لكل مريض نفسي حكايه

أخويا أصر يودي أمي دار مسنين، ولما اعترضت قاللي: لو مش عاجبك خديها عندك! ولما جهز العربية عشان ياخدها، أمي مالت عليا وهمستلي بجملة جمدتني في أرضي، جملة متأكدة لو أخويا سمعها هيطب ساكت من الصدمة!!!!

أنا أمنية، عندي تلاتة وتلاتين سنة، وعندي أخ أكبر مني اسمه محمود، وعمري ما تخيلت إن اليوم اللي هقف فيه عاجزة قدام أمي وهي بتتساق لدار مسنين هييجي في حياتي.

أبويا مات وإحنا لسه صغيرين، وأنا كنت وقتها عندي سبع سنين، ومحمود كان عنده خمستاشر سنة. ومن يومها أمي بقت الأب والأم والسند والضهر لينا إحنا الاتنين.

كانت بتشتغل في البيوت، وتخيط هدوم للجيران، وتقوم من الفجر عشان تجهز لنا أكلنا قبل ما ننزل مدارسنا. عمرها ما خلتنا نحس إننا أيتام، ولا إنها ست لوحدها بتصارع الدنيا من غير راجل يسندها.

وفاكرة كويس لما خالتي عرضت عليها تتجوز راجل محترم كان عايز يسترها، أمي رفضت من غير حتى ما تفكر.

قالتلها وقتها: “أنا مش هعرف أجيب راجل غريب بيتي وأولادي لسه صغيرين. أنا هربيهم وأكبرهم، وبكره لما يكبروا هيعوضوني عن كل اللي شوفته.”

كانت بتقول الجملة دي وهي بتبص لنا، وعينيها مليانة أمل، كأنها كانت شايفة مستقبلنا قدامها، ومستنية اليوم اللي ترتاح فيه من تعب السنين.

وفعلًا، كبرنا واتخرجنا، ومحمود اتجوز الأول وخلف ولد وبنت، وبعده أنا اتجوزت كريم، راجل طيب وابن حلال، بيحبني وبيحترمني، وعمره ما زعلني بكلمة.

بس أمي فضلت عايشة مع محمود لأنه ابنها الكبير، وكانت دايمًا تقول إنها مش عايزة تبعد عنه ولا عن أحفادها.

في الأول، محمود كان بيهتم بيها، وبيوديها للدكاترة، ومراته هبة كانت بتتعامل معاها كويس قدامي.

لكن مع مرور السنين، أمي كبرت، وأمراض الشيخوخة بدأت تظهر عليها واحدة ورا التانية.

يوم ضغطها يعلى، ويوم رجليها توجعها، ويوم تحتاج تروح لدكتور قلب، وبعده لدكتور عظام. بقت محتاجة رعاية ومتابعة، ومواعيد دكاترة وأدوية طول الوقت.

ومحمود، مع مسؤوليات شغله وعياله، بدأ يتضايق. ومراته كمان بقت تتعامل مع أمي كأنها حمل تقيل على البيت.

كنت كل ما أروح أزورها، ألاقيها ساكتة ومكسوفة من نفسها، وتفضل تعتذر لي عن أي حاجة تطلبها.

كانت تقوللي: “معلش يا بنتي، أنا عارفة إني تعباهم معايا، بس أعمل إيه؟ العمر ليه أحكامه.”

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *