بنتي عندها 16سنه

بنتي عندها 16 سنة اختفت من وسط زحمة المصيف، ومن يومها وأنا عايشة على أمل واحد إني أعرف هي راحت فين.
اسمها نور.
وكانت أغلى حاجة في حياتي.
اليوم اللي اختفت فيه، كنا في مصيف على الساحل.
الشاطئ كان زحمة جدًا، والناس في كل مكان، وأصوات الأطفال والباعة والموسيقى كانت مالية الدنيا.
نور كانت قاعدة جنبي، وبعد شوية قامت وقالت
ماما، أنا هنزل أجيب آيس كريم.
قلت لها
طيب متبعديش عننا.
ضحكت وقالت
حاضر.
ومشيت.
فضلت عيني عليها لحد ما اختفت وسط الناس.
في البداية مقلقتش.
عدت عشر دقايق.
وبعدين عشرين.
بصيت ناحية الكشك، ملقتهاش.
قمت أدور عليها.
سألت العاملين.
ولا حد شافها.
رجعت للفوطة بتاعتنا.
وكان أول شيء خلاني أحس إن الموضوع مش طبيعي
إن كل حاجتها كانت مكانها.
موبايلها.
شبشبها.
الشنطة.
حتى النظارة الشمسية كانت فوق الفوطة.
كأن نور قامت من مكانها ومشيت وهي ناوية ترجع بعد دقائق.
لكنها مرجعتش.
الشرطة وصلت.
المنقذين فتشوا البحر.
دورنا في المواقف والفنادق والمطاعم والشوارع القريبة.
اتوزعت صورتها في كل مكان.
لكن مفيش نتيجة.
مرت سنة.
وبعدين سنتين.
وبعدين خمس سنين.
ومع كل سنة كانت الناس بتقول لي
يمكن خلاص لازم تتقبلي إنها مش راجعة.
لكن أنا عمري ما صدقت.
كنت دايمًا بقول
نور عايشة.
أنا حاسة بده.
آخر حاجة كانت نور لابساها يوم اختفائها كانت كاش مايوه تركواز.
وأمي كانت اللي خياطاهولها بنفسها.
وقبل السفر بيومين، أمي كانت زينته بخياطة صغيرة على شكل شمس صفراء.
نور يومها ضحكت وقالت
يا تيتة، الشمس دي طالعة معوجة!
أمي ردت
عشان تبقى علامة تعرفي بيها حاجتك.
نور قالت
خلاص، كده مش هتلاقي واحدة عندها زيي.
الجملة دي فضلت في دماغي سنين.
بعد مرور ثماني سنوات، كنت مسافرة مع زوجي أحمد لمدينة ساحلية في البحر الأحمر.
مكنتش عايزة أروح.
البحر بالنسبة لي بقى مرتبط بأصعب يوم في حياتي.
لكن أحمد أصر إني أغير جو.
وفي أحد الأيام، وإحنا ماشيين جنب مجموعة محلات، وقعت عيني على ست واقفة قدام محل ملابس.
كانت لابسة كاش مايوه تركواز.
اتوترت.
لكن قلت لنفسي
مستحيل.
التركواز لون عادي.
كملت مشي.
لحد ما الهوا حرك طرف القماش.
وشفتها.
الشمس الصفراء الصغيرة.
نفس الخياطة.
نفس الميلان.
نفس الغرزة اللي كانت أمي بتعملها.
وقفت مكاني.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
قربت من الست وقلت
معلش الكاش مايوه ده جبتيه منين؟
بصت لي باستغراب.
وقالت
ليه؟
طلعت موبايلي وفتحت صورة نور القديمة.
مديت الشاشة قدامها.
شوفي.
الست بصت للصورة.
وأول ما شافت الكاش مايوه، وشها اتغير.
قالت
إنتِ تعرفي البنت دي؟
قلت
دي بنتي.
سكتت.
وبعدين قالت
اسمها مش نور.
قلبي وقع.
أمال اسمها إيه؟
قالت
الاسم اللي كانت بتستخدمه قدام الناس كان ندى.
قربت منها وقلت
هي فين؟
الست بصت حواليها.
وبصوت منخفض قالت
مش هنا.
أمال فين؟
معرفش مكانها دلوقتي.
بس إنتِ تعرفيها!
هزت رأسها.
أعرفها من ست سنين.
دموعي نزلت.
يعني إنتِ شوفتي بنتي؟
قالت
لو البنت اللي في الصورة هي نفسها اللي أعرفها أيوه.
قلت
كانت عايشة؟
ردت فورًا
أيوه.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية ترجعلي الحياة.
لكن قبل ما أسألها أي حاجة تانية، بصت ورايا فجأة.
واتغير لون وشها.
وقالت
لازم نمشي من هنا.
قلت
ليه؟
قالت
لأن في ناس لسه بتدور عليها.
سألتها
مين؟
قالت
معرفش أسماءهم كلها لكن نور كانت خايفة منهم.
ثم فتحت شنطتها وأخرجت ورقة قديمة مطوية.
مدتها لي.
وقالت
دي كانت معايا من سنين.
فتحت الورقة.
كان مكتوب عليها بخط بنت صغيرة
لو حد سأل عني قولوله إني مكنتش عايزة أختفي.
تحت الجملة كان في عنوان.
رفعت عيني لها وقلت
العنوان ده فين؟
قالت
قرية صغيرة تبعد عن هنا حوالي ساعتين.
ونور هناك؟
قالت
كانت هناك.
كانت؟
سكتت.
وبعدين قالت
آخر مرة شفتها، كانت بتحاول تعرف مين اللي فصلها عن أهلها من يوم اختفائها.
حسيت إن الدنيا بتدور بيا.
بعد ثماني سنين، أخيرًا ظهر أول خيط.
لكن كان عندي سؤال واحد
مين اللي أخذ نور؟
وليه خلوها تعيش كل السنين دي بعيد عن أهلها؟
أحمد وصل وقتها، ولما شافني ماسكة الورقة، سأل
في إيه؟
بصيت له وقلت
نور عايشة.
سكت أحمد تمامًا.
ثم أخذ الورقة من إيدي.
وبص للعنوان.
وقال
يبقى لازم نروح هناك.
وفي نفس اللحظة، موبايل الست رن.
بصت للشاشة.
ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
قفلت المكالمة بسرعة.
وقبل ما تمشي قالت لنا
لو وصلتوا للمكان ده متقولوش إنكم بتدوروا على نور.
ليه؟
ردت
لأن أول شخص هيسألكم عن سبب وجودكم هناك هو آخر شخص المفروض تثقوا فيه.
ثم مشيت بسرعة واختفت بين الناس.
وأنا فضلت واقفة مكانها، ماسكة الورقة.
لأول مرة من ثماني سنين
كنت على بعد خطوة واحدة من معرفة الحقيقة.
يتبع فضلت ماسكة الموبايل على ودني، رغم إن المكالمة كانت انتهت.
كنت مش قادرة أصدق.
نور عايشة.
بنتي اللي فضلت أدور عليها تمان سنين كلمتني بصوتها.
أحمد قال
سارة، لازم نتصرف بعقل.
بصيت له
هي طلبت مني متدورش عليها.
أيوه.
بس أنا أمها. مستحيل أسيبها لوحدها.
سكت أحمد شوية، وبعدين قال
مش هنسيبها. بس لازم نعرف مين الشخص اللي بيخوفها.
رجعنا للفندق، وقعدنا نراجع كل اللي حصل من البداية.
الكاش مايوه.
الست.
العنوان.
المحطة القديمة.
الصورة.
والمكالمة.
وفجأة أحمد قال
استني.
إيه؟
فتح صورة المحطة اللي صورناها بالموبايل.
كبّر الصورة.
وأشار إلى زاوية صغيرة في الحائط.
شايفة العلامة دي؟
قربت.
كانت نفس الشمس الصفراء.
لكن تحتها كان فيه رقم
17.
قلت
ده معناه إيه؟
أحمد قال
مش عارف. بس أكيد نور هي اللي رسمته.
وفي اللحظة دي افتكرت حاجة.
من تمان سنين، قبل اختفائها بأيام، نور كانت قاعدة معايا في البيت وبتكتب أرقام في كراسة.
وقتها سألتها
بتعملي إيه؟
قالت
لعبة.
ضحكت ونسيت الموضوع.
دلوقتي الرقم 17 رجع قدامي.
فتحت صور نور القديمة.
لقيت صورة للكراسة بالصدفة.
كانت نور كاتبة
17 4 9.
اتوترت.
أحمد قال
يمكن دي مش أرقام عشوائية.
قعدنا نحاول نفهمها.
وفجأة افتكرت إن يوم اختفاء نور كان يوم 17.
والشهر كان 4.
أما الرقم 9
فكان رقم دولاب في بيت جدتها.
قلت
لازم نرجع مصر.
رجعنا في نفس الليلة.
وأول ما وصلنا، رحت لبيت أمي.
فتحت الدولاب القديم.
دورت بين حاجاتها.
لحد ما لقيت صندوق خشب صغير.
كان مقفول بمفتاح.
أمي بصت لي باستغراب
إنتِ بتدوري على إيه؟
قلت
على حاجة تخص نور.
سكتت أمي.
ثم قالت
نور قبل ما تختفي بيومين ادتني ورقة وقالتلي أخبيها.
قلبي وقف.
وإنتِ مخبيتيها كل السنين دي؟
أمي قالت
أنا كنت فاكرة إنها مجرد ورقة عادية. وبعد اختفائها نسيت الموضوع تمامًا.
فتحت الصندوق.
كانت الورقة جواه.
أخدتها بإيد مرتعشة.
فتحتها.
كان مكتوب
تيتة، لو حصل لي حاجة، متديش الورقة دي غير لماما.
بصيت لأمي.
ثم كملت القراءة.
ماما هتفهم لما تفتكر اليوم اللي خدتني فيه المدرسة القديمة.
اتصدمت.
المدرسة القديمة!
أمي قالت
إيه المدرسة القديمة؟
قلت
مدرسة نور الابتدائي.
جريت على درج قديم في غرفة نور.
فتحت ملفاتها.
لقيت اسم المدرسة وعنوانها.
في اليوم التالي ذهبنا هناك.
المبنى كان مهجورًا من سنوات.
دخلنا من باب جانبي.
وأثناء ما إحنا بندور، لقيت على أحد الجدران نفس الشمس الصفراء.
وتحتها
17 4 9.
لكن المرة دي كان فيه شيء إضافي.
حرف واحد
ن.
أحمد قال
نور كانت بتسيب علامات.
قلت
عشان حد يلاقيها.
وفجأة سمعنا صوت باب بيتفتح في آخر الممر.
جرينا ناحية الصوت.
لقينا رجل كبير واقف هناك.
كان ماسك ملف قديم.
أول ما شافني، اتفاجئ.
قلت
إنت تعرف نور؟
سكت.
ثم قال
أعرف قصتها.
بنتي عايشة؟
الرجل هز رأسه.
أيوه.
دموعي نزلت.
إنت تعرف مكانها؟
قال
كنت أعرف مكانها.
يعني إيه كنت؟
نور مشيت من المكان اللي كانت فيه من أسبوع.
راحت فين؟
الرجل بص لي وقال
راحت تدور على الحقيقة بنفسها.
سألته
حقيقة إيه؟
فتح الملف.
وكان جواه صورة قديمة لنور وهي في السادسة عشرة.
وتحت الصورة اسم شخص.
قرأته.
واتجمدت.
لأن الاسم كان لشخص أنا أعرفه من زمان
شخص كان موجود يوم اختفاء نور.
شخص كنت أفتكر إنه ساعدنا في البحث عنها.
أحمد بص لي وقال
سارة إنتِ تعرفي الراجل ده؟
بصيت للصورة.
وقلت
أيوه.
ثم أضفت بصوت مرتجف
ده كان واحد من الناس اللي كانوا موجودين معانا على الشاطئ يوم اختفاء نور.
الرجل قفل الملف وقال
يبقى لازم تعرفي حاجة أخطر.
إيه؟
بص لي مباشرة وقال
نور ما كانتش ناوية تروح تجيب آيس كريم يومها.
اتجمدت.
أمال كانت رايحة فين؟
الرجل قال
كانت رايحة تقابل شخص كان وعدها إنه يعرفها سر عن عيلتها.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
والموعد ده كان قبل اختفائها بساعة واحدة.
اتسعت عيني.
لأول مرة فهمت إن اللي حصل لنور بدأ قبل ما تقوم من جنبنا في يوم المصيف.
لكن مين الشخص اللي قابلته؟
وليه نور أخفت عني الموضوع؟
والأخطر
هل كان اختفاؤها بسبب السر اللي كانت بتحاول تعرفه؟
يتبع فضلت ماسكة الورقة وببص للعنوان.
أحمد قال
سارة، لازم نفكر قبل ما نتحرك.
بصيت له وقلت
فكرنا تمان سنين ومفيش حاجة حصلت. المرة دي مش هضيع الخيط ده.
ركبنا العربية واتجهنا للعنوان.
طول الطريق، كنت ماسكة صورة نور القديمة.
كل شوية أبص لها وأقول
يا ترى إنتِ فين يا بنتي؟
بعد حوالي ساعتين، وصلنا لقرية صغيرة بعيدة عن الزحمة.
المكان كان هادي بشكل غريب.
بيوت قديمة، محلات بسيطة، وناس قليلة ماشية في الشوارع.
العنوان ودانا لبيت صغير في آخر القرية.
نزلنا من العربية.
خبط أحمد على الباب.
بعد لحظات، فتح لنا رجل كبير في السن.
بص لنا باستغراب وقال
نعم؟
قلت
معلش، إحنا بندور على واحدة كانت عايشة هنا من سنين.
الرجل سأل
اسمها إيه؟
اترددت.
افتكرت كلام الست
متقولوش إنكم بتدوروا

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *