نظري ابتدي يرجع

جوزي مكنش يعرف إن نظري بدأ يرجع بعد سنتين وأنا مش بشوف خالص. كنت مخططة أعمل له مفاجأة لما أقدر أشوف وشه تاني، بس في يوم بالليل شفته بيخبي حاجة تحت سريرنا، وهو فاكر إني مش شايفة أي حاجة. تاني يوم الصبح اكتشفت هو كان مخبي عني إيه، وفجأة كل تصرفاته الغريبة بقالها كذا شهر بقت مفهومة.
من سنتين، حادثة عربية مدمرة غيرت حياتي تمامًا. حصلي كذا كسر، وقعدت شهور بتعالج في مصحة، وفقدت نظري.
الدكاترة مقدروش يأكدوا لي إن نظري هيرجع تاني. قالوا لي فيه احتمال يتحسن، بس لازم أجهز نفسي لمستقبل من غير ما أشوف.
أول شهور كانت صعبة جدًا. الحاجات اليومية اللي كنت بعملها عادي، فجأة بقت محتاجة صبر وتدريب وطريقة تانية خالص.
الحمد لله، جوزي كان جنبي في كل حاجة.
ساعدني ألبس، وسندني وأنا بتعلم أتحرك في بيتنا، وفضل جنبي كل مرة أحس إني مش قادرة. لما كنت بتضايق أو بفقد الأمل، كان بيفكرني إننا هنواجه ده سوا.
أنا بجد معرفش كنت هعدي الأيام الأولى دي إزاي من غيره.
بس من حوالي ست شهور، حاجة اتغيرت.
جوزي بقى بعيد وبيزهق بسرعة. سوء تفاهم صغير يقلب خناقة، وكلام كان سهل بيننا بقى مرهق.
ساعات لما أطلب منه مساعدة، يتنهد بزهق، وساعات يرجع من الشغل وما يكلمنيش خالص.
بدأت أفكر يا ترى رعايته ليا بقت تقيلة عليه أكتر من طاقته؟
وفكرة إن جوزي ممكن يكون ندمان على حياتنا مع بعض كانت بتوجع القلب.
وبعدين، من أسبوعين، حاجة مش عادية حصلت.
في يوم الصبح، صحيت وخدت بالي من حتة نور خفيفة جنب شباك أوضة نومنا.
في الأول افتكرت إني بتخيل.
بس في الأيام اللي بعدها، بدأت أميز خيالات وملامح مش واضحة.
كنت خايفة أتعشم على الفاضي، فحجزت معاد مع دكتور العيون بتاعي في السر.
روحت لوحدي وجوزي في الشغل.
بعد ما كشف عليا، الدكتور قالي خبر بقالي سنتين بدعي أسمعه.
قال لي إن نظري باين عليه علامات تحسن.
مصدقتش.
قلت له يعني ممكن أشوف تاني بجد؟
قال ممكن. مقدرش أتوقع التحسن هيبقى قد إيه، بس اللي شايفينه مشجع جدًا.
كنت هعيط من الفرحة.
أول حاجة جت في بالي إني أكلم جوزي حالًا.
بس بعدها تخيلت ملامح وشه لما أقدر أميز ضحكته تاني.
كنت عايزة أدي له اللحظة دي كمفاجأة.
فقررت أستنى.
في الأسبوعين اللي بعدهم، نظري اتحسن شوية بشوية. كل حاجة لسه مزغللة، بس بقيت أميز العفش والبيبان والحركة حواليا في البيت.
وبعدين، امبارح، أدركت إني بقيت أقدر أميز حاجات أكتر بكتير من قبل.
لسه مش بشوف واضح، بس بعد سنتين ضلمة، ده كان إحساس مش عادي.
نفس اليوم بالليل، جوزي رجع البيت شكله متضايق.
سألته حصل حاجة في الشغل؟
قال ولا حاجة، أنا بس تعبان.
قلت له باين عليك متضايق كل يوم بالليل بقالك فترة.
اتنهد.
قال ممكن لو سمحتي ما نبدأش خناقة تاني؟
قلت له مكنتش بحاول أتخانق، أنا قلقانة عليك.
قال معرفش إزاي بنقلبها خناقة كل مرة.
رده وجعني.
طلعت أوضة نومنا فوق عشان نهدى إحنا الاتنين.
بعدها بكام دقيقة، جوزي طلع.
افتكرته هيعتذر.
بدل كده، شفته بعيني وهو بينزل على ركبه جنب سريرنا، وبيزق حاجة بسرعة تحته.
وبعدين بص ناحيتي.
نزلت عيني على طول وعملت نفسي مخدتش بالي من أي حاجة.
قال لي إنتِ كويسة؟
قلت له كويسة.
قال هدخل آخد شاور.
هزيت راسي.
بس من جوه، قلبي كان بيدق جامد.
هو كان مخبي إيه؟
ويا ترى كام حاجة تانية عملها قدامي عشان كان فاكر إني مش شايفة؟
حاولت أنسى الفكرة، بس فضلت صاحية معظم الليل.
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما جوزي نزل شغله.
أول ما سمعت صوت عربيته وهي بتبعد، طلعت فوق على طول.
نزلت على ركبي جنب سريرنا ومديت إيدي تحته.
صوابعي لمست حاجة كبيرة وغريبة عليا.
مسكت اليد وسحبتها للضوء بالراحة.
كانت شنطة السفر السودة بتاعة جوزي، اللي كان بياخدها في شغله قبل الحادثة.
السوستة كانت مفتوحة حتة صغيرة.
قدرت أميز هدوم متطبقة كويس، وأدوات حلاقة، وجواب تخين محطوط بينهم.
وبعدين خدت بالي من حاجة مكتوبة على الوش.
اسمي أنا.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الجواب وخدت اللي جواه ناحية شباك أوضة النوم، واستخدمت موبايلي أكبر الكلام اللي مش شايفاه.
لما الكلام بقى واضح أخيرًا، حسيت بطني وقعت.
عشان أول صفحة كان فيها عنوان قانوني عمري ما تخيلت ألاقيه في شنطة جوزي.
الجزء الثاني الورق اللي قلب حياتي
فضلت واقفة مكاني، ماسكة الورقة بإيد بتترعش، وعيني بتتنقل بين السطور اللي قدرت أقراها بعد ما قضيت سنتين كاملتين مش شايفة غير خيالات غامقة ونور باهت.
كان العنوان واضح قدامي، رغم إن عيني لسه بتتعب لما أبص على الحروف الصغيرة
اتفاق انفصال وتسوية مالية وإقرار بالتنازل عن الحقوق الزوجية.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
انفصال؟
أنا وجوزي؟!
إزاي؟ وليه؟ وإمتى قرر إنه يسيبني من غير ما يقول لي كلمة واحدة؟
إيدي راحت تلقائيًا على بقي، وكتمت شهقة خرجت مني بالعافية. حاولت أقنع نفسي إن فيه تفسير تاني، وإن الورق ده ممكن يكون خاص بحد من شغله، أو معاملة قانونية تخص واحد من معارفه.
لكن لما رجعت أبص على أول صفحة، لقيت اسمي مكتوب بوضوح.
اسمي بالكامل.
وتحته اسم جوزي.
وفي آخر الصفحة، كان فيه مكان فاضي للتوقيع.
قعدت على طرف السرير، وأنا مش قادرة أستوعب اللي قدامي. سنتين كاملتين وأنا عايشة في ضلمة، وهو اللي كان بيساعدني أتحرك، وبيحضر لي الأكل، وبيوصف لي شكل الدنيا من حواليّا.
كان بيحكي لي عن الشجر اللي قدام الشباك، وعن الشمس لما تدخل الصالة، وعن لون الورد اللي بيزرعه في البلكونة.
كان بيقول لي كل ليلة
متخافيش، أنا معاكي. ومهما حصل، عمري ما هسيبك لوحدك.
كنت بصدقه.
كنت متأكدة إن الراجل اللي وقف جنبي في أصعب أيام حياتي مستحيل يكون بيجهز للرحيل من ورايا.
لكن الورق اللي في إيدي كان بيقول عكس كده تمامًا.
رجعت للصفحة التانية، وبدأت أقرا بصعوبة.
كان مكتوب إن الزوج مستعد يسيب لي الشقة، ومبلغ مالي كبير، ومصدر دخل ثابت لمدة معينة، مقابل إني أوافق على إنهاء العلاقة الزوجية بشكل ودي، ومن غير أي مطالبات إضافية.
الموضوع ما كانش مجرد ورقة اتكتبت واتركنت.
كان فيه محامي، وأرقام، وتواريخ، ومواعيد مقابلات.
وفي آخر الملف، لقيت ورقة منفصلة مكتوب فوقها بخط إيده
لازم الموضوع يخلص قبل نهاية الشهر، ومش عايزها تعرف أي تفاصيل قبل ما أكون جاهز.
حسيت ببرودة بتجري في جسمي.
جاهز لإيه؟
وليه مش عايزني أعرف؟
سمعت صوت عربية بتدخل الشارع، فقمت بسرعة وقفلت الملف، ورجعته جوه الشنطة زي ما كان.
كنت لسه بحاول أسيطر على نفسي لما سمعت صوت المفتاح في الباب.
جوزي رجع.
اتجمدت مكاني.
بصيت ناحية باب الأوضة، وبعدها ناحية الشنطة، وبدأت أفكر بسرعة. لو دخل وشافني واقفة، هيعرف إن فيه حاجة غريبة. ولو سألني عن الشنطة، مش هعرف أرد.
جريت ناحية السرير، ورجعت الشنطة مكانها، وبعدها تمددت على المرتبة وغمضت عيني.
سمعت خطواته بتقرب.
فتح باب الأوضة بهدوء، ووقف لحظات من غير ما يتكلم.
وبعدين سمعت صوته
إنتِ نمتي يا حبيبتي؟
ما رديتش.
قرب مني، وعدل الغطا فوق كتافي، وبعدها قال بصوت واطي
حقك عليّا.
اتسمرت.
هو بيعتذر لي عن إيه؟
سمعته بيتحرك ناحية الدولاب، وبعدها خرج من الأوضة وقفّل الباب وراه.
فتحت عيني ببطء.
كنت عايزة أقوم وأواجهه، وأرمي الورق قدامه، وأسأله إزاي قدر يخطط لحاجة بالحجم ده من غير ما يكلمني.
لكن حاجة جوايا منعتني.
يمكن لأني كنت خايفة أسمع الإجابة.
ويمكن لأني كنت محتاجة أعرف الحقيقة كاملة قبل ما أواجهه.
قضيت باقي اليوم وأنا بتصرف كأني لسه مش شايفة.
لما دخل عليّا وقت الغدا، سألني إذا كنت عايزة أكل، فهزيت راسي وقلت له إني مش جعانة.
قعد جنبي، ومسَك إيدي.
مالك؟ صوتك متغير.
بلعت ريقي وقلت
مفيش. بس حاسة إنك مشغول عني اليومين دول.
سكت شوية، وبعدين رد
عندي شوية مشاكل في الشغل، وهتتحل قريب.
مشاكل كبيرة؟
بصلي، وبعدها قال
أكبر مما تتخيلي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كان قدامي فرصة أسأله عن الشنطة، لكني خفت إنه ياخد باله من حاجة.
فقلت بدلًا من كده
وإنت هتقدر تحلها؟
ضغط على إيدي وقال
لازم.
وبعدها قام، وخرج من الأوضة.
فضلت أفكر في كلمته.
لازم.
كأنه مضطر يعمل حاجة مش عايز يعملها.
لكن هل ده يبرر إنه يجهز أوراق انفصال من ورايا؟
لأ.
مفيش حاجة تبرر إنه يخليني آخر واحدة تعرف مصير حياتها.
استنيت لحد ما الليل جه، ولما اتأكدت إنه نام، قمت من السرير بهدوء.
كنت لسه مش قادرة أشوف كل حاجة بوضوح. نظري كان بيتحسن تدريجيًا، والأطباء كانوا قالوا لي قبل كده إن رجوعه محتاج وقت، وإن أي إجهاد ممكن يسبب لي صداع شديد.
لكن بعد ما بدأت ألاحظ تحسن حقيقي من كام يوم، قررت ما أقولش لجوزي حاجة.
كنت عايزة أفاجئه.
كنت متخيلة إنه أول ما يعرف إني بقيت أشوف ملامحه تاني، هيفرح، ويمكن نبدأ صفحة جديدة بعد السنتين الصعبين اللي عدوا علينا.
ما كنتش أعرف إن المفاجأة اللي مستنياني هتكون بالشكل ده.
فتحت الشنطة مرة تانية، وبدأت أفتش فيها بحذر.
كان فيها هدوم تكفي سفر طويل، وأدوات الحلاقة بتاعته، وملف أوراق، وعلبة صغيرة فيها مفتاح فضي غريب.
المفتاح ما كانش بتاع الشقة، ولا بتاع عربيته.
وتحت الهدوم، لقيت ظرف تاني مكتوب عليه
يُفتح في حالة عدم موافقتي على الخطة الأولى.
اتسعت عيني.
خطة أولى؟
يعني فيه خطة تانية؟
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه عنوان لمكان في أطراف المدينة، ورقم تليفون، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيده
لو اضطريت أمشي، ما تخليهاش تعرف المكان ده قبل ما تتأكد إن كل حاجة اتأمنت.
حسيت إن صدري اتقبض.
مين هي اللي بيتكلم عنها؟
أنا؟
وليه فيه مكان لازم ما أعرفوش؟
قعدت على الأرض، وبدأت أقارن التواريخ المكتوبة على الأوراق.
أقدم ورقة كانت من حوالي ستة شهور.
يعني الموضوع بدأ قبل ما نظري يتحسن، وقبل ما أفكر حتى إني ممكن أشوف تاني.
وبين الورق، لقيت صورة قديمة ليا أنا وجوزي، متاخدة في أول سنة جواز.
على ظهر الصورة، كان كاتب جملة واحدة
أصعب قرار في حياتي هو القرار اللي ممكن ينقذها.
فضلت أبص للجملة فترة طويلة.
القرار اللي ممكن ينقذني؟
ينقذني من إيه؟
في اللحظة دي، سمعت صوت تليفونه بيرن من الصالة.
كان نايم، لكنه اتحرك فجأة، وبعدها سمعت خطواته السريعة.
رد بصوت منخفض، لكنه كان متوتر
أيوه… أنا لسه ما مضيتش.
سكت يسمع الطرف التاني.
وبعدين قال
قلت لك مش هعمل حاجة من غير ما أتأكد إنها هتكون بخير.
سكت تاني، وبعدها صوته علي شوية
لأ! مش هسيبها تواجه ده لوحدها.
قلبي اتقبض أكتر.
وبعدين قال جملة خلتني أحط إيدي على بقي
لو عرفت الحقيقة دلوقتي، ممكن تخسر كل حاجة.
فضلت واقفة في الضلمة، وظهري ملاصق للحائط.
كنت عايزة أعرف مين اللي بيكلمه، وإيه الحقيقة اللي خايف إني أعرفها.
لكن قبل ما أقدر أسمع أكتر، أنهى المكالمة.
رجعت الشنطة مكانها، ودخلت السرير بسرعة.
بعد دقائق، دخل الأوضة، ووقف عند الباب.
حسيت إنه بيبص عليّا.
وبعدها قال بصوت مكسور
سامحيني.
المرة دي، ما قدرتش أعتبر اعتذاره مجرد كلمة عابرة.
لأن صوته كان صوت واحد بيودع حاجة غالية عليه.
ولأول مرة من سنتين، خفت من بكرة أكتر من خوفي من الضلمة.
الجزء الثالث العنوان اللي مكنش المفروض أعرفه
الصبح، جوزي خرج بدري على غير عادته.
قبل ما يمشي، دخل الأوضة وقعد جنبي.
أنا مضطر أخرج مشوار مهم.
قلت له وأنا مغمضة عيني
هتتأخر؟
مش

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *