كل خميس
زيارتين، كانت بتشتكي من الدوخة، وأنا قلت للمسؤول هناك إنها تعبانة. لكنه قالي إنها محتاجة ترتاح شوية، وإن الموضوع عادي.
المحقق سأله
وليه ما رجعتهاش لأمها فورًا؟
محمود نزل عينيه وقال
كنت خايف من أحمد. كان بيقول لي إن أي مشكلة هتخلي الناس اللي مديون لهم يطالبوني أنا كمان بالفلوس.
ما كانش اعتذار محمود كفاية يمسح اللي حصل، لكنه أخيرًا بدأ يقدم معلومات ممكن تساعد في كشف الحقيقة.
وقبل ما ينهي أقواله، قال
فيه موظف كان مسؤول عن تجهيز العصير، وهو الوحيد اللي كان بيستلم الطلبات من المخزن.
المحقق طلب منه اسم الموظف، واتسجلت المعلومة عشان يتم التحقق منها.
الاسم اللي ظهر في السجلات
بعد يومين، اتصلت المحامية وقالت إن فيه تطور جديد.
قالت
الجهات المختصة راجعت جزءًا من سجلات المركز، وظهر اختلاف بين الكميات المسجلة من بعض المواد المستخدمة في الإجراءات الطبية، وبين الكميات اللي اتصرفت فعلًا.
سألتها
يعني لقوا المادة اللي كانت بتأثر على ملك؟
ردت
لسه مفيش نتيجة نهائية. لكن فيه موظف اسمه شريف كان مسؤولًا عن المخزن، وبيتم التحقيق في دوره، خصوصًا إن اسمه ظهر في سجلات أيام الزيارات اللي كانت ملك موجودة فيها.
حسيت إننا قربنا من الحقيقة، لكني كنت خايفة من إننا نكون بنجري ورا احتمال يطلع غلط.
المحامية أكدتلي إن كل شيء لازم يثبت بالأدلة، وإن حالة ملك الطبية هي الأولوية.
وفي المساء، كنت قاعدة جنب بنتي وهي بتاكل، لما سألتني فجأة
ماما، هو أنا هروح عند عمو محمود تاني؟
مسكت إيديها وقلت
لأ يا حبيبتي، مش هتروحي أي مكان إنتِ مش مرتاحة فيه، ومحدش هيجبرك على حاجة تخوفك.
بصتلي بعينيها الصغيرتين وقالت
طب هو بابا زعلان مني؟
حسيت بغصة في حلقي.
قلت لها
إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط يا ملك. الكبار هما المسؤولين عن تصرفاتهم، وإنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة حصلت.
في اللحظة دي، عرفت إن أصعب جزء في الحكاية مش كشف الجريمة وبس، لكن إني أرجع لبنتي إحساسها بالأمان بعد ما اتزعزع.
المفاجأة اللي ما حدش توقعها
في صباح اليوم التالي، وصل للمحامية إخطار بضرورة تقديم مستند إضافي ضمن التحقيق.
كان فيه طلب مالي قدمه أحمد للمركز قبل بداية زيارات ملك بأسابيع، ومرفق بيه جدول مواعيد محدد.
المحامية راجعت الورقة، وبعدها اتصلت بيا فورًا.
قالت
يا سارة، فيه حاجة لازم تعرفيها. الجدول ده اتعمل قبل أول مرة محمود ياخد فيها ملك من المدرسة، وده معناه إن الزيارات كانت مترتبة مسبقًا، مش مجرد خروج عادي زي ما كانوا بيقولوا.
سألتها
ومكتوب فيه إيه كمان؟
قالت
فيه بند متعلق باستمرار الزيارات رغم ظهور أعراض صحية على الأطفال، لكن لازم نتأكد مين وافق عليه ومين نفذه.
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب.
أسابيع من التخطيط، ومواعيد محددة، وفلوس بتتحول، وتوقيع باسمي أنا ما مضيتوش.
كل ده كان بيحصل من ورايا.
لكن وسط كل الأسئلة، كان فيه سؤال واحد أهم من الباقي
مين اللي قرر إن بنتي تستمر في الزيارات رغم إنها كانت بترجع فاقدة الوعي؟
وفي نفس اللحظة، وصلتني رسالة من رقم المحقق.
تم استدعاء أحمد لمواجهته بالمستندات الجديدة، وظهرت معلومة تستدعي استكمال التحقيق مع شخص آخر من داخل المركز.
قرأت الرسالة مرتين.
شخص آخر؟
مين؟
وهل أحمد كان مجرد جزء من مخطط أكبر، ولا كان هو اللي بيدير كل حاجة من البداية؟
ما كنتش أعرف الإجابة لسه.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة
المرة دي، محدش هيقدر يقنعني إني بتوهم، ومحدش هيقدر يمنع الحقيقة من الظهور.
يتبع في الفصل السادس…
الفصل السادس أحمد انهار قدام الأدلة والاسم اللي كشف كل حاجة!
من ساعة ما وصلتني رسالة المحامية، وأنا مش قادرة أركز في أي حاجة.
كنت قاعدة عند أختي، وملك نايمة في أوضتها، وأنا بفكر في كل خميس عدى علينا.
كل مرة كنت بسأل أحمد عن الكدمات، كان يتهمني بالمبالغة. وكل مرة كنت أحاول أفهم بنتي مالها، كان يصر إنها مجرد تعبانة.
دلوقتي، بقى فيه مستندات بتثبت إن الزيارات كانت مترتبة قبلها بأسابيع، وتحويلات مالية، وتوقيع مش توقيعي.
لكن لسه ما كنتش أعرف مين الشخص اللي كان بيدير الموضوع من جوه المركز.
رن تليفوني.
كانت المحامية.
قالتلي
يا سارة، التحقيق وصل لحاجة مهمة. الموظف المسؤول عن المخزن قدم أقوال جديدة، وفيه مستندات بتشير إلى إن بعض السجلات اتعدلت بعد كل زيارة.
سألتها بقلق
يعني إيه اتعدلت؟
ردت
يعني إن فيه بيانات اتغيرت بعد تسجيلها لأول مرة، وده بيخلينا نحتاج نفحص النسخ الأصلية ونعرف مين اللي عدلها.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
والأهم إن شريف، الموظف المسؤول عن المخزن، قال إن التعليمات اللي كان بياخدها بخصوص مواعيد ملك كانت بتوصله من مدير المركز مباشرة.
سألتها
ومدير المركز اسمه إيه؟
قالت
الدكتور سامي.
الاسم ما كانش مألوف بالنسبالي، لكن المحامية كملت
الدكتور سامي نفى إنه أصدر أي تعليمات مخالفة، وقدم مستندات بتقول إن بعض القرارات كانت بتوصل له من إدارة الحسابات. التحقيق دلوقتي بيحاول يحدد المسؤولية الحقيقية لكل شخص.
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إننا أخيرًا بنقرب من بداية الخيط.
لكن الخيط ده كان متشابك أكتر مما تخيلت.
المواجهة اللي أحمد ما قدرش يهرب منها
في اليوم التالي، طلبت مني المحامية أحضر معاه جلسة لمراجعة بعض المستندات، من غير أي مواجهة منفردة مع أحمد.
دخلت المكان، ولقيته قاعد قدام المحقق.
كان شكله مرهق، وشعره مبعثر، وملامحه مختلفة عن الشخص اللي كان دايمًا بيتكلم بثقة وكأنه مستحيل يغلط.
أول ما شافني، قال
سارة، أنا عارف إنك مش هتصدقي أي كلمة مني، بس اسمعيني للآخر.
رديت بهدوء
اتكلم. المرة دي كل كلمة لازم يكون وراها دليل.
المحقق عرض عليه نسخة من جدول الزيارات والتحويلات المالية.
سأله
هل أنت اللي طلبت استمرار تسجيل ملك في البرنامج رغم ظهور أعراض صحية عليها؟
أحمد اتردد، وبعدين قال
أنا طلبت استمرار الزيارات، لكن ما كنتش عارف إن حالتها ممكن توصل لفقدان الوعي بالشكل ده.
بصيت له بصدمة.
يعني إنت كنت عارف إنها بتروح المركز، وعارف إن فيه فلوس بتتدفع، وعارف إن فيه مشكلة صحية، ومع ذلك خليت محمود ياخدها كل أسبوع؟!
نزل عينيه.
كنت فاكر إن الموضوع هيتحل.
قلتله
وإنت لما كنت بتشوفها فاقدة الوعي قدامك، كنت بتفكر في إيه؟ في بنتك ولا في الفلوس؟
ما ردش.
المحقق رجع سأله عن التوقيع الموجود على الموافقة الطبية.
أحمد قال إنه ما كتبش توقيعي بنفسه، لكنه أقر إنه سلّم بياناتي للمركز من غير ما يتأكد من وجود موافقة صحيحة مني.
المحقق سجل أقواله، وأكد له إن فحص المستندات هو اللي هيحدد إذا كان فيه تزوير، ومين المسؤول عنه.
وأنا كنت قاعدة، حاسة إن كل كلمة بتطلع منه بتكشف جزءًا جديدًا من الحقيقة.
لكن قبل ما تنتهي الجلسة، المحقق طلع مستندًا مختلفًا.
وقال
عندنا تحويل مالي اتعمل قبل أول زيارة بأسبوعين، واسم المستفيد مختلف عن الأسماء اللي ظهرت في باقي التحويلات.
أحمد رفع رأسه فجأة.
ولأول مرة، ظهر الخوف الحقيقي على وشه.
المحقق سأله
تعرف الشخص ده؟
أحمد بص للاسم، وبعدها قال بصوت منخفض
أيوه.
سأله المحقق
مين؟
أحمد سكت طويلًا، ثم قال
أخويا محمود ما كانش صاحب الفكرة من البداية. فيه شخص تاني هو اللي عرفني على المركز، وهو اللي أقنعني إن الموضوع هيحل كل مشاكلي المالية.
بصيت له بذهول.
مين الشخص ده يا أحمد؟
لكنه ما ردش، وطلب يتكلم مع المحقق على انفراد.
خرجت من الجلسة وأنا مش عارفة أصدق اللي سمعته.
كنت فاكرة إن أحمد هو بداية الحكاية ونهايتها، لكن كلامه فتح بابًا جديدًا.
السر اللي محمود قرر يكشفه
بعد ساعات، اتصلت بيا المحامية وقالت إن محمود طلب يقدم مستندات إضافية، وإن المعلومات الجديدة ممكن تساعد في تحديد الشخص اللي اقترح التعامل مع المركز من البداية.
في اليوم التالي، حضر محمود ومعاه مجموعة من الرسائل القديمة.
قال للمحقق إنه كان فاكر إن أخوه بيتعامل مع مركز طبي بصورة قانونية، وإنه ما عرفش تفاصيل المخالفات إلا بعد ما بدأت ملك ترجع تعبانة.
لكن لما واجهوه برسائل بينه وبين أحمد، ظهر إن محمود كان عنده شكوك من وقت مبكر.
في إحدى الرسائل، كان محمود كاتب
أنا مش مرتاح لحالة ملك. لازم نوقف الزيارات لحد ما نفهم اللي بيحصل.
ورد عليه أحمد
استنى شوية. لو وقفنا دلوقتي، كل اللي اتدفع هيروح، وأنا مش هقدر أرجع الفلوس.
محمود اعترف إنه استمر في توصيل ملك رغم شكوكه، وإن ده كان خطأ كبيرًا منه.
لكن المحقق سأله عن الشخص اللي اقترح التعامل مع المركز.
محمود قدم اسمًا مختلفًا عن الأسماء اللي ظهرت في بداية التحقيق.
كان اسم رجل اسمه فؤاد منصور، شريك سابق لأحمد في مشروع تجاري فشل قبل شهور.
حسب الرسائل، فؤاد هو اللي عرّف أحمد على الشخص المسؤول عن إدارة البرنامج، ووعده إن المشاركة هتساعده يسدد ديونه.
لكن هل فؤاد كان عارف إن فيه مخالفات بتحصل؟ وهل كان ليه دور مباشر في اللي حصل لملك؟
دي أسئلة ما كانش ينفع نجاوب عنها من الرسائل وحدها.
المحقق قرر يستدعيه، ويفحص التحويلات اللي تمت بينه وبين أحمد، ويتأكد من علاقته بالمركز.
ملك قالت جملة غيّرت اتجاه القضية
في المساء، رجعت عند أختي.
لقيت ملك قاعدة على الكنبة، بتقلب في صور قديمة على التابلت.
أول ما شافتني، نادتني
ماما، تعالي شوفي الصورة دي!
قعدت جنبها، ولقيتها بتشاور على صورة من عيد ميلادها اللي فات.
كان فيها أحمد ومحمود، ووراهم راجل واقف جنب باب البيت.
سألتها
فاكرة الراجل ده يا حبيبتي؟
بصت للصورة شوية، وبعدين قالت
أيوه، ده الراجل اللي كان بييجي عندنا قبل ما عمو محمود ياخدني للمكان.
قلبي دق بسرعة.
كان بيعمل إيه يا ملك؟
قالت
مش فاكرة أوي، بس مرة سمعت بابا بيقوله متقلقش، كل حاجة هتمشي زي ما اتفقنا.
طلبت منها ما تحاولش تفتكر أكتر من كده، وما سألتهاش أسئلة متكررة عشان ما أضغطش عليها.
بلغت المحامية بالمعلومة، وسلمنا الصورة للجهات المختصة، من غير ما نفترض إن وجود الرجل في الصورة يثبت تورطه.
وفي اليوم التالي، لما اتعرضت الصورة ضمن التحقيق، ظهر إن الرجل هو فؤاد منصور نفسه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في تقرير مالي وصل للمحقق في نفس اليوم.
فؤاد كان قد حوّل مبلغًا ماليًا إلى حساب شركة مرتبطة بالمركز قبل أول زيارة لملك، ثم حوّل أحمد مبلغًا آخر إلى فؤاد بعد أسابيع.
الأرقام والتواريخ كانت محتاجة فحصًا، لكن التحويلات فتحت بابًا جديدًا للتحقيق.
وبعد مراجعة المستندات، صدر طلب رسمي لسماع أقوال فؤاد بشأن طبيعة المعاملات المالية وعلاقته بالبرنامج.
أما أنا، فكنت بفكر في حاجة واحدة بس.
بنتي كانت بتروح المكان ده وهي مطمئنة، لأنها كانت فاكرة إن أبوها وعمها مستحيل يسمحوا لحد يأذيها.
والحقيقة إن الثقة دي اتكسرت بسبب قرارات الكبار.
كنت عارفة إن رجوع إحساسها بالأمان هيحتاج وقت، وإن كشف الحقيقة مش هيصلح كل حاجة في يوم وليلة.
لكن كنت مصممة أبدأ من جديد، بعيدًا عن أي شخص يعرّضها للخطر.
وفي نهاية اليوم، اتصلت بيا المحامية وقالت
يا سارة، فؤاد حضر، وقدم رواية مختلفة تمامًا عن رواية أحمد. بيقول إن أحمد هو اللي طلب منه التحويلات، وإنه ما كانش يعرف أي حاجة عن حالة ملك الصحية.
سألتها
يعني مين فيهم بيقول الحقيقة؟
ردت
لسه ما