ساحره الذئاب
ساحرة الذئاب
الجزء الأول
في الليلة التي كتبوا فيها على باب بيتها بالفحم الأسود:
«ساحرة الذئاب»
لم تبكِ ليان منصور… ولم تحاول حتى أن تدافع عن نفسها.
وقفت فقط تحت المطر، تحدّق في الكلمات السوداء وهي تنساب مع قطرات الماء فوق باب بيتها الصغير.
كانت تسمع همسات أهل القرية من خلف النوافذ:
— إنها ملعونة.
— رأوها في الغابة تتحدث مع الذئاب!
— يجب أن نطردها قبل أن تحلّ علينا اللعنة!
رفعت ليان عينيها نحو الجبال المظلمة، ثم أغلقت الباب بهدوء.
لكن بعد ساعات قليلة…
اهتزت الجبال على صوت عواء مخيف.
عواء طويل، عميق، جعل كل من في القرية يتوقف عن الكلام.
ولم يكن أحد يعلم أن أصحاب الكلمات القاسية أنفسهم سيأتون في صباح اليوم التالي إلى باب ليان…
راجين منها إنقاذ أهم ذئب في المملكة.
كانت ليان تعيش في قرية صغيرة تُدعى وادي الضباب، مختبئة بين أشجار الصنوبر والجبال العالية.
منذ طفولتها، تعلمت من والدتها مريم كيف تستخدم الأعشاب لعلاج الحيوانات.
كانت تعرف أي نبتة تخفف الحمى، وأي زهرة توقف النزيف، وأي عشب يساعد الحيوان الخائف على استعادة هدوئه.
لكن أهل القرية لم يروا في ذلك علمًا.
كانوا يرونه سحرًا.
كانوا يقولون إن ليان تفهم لغة الذئاب.
والحقيقة؟
لم تكن ليان تتحدث معهم.
كانت فقط تعرف كيف تصغي.
كانت تعرف أن الحيوان الجريح لا يحتاج إلى الصراخ والأوامر…
بل يحتاج إلى شخص يمنحه الأمان والوقت.
وبعد أن غادر أهل القرية أمام بيتها تلك الليلة، حملت ليان حقيبتها الصغيرة وخرجت وحدها إلى الغابة.
كان العواء لا يزال يتردد بين الجبال.
وبعد دقائق من البحث، وجدته.
ذئب صغير عالق في فخ حديدي، وقد غرزت أسنانه المعدنية في ساقه.
اقتربت ليان ببطء.
— اهدأ… لن أؤذيك.
ظل الذئب يراقبها بحذر.
جلست على الأرض، وانتظرت.
وبعد دقائق، هدأ الحيوان.
فتحت الفخ، نظفت جرحه، وضمدت ساقه.
وقبل أن يختفي بين الأشجار، استدار ونظر إليها طويلًا.
ثم…
جاء عواء آخر من أعماق الجبال.
لكن هذا العواء كان مختلفًا.
أقوى.
وأكثر ألمًا.
وضعت ليان يدها على صدرها فجأة.
شعرت بوخزة حادة تحت أضلاعها، وكأن ألم مخلوق بعيد اخترق جسدها ووصل إليها.
همست:
— من أنت؟
لكن الغابة لم تجب.
مع شروق الشمس، وصلت مجموعة من الفرسان إلى القرية.
كان على صدورهم شعار المملكة.
وتقدمهم رجل طويل اسمه فارس العبدالله، قائد حرس الملك.
انتشر الصمت بين أهل القرية عندما ترجل من حصانه.
قال بصوت حازم:
— نبحث عن ليان منصور.
تبادل الجميع النظرات.
ثم أشارت إحدى النساء نحو بيت ليان.
— هي هناك.
تقدم فارس نحوها، ثم قال:
— ذئب الملك في خطر.
رفعت ليان حاجبيها.
— ذئب الملك؟
— شاهين… الذئب الفضي الذي يحرس الملك بنفسه.
ثم أضاف:
— عثرنا عليه فجر اليوم بالقرب من النهر. حالته تزداد سوءًا، وكل من حاول علاجه فشل.
وفجأة صاحت امرأة من بين الحشد:
— إنها السبب!
التفت الجميع إليها.
— رأيناها ليلة أمس تدخل الغابة!
ارتفعت الأصوات.
— ساحرة!
— هي التي فعلت هذا!
— خذوها إلى الملك!
كانت ليان تعرف أن الحقيقة لن تهمهم.
لكنها لم تتوقع أن الرجل الذي يقف وسط الحشد، الشيخ نادر، سيكون أول من يسمح لهم بتقييد يديها.
كان يعرفها منذ كانت طفلة.
وكان قد وعد والدتها قبل موتها أن يحميها.
لكن خوفه من أهل القرية كان أقوى من وعده.
نظرت إليه ليان بحزن.
ثم قالت بهدوء:
— أنا لم أؤذِ الذئب.
اقترب فارس منها.
— إذًا ستأتين معنا.
نظرت ليان إلى القيود حول معصميها.
ثم قالت:
— لا أعرف من هو شاهين… لكنني أشعر بألمه.
تغير وجه فارس للحظة.
وصلوا إلى المعسكر الملكي بعد ساعات.
وبمجرد أن دخلت ليان الخيمة، رأته.
كان شاهين مستلقيًا فوق مجموعة من البطانيات.
ذئب ضخم، ذو فراء فضي لامع، لكنه الآن كان يرتجف بعنف، وأنفاسه تخرج بصعوبة.
وقفت الطبيبة سلمى يونس بجواره، عاجزة عن تفسير حالته.
أما الرجل الذي يقف خلفها…
فكان الملك سليم.
ملك المملكة.
رفع الملك عينيه نحو ليان.
ثم قال:
— انزعوا قيودها.
تردد الحراس.
— مولاي، أهل القرية يتهمونها—
قاطعه الملك:
— قلت انزعوا القيود.
سقطت القيود عن يديها.
اقتربت ليان من شاهين.
لكن الذئب أظهر أنيابه.
توقف الجميع.
إلا ليان.
جلست على الأرض على مسافة منه، ومدت يدها فوق التراب.
كانت في راحة يدها ندبة قديمة تركتها حادثة غامضة منذ سنوات.
وفجأة…
توقف شاهين عن الحركة.
رفع رأسه.
حدق في ليان.
ثم تقدم خطوة.
ثم أخرى.
حتى وصل إليها ووضع رأسه فوق كفها.
شهقت الطبيبة سلمى.
أما الملك سليم، فلم ينطق بكلمة.
وضعت ليان يدها على رأس شاهين.
وفجأة…
رأت شيئًا.
ماء بارد.
نهر مظلم.
وميضًا معدنيًا.
ثم شيئًا صغيرًا يخترق فرو الذئب ويستقر بالقرب من قلبه.
فتحت ليان عينيها بسرعة.
— إنه ليس مريضًا.
اقتربت الطبيبة.
— ماذا تقصدين؟
قالت ليان:
— هناك شيء داخل جسده… بالقرب من قلبه.
فحصت سلمى الذئب بعناية.
وبعد لحظات، تغير وجهها.
— وجدته!
كان هناك جسم معدني صغير مغروس تحت الفراء.
إبرة دقيقة…
مغطاة بمادة سوداء.
قالت الطبيبة بقلق:
— هذه المادة سامة.
سأل الملك:
— هل يمكن إنقاذه؟
صمتت سلمى.
— إذا أخرجنا الإبرة بطريقة خاطئة، قد يموت فورًا.
ثم نظرت إلى ليان.
— هل تعرفين كيف نوقف تأثير السم؟
فتحت ليان حقيبتها وأخرجت دفترًا قديمًا.
كان دفتر والدتها.
قلبت صفحاته حتى توقفت عند وصفة نادرة.
قالت:
— هناك طريقة… لكنها خطيرة.
— ما هي؟
رفعت ليان عينيها نحو شاهين.
— سأجعل السم ينتقل مؤقتًا من جسده إلى جسدي.
شهقت سلمى.
— هل جننتِ؟!
هزت ليان رأسها.
— لا.
ثم نظرت إلى الذئب.
— لكنه وثق بي قبل أن يثق بي أي شخص هنا.
قالت سلمى بسرعة:
— إذا انتقل السم إليكِ، قد لا نستطيع إيقافه.
أجابت ليان:
— إذًا عليكم أن تسرعوا.
أخرجت ليان قلادة صغيرة على شكل ورقة شجرة، ولفتها حول معصمها.
ثم وضعت يدها على رأس شاهين.
في اللحظة نفسها…
صرخ جسدها من الألم.
شعرت وكأن نارًا تسري داخل عروقها.
وبدأت خطوط سوداء تظهر تحت جلد يدها.
ثم ارتفعت ببطء نحو ذراعها.
صرخت سلمى:
— الآن!
أمسكت الطبيبة بالإبرة وسحبتها بحذر.
خرجت الإبرة.
وفي اللحظة نفسها، بدأت أنفاس شاهين تستقر.
لكن الخطوط السوداء على ذراع ليان لم تتوقف.
كانت تصعد…
نحو كتفها.
قالت سلمى مذعورة:
— هذا مستحيل! السم لا ينتقل بهذه السرعة!
وفي تلك اللحظة…
دخل رجل إلى الخيمة.
كان حسام الراوي، المستشار الأقرب إلى الملك.
ابتسم بهدوء.
وكان يحمل بين يديه صندوقًا صغيرًا من الأعشاب.
لكن شاهين، رغم ضعفه، رفع رأسه فجأة.
حدق في حسام.
ثم أطلق زئيرًا غاضبًا.
نهض الذئب بصعوبة، واندفع نحوه.
سقط حسام أرضًا.
ومزق شاهين طرف ثوبه بأسنانه.
فانطلق شيء صغير من داخل القماش وسقط على الأرض.
زجاجة زجاجية صغيرة.
تجمد الجميع.
اقتربت سلمى منها، ثم فتحتها بحذر.
شمّت محتواها.
واتسعت عيناها.
— هذه هي المادة نفسها…
ساد الصمت.
رفع الملك سليم عينيه ببطء نحو مستشاره.
أما ليان، فكانت لا تزال تكافح الألم الذي ينتشر داخل جسدها.
ثم حدث شيء جعل الجميع يتجمدون.
شاهين لم يهاجم حسام مرة أخرى.
بل وقف أمام ليان…
وحماها بجسده.
وكأنه يعرف شيئًا لم يعرفه أحد بعد.
رفع الملك صوته:
— أغلقوا أبواب الخيمة.
ثم نظر إلى حسام.
— وأحدٌ لن يغادر المكان… حتى أعرف من الذي حاول قتل ذئبي.
لكن ليان، وسط الألم، رفعت رأسها فجأة.
كانت تسمع شيئًا.
عواءً بعيدًا…
ليس من شاهين.
بل من الجبال.
وعندما التقت عيناها بعيني الذئب الفضي، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لأنها أدركت شيئًا أخطر من السم.
شاهين لم يكن الذئب الوحيد الذي استطاع الوصول إليها.
أكيد ❤️ نكمل ونرفع مستوى الغموض، لكن من غير ما نكشف سر الأم بالكامل مرة واحدة.
ساحرة الذئاب — الجزء الثالث
ساحرة الذئاب
الجزء الثالث
— وهي التي أمرت بقتل شاهين.
ظلّت كلمات الرجل تتردد داخل الكهف.
لم تتحرك ليان.
حتى أنفاسها توقفت للحظات.
ثم قالت بصوت مرتجف:
— أمي ماتت منذ خمسة عشر عامًا.
ابتسم الرجل.
— هذا ما أرادوا منكِ أن تصدقيه.
تقدم الملك سليم خطوة، ووضع يده على سيفه.
— من أنت؟
رفع الرجل عينيه إليه.
— أنت تعرفني يا سليم.
تغير وجه الملك.
— مستحيل…
ثم نطق الرجل اسمًا لم تسمعه ليان من قبل:
— جابر.
تراجع الملك خطوة.
أما فارس، فأخرج سيفه فورًا.
— جابر الحارثي؟
ضحك الرجل.
— ظننت أنكم دفنتموني مع الذين حاولوا قتلي.
قالت ليان:
— كفاكم ألغازًا! أين أمي؟
التفت جابر إليها.
— ستعرفين الحقيقة، لكن ليس هنا.
في تلك اللحظة، قفز شاهين أمام ليان.
وظهر خلف جابر عدد من الذئاب.
واحد…
اثنان…
ثم عشرات العيون اللامعة وسط الظلام.
همس فارس:
— نحن محاصرون.
لكن جابر قال بهدوء:
— لو أرادوا قتلَكم، لما تركوكم تدخلون الكهف أصلًا.
ثم أشار إلى جدار خلف ليان.
— انظري.
التفتت.
كانت هناك لوحة حجرية قديمة.
وفي منتصفها رسم لامرأة تحمل ورقة شجرة.
وتحتها كتابة:
«حين تستيقظ حارسة الدم، سيعود الذئب الملكي إلى سيدته.»
اقتربت ليان.
وضعت يدها على الرسم.
فجأة…
اشتعلت العلامة على معصمها.
وتحرك الحجر تحت أصابعها.
صدر صوت مكتوم، ثم انفتح جزء من الجدار.
كان خلفه ممر ضيق.
وفي نهايته…
غرفة صغيرة.
دخلت ليان وحدها.
كانت هناك طاولة قديمة، وفوقها صندوق خشبي.
فتحته.
وجدت داخله قلادة.
وحين أمسكت بها، عرفت أنها قلادة والدتها.
انهارت دموعها لأول مرة.
— أمي…
قال جابر من خلفها:
— كانت تعرف أنك ستصلين إليها يومًا.
رفعت ليان رأسها.
— أين هي؟
وقبل أن يجيب، سمعت صوتًا.
صوت امرأة.
هادئًا…
لكن مألوفًا.
— ليان؟
تجمد الدم في عروقها.
استدارت ببطء.
كانت هناك امرأة تقف في نهاية الممر.
شعرها غطاه الشيب، ووجهها تغير بفعل السنوات.
لكن عينيها…
كانت ليان تعرفهما جيدًا.
سقطت القلادة من يدها.
— أمي؟
اقتربت المرأة.
— نعم يا ابنتي.
اندفعت ليان نحوها، لكنها توقفت قبل أن تصل إليها.
كان هناك شيء غريب.
نظرت إلى معصم أمها.
كانت تحمل نفس العلامة.
قالت ليان:
— لماذا تركتِني؟
أجابت أمها:
— لأنهم كانوا سيقتلونك إن بقيت معك.
— ومن هم؟
نظرت مريم إلى الملك سليم.
ثم إلى شاهين.
وقالت:
— الأشخاص الذين يطاردونكم الآن.
اقترب الملك.
— مريم، ماذا فعلتِ؟
رفعت مريم عينيها إليه.
— فعلت ما كان يجب عليك فعله منذ خمسة عشر عامًا.
ساد الصمت.
قالت ليان:
— ماذا تقصد؟
أجابتها أمها:
— أنقذتُ المملكة منكِ.
اتسعت عينا ليان.
— مني؟
هزت مريم رأسها.
— ليس منكِ أنتِ… بل من القوة التي بداخلك.
فجأة، ارتجف الكهف.
تساقطت بعض الحجارة من السقف.
شاهين رفع رأسه وأطلق عواءً غاضبًا.
قال جابر:
— وجدونا.
سأل فارس:
— من؟
أجاب:
— جيش الملك.
نظر الجميع إلى سليم.
— لم آمر أحدًا بالمجيء إلى هنا، قال الملك.
ثم نظر إلى مريم.
— من الذي يقودهم؟
صمتت.
ثم قالت:
— حسام.
تغير وجه ليان.
— لكنه مقيد في المعسكر!
ابتسمت مريم بحزن.
— ذلك الرجل لم يكن حسام الحقيقي.
تجمد الجميع.
— ماذا؟
قالت مريم:
— الرجل الذي قبضتم عليه مجرد تابع. حسام الحقيقي اختفى قبل ثلاثة أيام.
ثم نظرت إلى ليان.
— وهو يعرف الآن أنكِ استيقظتِ.
سمعوا أصوات الجنود تقترب.
صرخ فارس:
— يجب أن نخرج!
قالت مريم:
— يوجد مخرج آخر.
لكن قبل أن يتحرك أحد…
دخل رجل إلى الكهف.
كان يرتدي درع الحرس الملكي.
رفع سيفه.
وقال:
— بأمر الملك… سلّموا لي ليان.
نظر الملك سليم إليه بدهشة.
— أنا لم أعطِ هذا الأمر.
ابتسم الجندي.
ثم نزع خوذته.
تغير وجه ليان.
كان حسام.
الحقيقي.
قال:
— تأخرت كثيرًا يا مولاي.
شاهين اندفع نحوه.
لكن عشرات الذئاب ظهرت فجأة بينهما.
ووقفت لحماية ليان.
ابتسم حسام.
— رائع…
ثم نظر إلى ليان.
— الآن فهمت لماذا اختارتك أمك.
قالت ليان:
— لماذا؟
أجاب:
— لأنك الوحيدة التي تستطيعين فتح البوابة.
— أي بوابة؟
نظر إلى العلامة على معصمها.
— البوابة التي ظلّت مغلقة منذ مئات السنين.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا أسود.
ووضعه على الأرض.
— وإذا فتحتِها…
توقف لحظة.
— فلن يعود أي إنسان في هذه المملكة قادرًا على التحكم في الذئاب مرة أخرى.
حدقت ليان في المفتاح.
ثم نظرت إلى أمها.
قالت مريم:
— لا تلمسيه.
لكن شاهين تقدم نحو المفتاح.
ووضع قدمه عليه.
فاشتعلت العلامة على يد ليان.
وانفتح تحت أقدامهم…
باب حجري هائل.
ومن خلفه جاء صوت عواء لم يسمعه أحد منذ مئات السنين.
عواء واحد فقط.
لكنه جعل كل الذئاب تنحني رؤوسها.
حتى شاهين…
انحنى.
رفعت ليان عينيها نحو الظلام.
ثم سمعت صوتًا يأتي من أعماق البوابة:
— أخيرًا… عادت ابنة الحارسة.
كمل المواجهة داخل البوابة
زود التشويق بنهاية صادمة
اكشف سر قوة ليان