صمت غفران حكايات اماني السيد

جلست وحدي في تلك الزاوية المظلمة، أدرك أخيرًا الحقيقة المرة التي حاولوا إخفاءها عني: لقد نجحوا في محوي تمامًا من حياته، وأصبح صمتي هو القبر الهادئ الذي دفنوني فيه حية. توالت الأيام، وأصبحت جدران الفيلا التي كانت تضمنا وكأنها تفصل بين عالمين لا يلتقيان.

بعد تلك الليلة القاسية، أدركت أن الصمت لم يعد سلاحًا لحماية بيتي، بل أصبح جدارًا سميكًا أعزلني عن كل شيء. قررت أن أغير طريقتي تمامًا؛ فبدلًا من أن ألاحق مراد بنظرات العتاب أو أحرقه بالأسئلة، قررت أن أتجنبه تمامًا.

صرت أتحاشى الجلوس في الأماكن التي تتواجد فيها شذا، وأقضي معظم وقتي داخل غرفتي. إن اضطررت للخروج لإعداد طعام أو تلبية حاجة للمنزل، كنت أتحرك بصمت شبحي، متجنبة حتى التقاء عيني بعين مراد إن صادف وجوده في الصالة أو اتت هى بحجه التوضيبات .

لم يعد يعنيني أين يقضيان وقتهما، ولا كيف تتغير أثاثات الفيلا وتفاصيلها على يدها. كنت أراهما معًا أحيانًا وهما يخططان لتعديلات جديدة، أو أسمع ضحكاتهما تملأ المكان، فأسارع بإغلاق باب غرفتي وكأنني أغلق بابًا على جرح ينزف بصمت. في البداية، لاحظ مراد هذا التغير الجذري في سلوكي.

كان ينظر إليّ بنظرات متوجسة أحيانًا، ربما منتظرًا أن أثور أو أشتكي ، لكنه لم يجد سوى جدار من الجمود التام. وحين وجد أنني لا أجادل، ولا أطلب تفسيرًا، ولا حتى أعلق على وجودها شبه الدائم، اطمأن قلبه الفاسد وظن أن خطته ووصايا أمي قد أتت أكلها، فأصبح يمعن في تجاهلي تمامًا، وكأنني لم أعد سوى قطعة أثاث صامتة في هذا القصر.

أما شذا، فلم تكتفِ باحتلال المكان، بل أرادت أن تثبت سيطرتها التامة وتستزف ما تبقى من أعصابي. في الأيام الأولى، بدأت ترسل لي رسائل مستفزة على هاتفي؛ صورًا تجمعهما في رحلات قصيرة، أو مقاطع فيديو قصيرة لضحكاتهما معًا في غرف من غرف المنزل، مصحوبة بكلمات لاذعة تذكرني دائمًا بمكانتي الجديدة: «مراد بيمسي وبيقولك العشاء ده جهزتيه ولا لأ؟

»، أو «إحنا نازلين نشتري حاجات للجناح الجديد… تحبي نجيبلك حاجة وإحنا راجعين يا غفران؟».لكنني هذه المرة لم أكن غفران القديمة. تذكرت ليلة الاعتذار ومرارة القهر، فقررت أن أرد بالطريقة الوحيدة التي تؤلمها وتؤلمه معًا: التجاهل المطلق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *