لاجل نور

جوزي كان قايلي إنه لما يموت، حابب يتبرع بأعضائه عشان ينقذ حياة ناس تانية. كنت فاكرة إن دي هتبقى أخر حاجة هيديهالهم. بس بعد ما توفى، وأنا طالعة من المستشفى وخلاص ماشية، الدكتور بتاعه وقفتني في الطرقة، وقالتلي بصوت واطي جوزك ائتمنني على سر، وقالي مطلعوش غير ليكي إنتي، وبعد ما يموت بس.
بعد كده إدتني ظرف مقفول مكتوب عليه اسمي. افتكرتها جواب وداع عادي.. بس كنت غلطانة. اللي لقيته جوه الظرف غير طريقة تفكيري في جوازنا كله، وصحى جوايا أسئلة عمر ما جالي الشجاعة أسألها قبل كده. إيه السر اللي جوزي عاش كاتمه كل السنين دي؟
وليه استنى لللحظة الأخيرة عشان يعرفني عليه؟استني! أرجوكي، أوعي تخرجي من الباب ده من غير الحاجة دي!دكتور الطوارئ في مستشفى السلام بالقاهرة وقف قصادي فجأة، قبل ما أعدي بوابات الإزاز الإلكترونية بمتريين كان ماسك بين إيديه ومقرب لصدره علبة صغيرة متغطية بقطيفة سودة.
بصيت على العلبة من بين دموعي المكسورة إيه ده؟ يعني إيه الكلام ده؟رد وهو بينهج دي أخر أمانة سابها طارق حسيت بوجع في قلبي كأنه بيتخلع من مكانه تاني ما كملش ساعة ملي قلب طارق وقف فيها للأبد.
صوابعي كانت لسه بتترعش من كتر البرودة وأنا بوقع على إقرار التبرع بأعضائه. كل حرف كتبته بالقلم كان كأنه بيقطع حتة من لحمي، بس دي كانت وصيته الأخيرة اللي أصر عليها قبل ما يسيب الدنيا تلات سنين جواز. ست شهور حمل في بطني.
وسباق مرعب ومفاجئ مدته تسعين يوم. . من لحظة ما الدكتور قالنا إن المرض ملوش علاج، لحد ما الجهاز أعلن السكتة القلبية بنتنا اللي لسه ما اتولدتش تحركت بشويش جوايا. عمرها ما هتنطق كلمة بابا ولا هتناديه. عمرها ما هتحس بأمان حضنه.
ولا عمرها هتفهم حنيته وهو حاطط إيده على بطني كل ما تحس بيه بيتحرك في الضلمة في أخر أسبوعين من وقته في الدنيا، طارق بدأ يعمل اجتماعات سرية ومقفولة مع نفس الدكتور ده. أنا وقتها بدأت أضايق من السرية العجيبة دي.
بس كل ما كنت أحاول أفهم أو أسأله، كان يبوس رأسي بحنية ويهمسلي ثقي فيا يا مريم.. وثقي في ربنا وأنا.. كالعادة، وثقت فيه دلوقتي الدكتور واقف قدامي في نص الطرقة الفاضية، وبيسلمني العلبة الغريبة دي سألته بصوت مخنوق هو طلب منك إيه بالظبط؟
الدكتور بص حواليه في أركان المستشفى بحذر وشك، وبعدين قال بصوت واطي جداًحلفني بالعهد ومشدد عليا ما أسلمكيش العلبة دي غير بعد ما فريق الجراحة يخلص نقل أخر عضو من أعضائه دمي اتجمد في عروقي ليه؟! ليه كل ده؟رفض تماماً يقولي السبب.
صوت القفل المعدني بتاع العلبة اتفتح بتكة صغيرة. جوه العلبة القطيفة كان فيه كارت ميموري أحمر، ومفتاح نحاس صغير، وصورة سونار مطوية على اتنين دي كانت صورة بنتنا وهي في الشهر الخامس. وعلى ضهر الصورة، كان مكتوب بخط إيد طارق الواضح اللي أعرفه كويس لأغلى اتنين في حياتي.
إيه اللي على الكارت ده؟ سألته والوريد في حلقي بيتقطع. رد الدكتور ما تجرأتش أفتحه ليه؟عشان طارق أقسم لي إن المعلومات اللي عليه ممكن تكلف أي حد يحتفظ بيها حياته إحساس بالغمام والغم مسك في معدتي.
على نص الليل، قفلت على نفسي باب أوضة البنت اللي كنا لسه بندهنها، في بيتنا في أطراف الجيزة. إيد مساندة بطني المليانة، والإيد التانية بتركب كارت الميموري في اللابتوب ملف فيديو واحد بس كان مستني على الشاشة السودةاسمعيني للآخردوست شغل وش طارق التعبان ظهر في الضلمة.
خدوده كانت داخلة لجوه ووشه أصفر، بس عينيه كان فيها تركيز وشغف مرعب يا مريم.. لو بتشوفي الفيديو ده، قال بصوت مكسور من التعب، يبقى أنا خلاص بقيت في دار الحق.. وربنا استرد أمانته حطيت إيدي على بقي عشان أكتمل الصرخة اللي كانت طالعة من قلبي.
كمل كلامه لازم أعترفلك بحاجة صعبة أوي.. أنا ضحكت عليكِ.حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي القعدات والسرية اللي كانت بيني وبين الدكتور ما كانتش عشان العلاج ولا عشان أسلم بأمري للموت..سكت شوية وكأنه بياخد نفسه بالعافية أنا كنت ببني حصن عشان أضمن إنك تطلعي إنتي وبنتنا عايشين وبأمان.
وبعدها قال جملة خلت النفس يقطع من صدريالمرض ما كانش الحاجة الوحيدة اللي بتموتني بدأ يحكي البشاعة ببرود غريب بعد شهرين من معرفته بالمرض، اكتشف إن فيه سحب ومبالغ ضخمة بتتسرب من أموال التركة والأوقاف اللي سابهاله جده.
الاختلاس ده كان بيروح لشركة وهمية بره مصر، بيديرها المحامي والوصي القديم بتاع أبوه طارق دور ورا الموضوع في السر من غير ما حد يحس. واللي اكتشفه كان كابوس الشركة دي بقالها سنين بتعمل بوالص تأمين ضخمة على حياة الورثة المباشرين للعيلة.
. وطارق كان الدور عليه عشان يتصفى ما قدرش يحذرني لأن تليفوناتنا وبيتنا وكل تحركاتنا كانت متراقبة ومخترقة رفع طارق ورقة رسمية ومختومة قصاد كاميرا الموبايلفيه حقيقة أخيره لازم تخلي بالك منها عشان تعيشي صوته بقى جاد جداً ومرعب بنتنا حيلتها ثروة كبيرة أوي. الهوا اتجمد في حلقي.
ثروة؟ دا إحنا حتى مكنناش لسه اختارنالها اسم!جدي كان عامل وقف وحساب خاص مقفول لأول حفيد من صلبه، طارق همس. أنا ما اكتشفتش ده غير من أسابيع قليلة وكان فيه شرط قاتل في أوراق الوقف لو طارق اتوفى قبل ما الطفلة تتولد، إدارة الأموال دي كلها بترجع آلياً لوصي بتعينه العيلة.
. إلا لو طارق سجل وصي مباشر ومحدد بنفسه في الشهر العقاري قبل ما يموت وطارق كتب اسمي أنا الشاشة طفيت ورجعت نورت تاني ثانية واحدة مرعبة. وفجأة، ظهر ملف تاني على الشاشةلا تفتحيه إلا لو جوم لحد عندكإيديا كانت بتترعش لدرجة إن الماوس ما كانش راضي يظبط.
دوست مرتين بالعافية ظهر طارق تاني العرق مغرق وشه، والخوف باين في ملامحه جداً.لو الملف ده اتفتح، يبقى هما قدروا يعرفوا عن طريق الشهر العقاري إن الوصاية بقت ليكي صوت خبطة معدنية جامدة رنت وراه في التسجيل. بص بسرعة ناحية باب المكتب بتاعه.
اتسمرت في مكاني، ونفسي اتقطع. خبطة كمان هزت خشب الباب وفجأة، صوت عارفاه كويس جداً اتسرب بمنتهى الحنية المريبة من تحت البابأمي يا مريم يا حبيبتي، همست من الضلمة اللي بره الباب. افتحي يا بنتي. أنا ما كنتش قايلة لأي مخلوق عن موضوع الوقف أو الفلوس ده خالص.
لا لأمي..ولا لأبويا..ولا لأي بني آدم على وش الأرض بس الكلام اللي قالته بعد كده هو اللي خلى دمي يتحول لسمطارق سابلنا إحنا كمان نصيبنا يا بنتي.. افتحي. بصيت للعلبة القطيفة السودة الصغيرة اللي على الترابيزة قصادي.
وفي اللحظة دي، الحقيقة البشعة ضربتني زي الصاعقةطارق ما كانش بيحاول يخفف عليا صدمة موته..طارق كان بيسلحني عشان حرب ضد الناس اللي جايين ينهشوا في لحمه وورثه وأكتر حد مرعب فيهم كلهم.. كان واقف وبيخبط على بابي دلوقتي. استني! أرجوكي استني!
دكتور هشام كان بينهج بشدة، وكأنه طالع خمس أدوار جري. قفل باب الأوضة وراه بسرعة، وصوت القفل والمفتاح وهو بيلف رن في الأوضة بسكتة حادة الأخصائية الاجتماعية اللي كانت قاعدة معايا قامت من مكانها وهي مضايقة جداً دكتور هشام، تصرفك ده مش مظبوط خالص، مدام مريم في حالة حداد وما ينفعش.
..قاطعها دكتور هشام بنبرة فيها خوف ورعب واضح كسروا كل وقاره المهني اخرجي يا نادية دلوقتي! محتاج خمس دقائق لوحدي مع زوجة المرحوم.. سرية طبية قصوى.. ياللا بسرعة!نادية اتنهدت بضيق، لمت أوراقها وخرجت بسرعة من الباب الجانبي.
وأول ما الباب اتقفل، الجو الشحون والخنقة اللي في الأوضة اتقلب لخطر حقيقي بيكهرب الجو دكتور هشام.. فيه إيه؟ إيه اللي بيحصل؟ سألته بصوت بيترعش، وضباب الحزن والذهول اللي كان مغمي عينيا انشق فجأة بضربة أدريناين مرعبة.
ما ردش بكلمة. . قرب مني وطلع إيديه من ورا ضهره، وحط في كف إيدي حاجة حجمها صغير بس تقيلة.. كيس جلد بني قاسي ومقفول طارق إداني ده من تلات أسابيع.. دكتور هشام همس، وصوته كان بيترعش لدرجة إني بالعافية كنت فاهمة كلامه أصر عليا أصرار مش طبيعي.
. قاللي إني ما ينفعش أوريهولك وهو عايش، لأن اللي جوه الكيس ده هيغير كل حاجة فاكراها عن طريقة موته وعن كل اللي حواليكي.. لازم تمشي من المستشفى دي فوراً، وإياكي تروحي بيتك! اركبي عربيتك وروحي أي مكان عام فيه ناس كتير.
. اقري

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *