كل يوم اتنين
كل يوم اتنين، جوزي كان بيسيب فلوس على رخامة المطبخ عشان واحدة ترعى أمه المريضة، وتخليها نضيفة، شبعانة، وساكتة.
بس هو ماكانش يعرف إن الست دي في الحقيقة أنا، مراته، لابسة مريلة زرقا لونها باهت، ومستعملة اسم مستعار.
كنت بحط كل ظرف فلوس في علبة قهوة مستخبية تحت الحوض
لحد ما سمعته بالصدفة وهو بيقول لأخته
أول ما ماما تمضي وتتنازل عن البيت، الخدامة ومراتي الاتنين هيطلعوا من هنا.
هو ماكانش عنده أي فكرة إن الخدامة كانت اكتشفت بالفعل الوصية اللي أمه مخبياها تحت المرتبة.
أول ظرف فلوس ظهر في صباح يوم اتنين والمطر نازل بغزارة.
كنت واقفة عند الحوض، بفرك بواقي الشوفان من طبق أصفر، وفجأة سمعت حماتي بتنادي عليّا من أوضة النوم اللي في آخر الشقة.
كلارا؟
جاية يا بياتريس.
إيديا كانت متشققة من كتر صابون المواعين، وظهري واجعني من كتر ما شلتها مرتين طول الليل.
بياتريس كانت عندها تسعة وسبعين سنة، مريضة سكر، ورجلها الشمال ضعيفة، وفوق كل ده كانت عندها كبرياء يخليها مستحيل تعترف قد إيه هي مرعوبة إنها في يوم تبقى حمل على ولادها.
دخل جوزي جوليان المطبخ، وكان لابس قميصه الرسمي، وحط ظرف أبيض على الرخامة وخبط عليه بصباعين.
لقيت حد يساعدنا.
لفيت له ببطء.
يساعدنا؟
ممرضة أو واحدة ترعى ماما. تيجي بعد الظهر. إنتِ شكلك هلكانة، وبصراحة أنا زهقت من كتر ما بسمعك بتشتكي من كمية الحاجات اللي بتعمليها.
لثانية واحدة بس، كنت هعيط من الفرحة.
بقالها تلات سنين وبياتريس عايشة معانا تحت نفس السقف.
أنا اللي كنت بديها دواها، وأقيس لها السكر، وأطبخلها أكل مخصوص، وأغسل ملاياتها، وأغير لها على جروحها، وأساعدها تدخل الحمام
وفي الوقت ده كله، جوليان كان دايمًا عنده حجة جاهزة
مشغول.
مضغوط.
أو ببساطة مش من النوع اللي بيعرف يعمل الحاجات دي.
فلما قال لي إنه جاب لها ممرضة، افتكرت إنه أخيرًا شاف أنا تعبت قد إيه.
بس كان المفروض أعرف أحسن من كده.
مسكت الظرف.
كان جواه فلوس.
مش مبلغ خرافي، بس يكفي أجيب حد يساعد كام ساعة في اليوم.
سألته
هتبدأ إمتى؟
هز كتفه ببرود.
إنتِ رتبي الموضوع. أنا مش فارق معايا مين هي، المهم ماما تتظبط.
تتظبط.
قالها كأن أمه جهاز بايظ محتاج حد يصلحه.
ومع ذلك، هزيت راسي.
ماكانش عندي طاقة أعمل خناقة الساعة سبعة الصبح.
بعد تلات أيام، اكتشفت الحقيقة.
كنت شايلة صينية أدوية بياتريس وماشية بيها في الطرقة، لما سمعت صوت جوليان وهو بيضحك في الصالة.
كان بيتكلم مع أخته فاليري في التليفون.
أنا أصلًا بسيب لكلارا الفلوس بتاعة الممرضة. نشوف بقى هتفضل تمثل دور الزوجة الغلبانة اللي شايلة البيت لوحدها لحد إمتى.
فاليري ضحكت بصوت عالي لدرجة إني سمعتها من سماعة التليفون.
إنت بجد فاكر إنها هتجيب حد؟
لأ.
جوليان ضحك وقال
ودي عبقرية الموضوع. غالبًا هتعمل الشغل بنفسها وتحوش الفلوس، أو تصرفها على حاجة غبية. وفي الحالتين أنا الكسبان.
سكت لحظة، وبعدين كمل
لو صرفت الفلوس، أقدر أقول عليها مش مسؤولة ماديًا. ولو عملت الشغل بنفسها، أوفر ثروة بدل ما أجيب ممرضة بجد.
الدم جمد في عروقي.
هو ماكانش ناوي يساعدني أصلًا.
دي كانت خدعة.
كان بيحاول يحطني في فخ.
الليلة دي، ماقلتلوش ولا كلمة.
الاثنين اللي بعده، جوليان حط ظرف جديد على الرخامة، وبص لي وسأل
الممرضة دي جت؟
بصيت له في عينه وقلت
أيوه.
رفع حاجبه.
اسمها إيه؟
هازل.
كان اسم جدتي.
ومن اليوم ده، كل يوم كنت ألم شعري بطريقة مختلفة، وألبس مريلة زرقا لونها باهت، وأدخل أوضة بياتريس كأني جاية أبدأ وردية شغل.
مش عشان جوليان كان ممكن يلاحظ.
ده أصلًا بالكاد كان بيبص ناحية أمه.
كنت بعمل كده عشان أفكر نفسي إن اللي بعمله ده شغل.
شغل حقيقي.
متعب.
وشاق.
وهو بقاله سنين بيقلل من قيمته.
أول مرة دخلت عليها وقلت
هازل وصلت.
بياتريس فضلت تبص لي فترة طويلة.
وبعدين عينيها اتمليت بفهم حزين.
همست
هي بتعتني بيا أحسن بكتير من ولادي.
ما رديتش.
بس عدلت البطانية على رجليها.
كل أسبوع، جوليان كان بيسيب الفلوس.
وكل أسبوع، كنت بحط الظرف المقفول في علبة قهوة، وأزقها لآخر الدولاب اللي تحت الحوض.
وكنت بكتب التاريخ بالظبط على كل ظرف.
وما رميتش إيصال واحد من إيصالات أدوية بياتريس، أو أكلها الطري، أو شرائط قياس السكر، أو المصاريف الطبية، ولا حتى الحاجات الصغيرة اللي محدش بياخد باله منها غير لما يحتاج يثبتها
جوانتي لاتكس.
مناديل مطهرة.
مراهم.
فوط سرير.
شوربة لحمة.
وبطاريات جهاز قياس الضغط.
كنت فاكرة إني بس بجمع دليل يحميّني لو في يوم اتهمني إني حرامية.
ماكنتش أعرف إني في الحقيقة كنت بجهز نفسي لمعركة أكبر بكتير.
في يوم، وأنا بغير أكياس المخدات، بياتريس مسكت إيدي فجأة.
وقالت بصوت واطي
كلارا ما تثقيش في جوليان.
وقفت وبصيت في وشها.
في إيه؟
شفايفها بدأت ترتعش.
سمعته هو وفاليري بيتكلموا امبارح بالليل. هما عايزينّي أمضي وأتنازل له عن البيت.
بطني اتقبضت.
البيت.
البيت اللي جوليان طول عمره بيسميه بفخر
بيت العيلة.
البيت اللي أنا دهنت حيطانه، وصلحت فيه، ونضفته من أوله لآخره، وحافظت عليه واقف لمدة اتناشر سنة.
البيت اللي غيرت فيه سخان الميه بفلوسي أنا، في الوقت اللي جوليان كان بيقول لأصحابه إنه المسؤول الوحيد عن البيت.
سألتها بحذر
بياتريس هما خلوكي تمضي على حاجة؟
هزت راسها.
لأ.
وبعدين كملت
قالوا إن ده بس عشان يسهّل موضوع التركة. وبعدها فاليري قالت إنه لما الموضوع يخلص، يقدروا يحطوني في مكان أرخص.
صوتها اتكسر عند كلمة أرخص.
المساء ده، قلت لجوليان إني نازلة السوبر ماركت.
بس ما نزلتش.
وقفت برا على التراس الخلفي، جنب شباك المطبخ المشروخ.
جوليان كان جوه بيشرب مع فاليري.
سمعت فاليري وهي بتضغط عليه
ماما بتضعف بسرعة. لازم تخلص الموضوع قبل ما تفقد عقلها خالص.
جوليان رد بثقة
مش هتلحق. أنا حاجز مع الموثق يوم الجمعة الصبح. أول ما البيت يبقى باسمي، هننقلها لمركز رعاية.
فاليري سألته
وكلارا؟
جوليان ضحك.
كلارا تجمع هدومها والمريلة الصغيرة بتاعتها وتمشي. أنا مش هفضل مربوط بواحدة بتتصرف كأنها خدامة مأجورة، وفي نفس الوقت عايزة تتعامل كأنها واحدة من أصحاب البيت.
فاليري ضحكت باستهزاء.
طب والممرضة بتاعتها؟
جوليان ضحك أكتر.
ممرضة إيه؟ دي ست وهمية كلارا مألفاها من دماغها. أول ما ماما تمضي الورقة، هطرد الخدامة ومراتي في نفس النفس.
كنت واقفة برا في البرد.
والمطر بينقط من ماسورة الصرف على كتفي.
عشر ثواني كاملة، ماعرفتش آخد نفسي.
وبعدين
حاجة جوايا هديت تمامًا.
مش هدوء ضعف.
لأ.
كان هدوء مخيف.
تاني يوم الصبح، بياتريس طلبت مني أقفل باب أوضتها.
وبإيد مرتعشة، أشارت للمرتبة.
ارفعيها.
اترددت.
بياتريس؟
أرجوكي يا كلارا.
رفعت المرتبة التقيلة بإيدي الاتنين.
وتحتها مباشرة، لقيت كيس بلاستيك كبير مقفول بإحكام.
جواه ملف أخضر.
بياتريس لمست الكيس كأنه حاجة غالية وهشة جدًا.
وقالت
آرثر خلاني أحلف إني أخبي ده.
آرثر كان جوز بياتريس ووالد جوليان.
كان مات من سنتين.
كان راجل هادي، قليل الكلام، لكن طيب معايا بشكل عمر ابنه ما عرف يكونه.
فتحت الكيس، وسحبت الملف الأخضر.
وبعدين فتحته
رفعت أول ورقة من الملف، وإيدي كانت بتترعش.
كان عليها ختم مكتب محاماة قديم، وتاريخ يرجع لأكتر من عشر سنين.
بصيت لبياتريس.
ده إيه؟
قالت وهي بتبص للباب المقفول
دي مش الوصية اللي جوليان فاكر إنه هيجبرني أكتبها يوم الجمعة.
قلبت الورقة.
وتحتها كان فيه مستند تاني.
قرأت أول سطر، وفجأة حسيت إن نفسي اتقطع.
إقرار بملكية مشتركة وإثبات مساهمة مالية في العقار…
رفعت عيني بسرعة.
ملكية مشتركة؟
بياتريس هزت راسها.
أبو جوليان كان عارف إن ابنه هيحاول ياخد البيت لنفسه.
قربت منها.
يعني إيه؟
مدت إيدها جوه الكيس وطلعت ظرف بني قديم.
قبل ما آرثر يموت بأسبوع، استدعاني المحامي وقال لي إن فيه حاجة لازم أعرفها.
فتحت الظرف.
كان جواه إيصالات تحويلات بنكية قديمة، وعقود صيانة، وفواتير كبيرة.
وبينهم ورقة عليها اسمي.
كلارا.
اتجمدت مكاني.
اسمي أنا؟
بياتريس قالت
آه.
قعدت على طرف السرير.
إزاي اسمي موجود هنا؟
بصت لي طويلًا، وبعدين قالت
لأن آرثر كان عارف كل حاجة.
كل حاجة إيه؟
كان عارف إنك دفعتي من فلوسك في البيت أكتر مما جوليان عمره قال لك.
قلبي دق بعنف.
أنا فعلًا كنت دفعت حاجات كتير على مدار السنين، لكن عمري ما طلبت من جوليان يسجلها أو يرجعها لي.
كنت فاكرة إن ده بيتي زي ما هو بيته.
لكن بياتريس هزت راسها وقالت
آرثر ماكانش شايفها كده.
وبعدين مدت لي ورقة تانية.
اقري دي.
بدأت أقرأ.
وكان واضح إن آرثر كان عامل ترتيب قانوني يحمي جزءًا من قيمة العقار من أي تصرف منفرد من جوليان.
لكن قبل ما أكمل
سمعنا صوت مفتاح بيدور في باب الشقة.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
بياتريس همست
جوليان.
قفلت الملف بسرعة.
هنعمل إيه؟
قالت بمنتهى الهدوء
خبّيه.
حطيت الملف تحت المرتبة، لكن قبل ما ألحق أقفلها، سمعت صوته من الصالة
ماما؟
وبعدين صوته ارتفع
كلارا؟ إنتِ فين؟
بياتريس بصت لي وقالت
روحي المطبخ.
بس
روحي!
خرجت من