صمت غفران حكايات اماني السيد
كنت أسمع نغمة الرسالة المميزة، فأرفع هاتفي، أنظر إلى اسم المرسل، ثم أغلقه وأضعه جانبًا دون أن أفكر حتى في فتح الرسالة، ناهيك عن الرد عليها. لم يعد يحرك فيّ ساكنًا؛ لا غيرتي اشتعلت، ولا قهري تجدد.
صرت أرى محاولاتها للاستفزاز مجرد صرخات فارغة لامرأة غير واثقة من استقرارها الحقيقي، تريد فقط أن تتأكد من أنني ما زلت أشعر بوجودها. مرت الأسابيع ثقيلة، وشذا تلاحظ أن رسائلها تُقابل بصمت مطبق. انقطع عنها ذلك التفاعل الذي كانت ترجوه لتدخل معي في معارك جانبية تثبت من خلالها أنها المنتصرة.
بدأ القلق يتسرب إلى رسائلها شيئًا فشيئًا، وتحولت نبرتها من التفاخر والتشفي إلى الاستفزاز المباشر الصريح لعلني أنفجر، ولكن عبثًا… فقد أغلقت باب قلبي تمامًا، وتركتهم يتخبطون في هدوئي الذي أصبح أثقل عليهم من أي صراخ.
كنت أجلس وحدي في هدوء غرفتي، أحتسي قهوتي الباردة، وأدرك أنني وإن خسرت معركة كرامتي في البداية، إلا أنني في هذا الصمت الطويل… بدأت أستعيد نفسي قطعة قطعتة، بعيدًا عن أوهام البيوت التي تُبنى على حساب الروح.
انتهت أعمال التوضيب والتجديد في الفيلا، وتحولت أركانها تمامًا لتشهد على ميلاد واقع جديد لم أكن أتخيل يومًا أن أعيشه تحت سقف واحد. ومع اللمسات الأخيرة للديكورات، كان مراد يتردد بانتظام على جناحها الجديد، بينما كنت أنا أغوص أكثر وأكثر في عزلتي الاختيارية داخل غرفتي.
لكن الأمور لم تتوقف عند حدود السكن والرفاهية؛ ففي أحد الأيام، عاد مراد إلى الفيلا مبكراً، . ناداني بصوت هادئ غير معتاد، وطلب مني الجلوس معه في صالة المعيشة. جلست على مقعد بعيد قليلًا، ورمقته بنظرة صامتة أسأله بها عن سبب هذا الاجتماع المفاجئ.
تنهد مراد، ثم قال بنبرة تكشف عن رغبته في قطع الشك باليقين:ـ بص يا غفران… الشغل كله خلص، والجناح جهز، وأنا وشذا كتبنا كتابنا النهاردة عند مأذون. رغم أنني كنت أتوقع هذه الخطوة، وتحديدًا بعد كل ما رأيته، إلا أن وقع الكلمة كان كالصاعقة التي هزت ركود أيامي.
لمعت في عينيّ ومضة ألم سريعة، لكنني ابتلعتها بسرعة ، وحافظت على جمود ملامحي، مرددة في نفسي: «لقد اخترت هذا الهدوء.. لا تمنحيه فرصة ليرى ضعفك».تابع مراد حديثه وهو يراقب ردة فعلي بترقب حذر، وكأنه كان ينتظر صرخة غضب أو نوبة بكاء:ـ وعشان ماتكبرش الأمور وتعملي لي قلق، أنا اتفقت معاها إن الجواز يفضل سري ومن غير ما حد يعرف خالص.