع وأنتي بتولدي وتنزفي، بس عشان “البرستيج” والمظهر العام قدام الناس؟! ده بالضبط اللي عمله “طارق” – جوزي السياسي اللي بايع ضميره – لما سابني بين الحياة والموت وأنا بولد بناتنا التلاتة، وجري ورا مصلحته ومديرة أعماله “مايسة”. وبعد 4 أيام بس، طلع في التلفزيون بدموع التماسيح يعمل فيها “الأب المكسور” عشان يكسب عطف الناس في الانتخابات. هو كان فاكر إن جريمته كاملة ومحدش هيكشفه… بس غلطة واحدة صغيرة منه هتخلي المقبرة اللي حفرها لي، تكون هي هي النهاية لإمبراطوريته كلها!
​”مايسة.. دي بتنزف وممكن تضيع مننا!”.. ده كان كلام “طارق” لمديرة أعماله، بس أنا وسط زغللة عينيا ووجعي، ماشوفتش راجل خايف على مراته.. أنا شفت سياسي متضايق إن في “عطل فني” يعطل برنامجه.
“لو الصحافة شافتها وهي متشالة على نقالة كدة، دي هتبقى فضيحة وضربة قاضية للحملة الانتخابية!”
​جمعت كل قوتي وهمست وأنا بمسك في هدومه: “أنا بموت يا طارق.. أرجوك.. البنات!”
​بس “مايسة” وقفت قصاده ومنعته: “الكاميرات شغالة برة والمؤتمر بدأ. لو ضيعت كلمة الافتتاح دي، الانتخابات راحت مننا. أنا هخلي أمن المقر ينقلوها من الباب الخلفي للمستشفى في السكوت.”
​بصيت للراجل اللي أؤتمن عليا وكان المفروض يحميني.. بدل ما يزعق ويطلب الإسعاف، وقف بكل برود وظبط أكمام بدلته، وعينيه فاضية تماماً من أي رحمة.
“ولادة مبكرة ومش في وقتها مش هتهد شقا وتعب 10 سنين تحضير.”
قال كلمته ولف وشه، ومشي ناحية إضاءة المسرح المبهرة، وسابني مرمية على الأرض بنزف وأنا بين إيدين ربنا.
​بعد يومين، فتحت عينيا بالعافية، ولقيت المحاليل والخراطيم في كل حتة في جسمي.
​أختي “شيرين” كانت قاعدة جنبي والدموع في عينها، وقالت بصوت مخنوق: “البنات في الحضّانة يا أمل.. ونور على جهاز التنفس الصناعي.. يا دوب ماسكة في الحياة بالعافية.”
​صرخت وأنا بمسك إيدها: “وطارق فين؟! طارق جه؟!”
​ملامح “شيرين” تحولت لجمود وغضب، وطلعت التابليت بتاعها وشغلت فيديو.
صوت طارق كان طالع في التلفزيون، بنبرة حزن متمثلة بمهارة عالية وهو بيمسح دموعه:
“أهلي وناسي.. اللحظة اللي نزلت فيها من على المسرح وعرفت باللي حصل لمراتي، قلبي وقف من الصدمة.. جريت على المستشفى وأنا في قمة عذابي.. بناتي التلاتة الصغيرين بيحاربوا عشان يعيشوا، وأنا بأعلن توقيف حملتي الانتخابية مؤقتاً.. ومحتاج دعواتكم لينا.”
​”قلبه وقف؟! وجري على المستشفى?!”.. صرخت وأنا بحس بصدري بيتجمع فيه وجع يهد الجبال.. “ده كان واقف فوق راسي! شافني وأنا بقع وسابني ومشي!”
​ردت “شيرين” بقلة حيلة: “الناس ما تعرفش ده.. أسهمه في الاستطلاعات طارت في السما، والكل متأثر بيه وبيستغل وجع بناتك اللي بين الحياة والموت عشان يجمع أصوات.. بس المصيبة الأكبر مش هنا.”
​طلعت ظرف أبيض كبير وادتهولي: “طارق رفع قضية طلاق ورعاية كاملة.. كاتب في الورق إن الولادة الصعبة سببتلك ‘انهيار عصبي ونفسي كامل’ وأنك مش مؤهلة، وطالع في دور الأب المضحّي اللي عاوز يأمن حياة بناته.. هينزعهم منك وياخدهم يستغلهم كارت دعاية في حملته!”
​إيديا كانت بترتعش والظرف وقع مني على الأرض.. الوحش اللي سابنا نموت، جاي دلوقتي يسرق اللحم اللي افتديته بدمي وعمري.
​بس “طارق” غلط غلطة عمره.. وهو على وشك إنه يعرف بنفسه، الأم لما تقوم من تحت التراب عشان تدافع عن عيالها، ممكن تعمل إيه عشان تحرق العرش اللي بناه على جثثهم!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *