بيت امي حكايات محمد نور
رجعت أطمن على أمي، فلقيت باب بيتها متسلسل من برّه.. والسر اللي اكتشفته قلب حياتنا كلنا!
الجزء الأول أمي كانت محپوسة جوّه بيتها!
رجعت قريتي عشان أحضن أمي بعد سنين من الغربة، لكن أول ما وصلت، لقيت باب بيتها متسلسل من برّه بقفل حديد كبير! بقالّي شهور ببعت لها فلوس عشان تعيش مرتاحة، لكن اللي شوفته خلاني أحس إن فيه کاړثة حصلت وأنا بعيد.
كلبها كان هزيل وضعيف، نايم جنب الباب، وتحت الباب فتحة صغيرة بيدخلوا منها طبق الأكل. قربت ودني من الخشب، فسمعت صوت أمي المرتعش وهي بتترجاني ما أمشيش.
لكن السؤال اللي كان بېقتلني ليه بنت خالتي اللي كنت ببعت لها الفلوس عشان توصلها لأمي، كانت بتأكد لي إن أمي مسافرة تزور واحدة صاحبتها؟
باب بيت أمي كان متقفل بسلسلة حديد من برّه، وتحت الباب فتحة صغيرة واضحة إنها معمولة عشان يدخلوا منها الأكل.
بقالّي ست سنين شغال في القاهرة بعيد عن أمي، وببعت لها فلوس كل شهر عشان تشتري الأكل والدوا وتدفع مصاريف الأرض. لكن الصبح ده، وأنا واقف قدام البيت اللي اتولدت واتربيت فيه، فهمت إن الفلوس عمرها ما
تقدر تعوّض وجودي أو تفسّر اللي حصل.
خبطت على الباب وأنا بنادي
أمي؟ يا أمي، أنا يوسف! أنا رجعت!
محدش رد.
بصيت تحت، فلقيت قشطة، كلب أمي العسلي، بيحاول يقوم بالعافية. كان هزيلًا لدرجة إن ضلوعه باينة، وحرّك ديله حركة ضعيفة أول ما شافني، وبعدها رجع بص للباب، كأنه بيحاول يفهمني حاجة.
حسيت بقبضة في قلبي.
إيه اللي حصل هنا؟
وليه البيت بالشكل ده؟
كنت وصلت الليلة اللي فاتت من القاهرة لقريتنا القريبة من طنطا، شايل بطاطين وهدوم شتوي ودفاية كهربا وحاجات عارف إن أمي بتحبها. كنت ناوي أقنعها تيجي تقعد معايا في القاهرة فترة ترتاح فيها من تعب السنين.
أمي، الحاجة فاطمة، كان عندها أربعة وسبعين سنة، ومع ذلك كانت دايمًا ترفض تسيب بيتها والأرض اللي زرعتها مع أبويا الله يرحمه.
كانت تقول لي
يا ابني، أنا اتعودت على البيت ده. كل شجرة فيه فاكرة يوم ما زرعتها بإيدي مع أبوك. أنا مش هقدر أسيب الأرض دي وأمشي.
يوم ما سافرت القاهرة أدور على شغل، ودعتني بكيس فطير بيتي وجبنة قديمة، وفضلت توصيني لحد ما ركبت العربية
روح يا حبيبي، وربنا يفتحها
عليك. اشتغل واتعب وابني حياتك، بس أوعى تنسى أصلك ولا تنسى أمك.
الكلام ده فضل محفور في قلبي.
بدأت حياتي في القاهرة من الصفر، واشتغلت مساعدًا في ورشة لتصليح الأجهزة الكهربائية. وبعد سنين من التعب والتوفير، قدرت أفتح محل صغير باسمي. ومع الوقت، الشغل زاد وبقيت قادر أساعد أمي من غير ما أحس إني مقصر.
كنت بكلمها كل جمعة، وأبعت لها فلوس كل شهر. ولسنين طويلة، كنت بحوّل الفلوس على حسابها في البنك. لكن من كام شهر، بنت خالتي سعاد قالت إن المشوار بقى صعب عليها، وإنها ممكن تستلم الفلوس وتوصلها لأمي بنفسها.
قالت لي
خالتك كبرت يا يوسف، ومبقتش قادرة تروح البنك. ابعت الفلوس على حسابي وأنا هديهالها بإيدي. دي زي أمي بالظبط.
سعاد كانت اتربت في بيت أمي بعد ما فقدت أهلها، وأمي احتضنتها وربّتها. عشان كده، ما اترددتش أوافق، وعمري ما تخيلت إنها ممكن تستغل ثقتي.
ليلة وصولي، استقبلتني سعاد في بيتها بأكل بلدي، لكن أول ما سألتها عن أمي، اختفت ابتسامتها.
أمال أمي فين يا سعاد؟ أنا كلمتها من يومين وقالت إنها قاعدة في البيت.
اتلخبطت وردت
بسرعة
كانت هنا، بس راحت تزور
واحدة صاحبتها في بلد جنبنا. هترجع كمان كام يوم.
استغربت. أمي عمرها ما كانت بتسافر من غير ما تبلغني، حتى لو هتروح آخر الشارع.
راحت إمتى؟ وليه ما قالتليش؟
قالت وهي بتبعد عينيها
ما تكبّرش الموضوع. ارتاح وبكرة نبقى نشوف.
لكن قلقي زاد لما افتكرت رسائل أمي الأخيرة. كانت في البداية تحكي لي تفاصيل يومها وتسألني عن شغلي، ثم بقت رسائلها قصيرة وغريبة
أنا بخير يا حبيبي.
ما تتصلش دلوقتي.
الرصيد خلص، هكلمك بعدين.
حاولت أقنع نفسي إنها تعبت من الموبايل أو إن الشبكة وحشة، لكن إحساسي كان بيقول إن فيه حاجة أكبر.
مع أول ضوء للنهار، خرجت عشان أروح لها بنفسي. لكن سعاد وقفت قدامي عند الباب.
رايح فين بدري كده؟
رايح لأمي. عايز أطمن عليها.
اتغيرت ملامحها وقالت
استنى شوية. باب بيتها الكالون بتاعه بايظ، ومش هتعرف تفتحه.
أقدر أصلحه. إيه المشكلة؟
ارتبكت وقالت
افطر الأول، وبعدين ابقى روح.
خرجت من غير ما أجادلها، ومشيت ناحية بيت أمي. كل خطوة كانت بتزود إحساسي إن فيه مصېبة مستنياني.
لما وصلت، وقفت مكاني من الصدمة.
الشبابيك كانت متغطية بألواح خشب، والجنينة ناشفة ومهجورة، وشجرة الجوافة
أوراقها مصفرة. أما قشطة فكان ضعيفًا لدرجة إني استغربت إزاي لسه قادر يقف.
المكان كله كان ساكتًا. مفيش دخان من الفرن، ولا صوت الفراخ، ولا حتى صوت أمي وهي بتتمتم بأدعية الصباح.
وأكتر حاجة خلت الډم ينشف في عروقي كانت السلسلة الحديد الملفوفة حوالين الباب والمقفولة بقفل كبير من برّه.
مين اللي يقفل باب بيت أمي من برّه؟ وليه؟
خبطت على الباب
أمي! يا أمي، إنتِ جوّه؟
مفيش رد.
خبطت تاني، وفجأة سمعت صوتًا خافتًا كأن حد بيجر رجليه على الأرض.
قربت ودني من الخشب
أمي؟ إنتِ سامعاني؟
وبعد ثوانٍ، سمعت صوتها الضعيف المرتعش
يوسف… يا ابني… أوعى تمشي وتسيبني!
أمي كانت جوّه فعلًا!
ما كانتش مسافرة، ولا عند صاحبتها. كانت محپوسة جوّه بيتها، والباب متقفل عليها من برّه!
جريت ناحية العربية وجبت عتلة حديد، وفضلت أضرب القفل لحد ما اتكسر. ما كنتش أعرف مين عمل فيها كده ولا ليه، لكن كنت عارف إني مش هسيبها دقيقة واحدة كمان.
الجزء الثاني بنت خالتي أنكرت كل حاجة.. لكن بنتها كشفت السر!
دفعت الباب، فاستقبلتني ريحة كتمة خانقة. النور كان بالكاد بيدخل من الشقوق بين ألواح الخشب.
لقيت أمي ممددة
على مرتبة قديمة، شعرها الأبيض مغطي جزءًا من وشها، ودراعاتها رفيعة وضعيفة. جنبها كوباية فاضية، وبقايا أكل ناشفة، وجردل صغير.
جريت ناحيتها
أمي، إنتِ سامعاني؟ أنا يوسف!
حاولت ترفع راسها، فحضنتها بحذر ولفّيت حواليها بطانية نظيفة. كانت ضعيفة لدرجة إنها ما قدرتش تقف، فشيلتها للعربية، ورجعت أخدت قشطة.
شافتنا جارتنا الحاجة أمينة، فقالت پصدمة
يا ساتر يا رب! الحاجة فاطمة كانت جوّه البيت طول الوقت ده؟!
إنتِ كنتِ تعرفي إنها جوّه؟
والله يا ابني، سعاد كانت بتقول إنها عند قرايبها، وبعدها قالت إنها بتتعالج. إحنا ما كناش نعرف إنها محپوسة!
أخذت أمي للوحدة الصحية، وهناك أكدوا إنها تعاني من جفاف شديد وسوء تغذية وتحتاج إلى مستشفى ورعاية مستمرة.
فضلت جنب سريرها وأنا أفتكر كل مرة قالت لي فيها أنا بخير. كنت أظن إنها تعيش بأمان، بينما كانت محپوسة ومحرومة حتى من المية.
شعرت بذنب شديد، لكن ما كانش عندي وقت للندم. كان لازم أعرف مين عمل فيها كده وليه.
بعد ما اطمأنيت إنها تحت رعاية الأطباء، رجعت القرية وطلبت من عم حسن ييجي معايا لبيت سعاد.
كانت واقفة مع محمود. أول ما شافتني، سألت
بهدوء
خالتك رجعت من عند صاحبتها ولا لسه؟
قلت