صمت غفران حكايات اماني السيد
شذا، التي أصبحت تدير الفيلا بأكملها ، فرضت سيطرتها المطلقة على كل شيء. شعرت تدريجيًا أن موازين القوى داخل البيت قد مالت لصالحها. الخدم الذين أتعامل معهم باحترام ويهتمون بطلباتي، تغيرت معاملتهم لي بشكل ملحوظ. ففي أحد الأيام، طلبت من رئيسة الخدم تجهيز غداء معين لليوم، فنظرت إليّ بتردد واعتذرت قائلة:ـ معلش يا مدام غفران.
. أصل مدام شذا طلبت مننا من بدري نعمل أكل تاني خالص لمراد بيه ، وقالت إن ده اللي هيتطلب في البيت الفترة دي. لم تكن الكلمة وحدها هي الجارحة، بل نظرة الاستخفاف في عينيها. وفي مواقف أخرى كثيرة، كنت أطلب الطلب فلا يُنفذ، أو يُؤجل متعمداً حتى يمر اليوم، بينما أوامر شذا تُلبى في الحال وكأنها سيدة المنزل الأولى والوحيدة فيه.
أدركت حينها أنها لم تسلبني زوجي فحسب، بل أرادت أن تسلبني حتى هيبتي ومكانتي داخل بيتي، لتجعلني مجرد غريبة تعيش في زاوية منسية، بينما هي تأمر وتنهى. كنت أرى كل هذا وأستمع إلى همسات الخدم وتجاهلهم المتعمّد، فيحترق قلبي من الداخل، لكنني تذكرت وصية أمي وعهدي لنفسي بالصمت؛
فالتزمت غرفتي، رافضة أن أنزل إلى مستواهم في معارك جانبية رخيصة، وموقنة أن الظلم مهما طال أمده، فإن نهايته تكون أقسى بكثير ممّن تخيلوا. هكذا ظل الوضع يراوح مكانه أسابيع طويلة؛ أنا في عزلتي الإجبارية داخل غرفتي، أراقب بصمت كيف تحولت الفيلا إلى مملكة خاصة لشذا، ومراد غارق في وهم السعادة الزائفة والتعويض، يتهرب من مواجهة الحقيقة خلف أبواب جناحه المغلقة.
لكن دوام الحال من المحال، وفي أحد الأيام، انفتح باب الفيلا بعنف غير معتاد، وخطا مراد إلى الداخل بخطوات واسعة يملؤها الحماس . كانت ملامحه تنطق بالنشوة والانتصار، وكأن العالم بأسره أصبح بين يده. صعد إلى الأعلى مسرعًا، وراح ينادي بصوت عالٍ سمعته أرجاء الفيلا بوضوح:ـ شذا!… غفران!… انزلوا كلكم حالا.
خرجت شذا من جناحها بلهفة وابتسامة عريضة، بينما فتحت باب غرفتي بخطوات بطيئة، لأجد مراد يقف في منتصف الصالة وبيده دعوة فاخرة، وعيناه تلمعان ببريق النجاح. التفت إلينا وقال بصوت يعلوه الفخر:ـ أخيرًا… تمت الصفقة! أكبر صفقة في تاريخ الشركة، والكل بيحكي عنها.
والنهارده بليل فيه حفلة ضخمة جداً هتتعمل عشان الاحتفال باتمام التعاقد، وحضور كبار رجال الأعمال ووالدي بنفسي هيكون موجود على رأس الحضور. ثم نظر إلى شذا بابتسامة حانية، وأكمل:ـ جهزوا نفسكم كويس أوي.. السهرة دي مش مجرد حفلة عادية، دي اللحظة اللي كل تعبنا فيها هيظهر للكل، وأنا عايزكم تبقوا في أحسن شياكة، لأنكم هتحضروا معايا الحفلة دي.