نظري ابتدي يرجع

لمحة نيوز
عارف. ممكن أرجع متأخر.
وبعد لحظات، أضاف
لو احتجتي أي حاجة، كلمي أختي. هي هتكون قريبة.
استغربت.
أخته كانت ساكنة في مدينة تانية، ونادرًا ما بتيجي من غير ميعاد.
سألته
هي جاية؟
اتردد لحظة.
ممكن تعدي عليكي.
وبعدين قام، وقبل ما يخرج قال
وخلي بالك من نفسك.
لما سمعت الباب بيتقفل، فتحت عيني.
ما بقاش عندي شك إن فيه حاجة كبيرة بتحصل، وإن جوزي بيحاول يجهز لكل الاحتمالات.
لكن أنا مش هفضل قاعدة أستنى لحد ما يقرر يحكي لي.
مسكت التليفون، وفتحت الكاميرا، وبدأت أصور كل ورقة في الملف. ما كنتش عايزة آخد حاجة من مكانها، ولا أغير ترتيبها، لكن كنت محتاجة أحتفظ بكل التفاصيل.
بعدها رجعت للعنوان المكتوب على الورقة.
كان المكان في منطقة قديمة على أطراف المدينة، جنب مخزن مهجور ومركز طبي صغير.
كتبت العنوان في تطبيق الخرائط، وحاولت أشوف المكان من الصور المتاحة.
ظهر مبنى من دورين، واجهته رمادية، وعلى بابه لافتة صغيرة مش واضحة.
كبرت الصورة.
قدرت أقرا كلمتين
مركز النور للتأهيل.
اتنفست ببطء.
مركز تأهيل لإيه؟
هل المكان له علاقة بحالتي؟
ولا جوزي بيخطط إنه ينقلني لمكان تاني؟
قمت من السرير، ولبست هدوم بسيطة، وطلبت عربية توصلني للعنوان.
كنت عارفة إن خروجي لوحدي مخاطرة، خصوصًا إن نظري لسه مش ثابت، لكن ما كنتش مستعدة أرجع في قراري.
طول الطريق، كنت ببص من الشباك بحذر.
الألوان كانت أوضح من الأيام اللي فاتت، لكن الوجوه البعيدة كانت لسه مشوشة.
لما وصلت، دفعت الأجرة ونزلت.
المبنى كان هادي بشكل غريب.
دخلت من الباب، ولقيت موظفة قاعدة ورا مكتب صغير.
رفعت رأسها أول ما شافتني.
حضرتك محتاجة مساعدة؟
قلت
أنا بدور على الدكتور المسؤول عن المكان.
عندك ميعاد؟
ترددت، وبعدها قلت
لأ، بس أنا زوجة الأستاذ اللي بييجي هنا.
ذكرت اسم جوزي.
ملامحها اتغيرت فورًا.
قامت من مكانها وقالت
حضرتك استني هنا دقيقة.
دخلت من باب جانبي، وبعد أقل من دقيقة رجعت ومعاها راجل في أواخر الخمسينات، لابس بالطو أبيض ونظارة طبية.
بصلي باستغراب.
إنتِ زوجة محمود؟
هزيت راسي.
أيوه.
فضل ساكت لحظة، وبعدين قال
هو قال لنا إنك مش هتيجي بنفسك.
الجملة دي كانت كفاية تخليني أفقد هدوئي.
هو قال لكم إيه بالضبط؟
الراجل اتنهد، وأشار لي أقعد.
الأفضل إننا نتصل بيه الأول.
لأ. أنا مش هكلم جوزي قبل ما أفهم أنا موجودة هنا ليه.
بصلي فترة، وبعدها قال
أنا الدكتور سامح، مدير المركز. محمود بيتابع معانا موضوع بقاله شهور.
موضوع إيه؟
سكت.
فقلت بصوت أعلى
أنا مش جاية أعمل مشكلة. أنا بس عايزة أعرف ليه اسم جوزي موجود في أوراق انفصال، وليه عنده عنوان المكان ده في شنطة سفر.
وشه اتغير.
أوراق انفصال؟
أيوه.
رجع بظهره للكرسي، وشبك إيديه.
واضح إن محمود ما عرفش يشرح لك الموضوع بالطريقة اللي كان المفروض يعملها.
حسيت إن قلبي هيقف.
يعني إيه؟ هو فعلًا ناوي يسيبني؟
الدكتور ما ردش فورًا.
وبعدين قال
أنا ما أقدرش أتكلم في تفاصيل تخص حياته الزوجية، لكن أقدر أقول لك إن وجوده هنا مش له علاقة بإنه عايز يتخلص منك.
أمال له علاقة بإيه؟
قبل ما يجاوب، الباب الجانبي اتفتح، وخرجت منه ست في منتصف الأربعينات، ماسكة ملف كبير.
أول ما شافتني، وقفت مكانها.
وبعدين قالت
حضرتك أكيد مرات محمود.
هزيت راسي.
قربت مني بهدوء، وحطت الملف على المكتب.
أنا اسمي نادية، مسؤولة المتابعة الاجتماعية هنا. ومحمود طلب مننا إننا ما نبلغكيش بأي تفاصيل قبل ما هو يكون مستعد.
مستعد لإيه؟
نادية بصت للدكتور، وبعدها رجعت بصت لي.
مستعد إنه يقول لك الحقيقة.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
كل الناس مستنية جوزي يكون مستعد، وأنا اللي حياتي بتتقرر من ورايا؟
ما حدش رد.
فتحت الملف اللي على المكتب، ولقيت صور وتقارير طبية، وأوراق فيها تواريخ وأسماء.
لكن اللي لفت نظري كان تقرير عليه اسمي.
اسمي بالكامل.
وتحته تاريخ حادث العربية اللي فقدت بعده نظري.
مسكت الورقة، وبدأت أقرا.
كان مكتوب إن الإصابة اللي حصلت لي ما كانتش بسبب الحادث وحده، وإن فيه احتمال إن بعض الأعراض اتفاقمت نتيجة مشكلة طبية ما اتشخصتش في الوقت المناسب.
حسيت بدوخة.
إيه الكلام ده؟
الدكتور سامح قرب مني.
التقرير ده قديم، ومش معناه إن حد تعمد يسبب لك الإصابة. إحنا كنا بنراجع تاريخك الطبي عشان نحدد أفضل برنامج لإعادة التأهيل البصري.
بس أنا كنت بتعالج عند دكاترة كتير!
عارف. ومحمود جاب لنا كل التقارير اللي قدر يحصل عليها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
جوزي كان بيتابع حالتي من ورايا؟
من غير ما يقول لي؟
ليه؟
نادية فتحت صفحة تانية.
محمود كان بيدفع تكاليف فحوصات إضافية، وبيحاول يوفر لك فرصة علاج متخصصة. لكنه طلب إن كل حاجة تتم من غير ما تعرفي، لأنه كان خايف تتعلقي بأمل كبير قبل ما النتائج تتأكد.
حسيت بدموعي بتتجمع.
يعني هو كان عارف إن نظري ممكن يرجع؟
الدكتور رد بهدوء
كان فيه احتمال، لكنه ما كانش مضمون.
سكت شوية، وبعدها سألته
طيب، وأوراق الانفصال؟
نادية نزلت عينيها.
الدكتور سامح اتنهد، وقال
دي أكتر حاجة لازم محمود يشرحها بنفسه.
قمت من مكاني.
لأ. أنا مش همشي من هنا من غير ما أفهم.
في اللحظة دي، تليفون نادية رن.
بصت للشاشة، وبعدها ردت
أيوه يا محمود…
سكتت تسمع.
وبعدين قالت
هي عندنا.
صوت محمود كان عالي لدرجة إني قدرت أسمعه من مكانى.
هي إيه؟!
نادية بصت لي.
هي عرفت العنوان.
سمعت صوته بيتغير.
خليها مكانها. أنا جاي حالًا.
قفل المكالمة.
نادية حطت التليفون على المكتب، وقالت
هو في الطريق.
رجعت أقعد، لكن المرة دي ما كانش عندي خوف من مواجهته.
كنت غضبانة.
مش بس عشان الورق.
لكن عشان اكتشفت إنه كان بيتعامل معايا كأني مش قادرة أتحمل الحقيقة، لمجرد إني فقدت نظري.
كنت فاقدة البصر، لكن مش فاقدة حقي في المعرفة.
بعد حوالي نص ساعة، الباب اتفتح بعنف.
دخل محمود، ووشه شاحب، وعينيه بتدور في المكان لحد ما شافني.
وقف مكانه.
بصيت له، ولأول مرة من سنتين، شفت ملامحه بوضوح كفاية إني ألاحظ قد إيه كان مرهق.
شعره زاد فيه الشيب.
وشه بقى أنحف.
وتحت عينيه هالات غامقة ما كنتش أعرف إنها موجودة.
لكنه ما كانش ده اللي وجعني.
اللي وجعني إنه بص لي كأنه شاف مصيبة.
قال بصوت مخنوق
إنتِ شايفة؟
ما رديتش.
قرب خطوة.
بصي لي كويس. إنتِ فعلًا شايفة؟
قلت ببرود
شايفة كفاية.
سكت، وبعدها بص للدكتور.
إزاي سمحتوا لها تدخل هنا؟
أنا اللي رديت
أنا مش طفلة يا محمود. ومش محتاجة حد يسمح لي أعرف اللي بيحصل في حياتي.
رجع بص لي.
كان واضح إنه عايز يقول حاجات كتير، لكنه مش لاقي بداية.
فمديت إيدي للشنطة اللي كنت جايباها معايا، وطلعت منها صورة الورقة الأولى.
حطيتها قدامه على المكتب.
ممكن تشرح لي دي؟
بص للورقة.
ولأول مرة من ساعة ما دخل، ملامحه اتغيرت بطريقة خلتني أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد قرار انفصال.
غمض عينيه، وحط إيده على جبينه.
وبعدين قال
أنا كنت ناوي أقول لك.
ضحكت بمرارة.
إمتى؟ بعد ما تمضي؟ ولا بعد ما تسيب البيت؟
رفع عينيه ناحيتي.
أنا ما كنتش ناوي أسيبك.
أمال الورق ده إيه؟
سكت طويلًا.
وبعدين قال
دي مش أوراق طلاق.
العنوان مكتوب عليه اتفاق انفصال!
عارف.
وفيه اسمي واسمك وتوقيع!
عارف.
أمال إيه؟
بص للدكتور سامح، وبعدها رجع بص لي.
وقال جملة ما كنتش متوقعة أسمعها
دي أوراق كنت بجهزها عشان أحميكي لو أنا اختفيت.
الجزء الرابع السر اللي كان محمود شايله لوحده
حسيت إن الكلمات مش داخلة دماغي.
تختفي؟ يعني إيه تختفي؟
محمود قعد على الكرسي المقابل لي، وحط إيديه على ركبتيه، كأنه بيحاول يثبت نفسه.
من حوالي سنة، اكتشفت إن الشركة اللي كنت شغال فيها متورطة في قضية مالية كبيرة.
فضلت باصة له.
شركة إيه؟ وإيه علاقة ده بيا؟
أنا كنت مدير حسابات في شركة مقاولات كبيرة. في الأول، كل اللي كان مطلوب مني مراجعة فواتير وعقود. بعد فترة، بدأت ألاحظ إن فيه مبالغ بتتحول لحسابات مش موجودة في العقود الأصلية.
وإنت عملت إيه؟
بلغت المدير المالي. قال لي إن الموضوع مجرد تسويات داخلية، وإن كل حاجة قانونية.
وصدقت؟
هز راسه.
في الأول. لكن بعد كام أسبوع، لقيت نفس التحويلات بتتكرر، وبمبالغ أكبر. ولما طلبت المستندات الأصلية، لقيت ملفات اختفت من النظام.
بدأت أفهم إنه بيتكلم عن مشكلة حقيقية، لكن ده ما كانش كفاية يفسر اللي حصل.
طيب، وإيه علاقة ده بأوراق الانفصال؟
محمود أخد نفس طويل.
أنا احتفظت بنسخ من بعض المستندات، عشان لو حصلت مشكلة أقدر أثبت إني ما كنتش مشارك. وبعدها اكتشفت إن فيه ناس عرفت إني محتفظ بالأوراق.
حسيت بقلق.
ناس مين؟
ناس من الإدارة، وناس تانية كانوا بيتعاملوا مع الشركة. مش عايز أخوفك بتفاصيل مش مؤكدة، لكن من وقتها وأنا حاسس إن فيه حد بيراقبني.
بصيت له بذهول.
وإنت ما قلتليش؟
كنت خايف عليكي.
خايف عليّا لدرجة إنك تخبي عني كل ده؟
سكت.
فكملت
إنت فاكر إني لما كنت مش شايفة، ما كنتش بفهم؟ فاكر إني عشان محتاجة مساعدتك في الحركة، أبقى مش قادرة أشاركك حياتك؟
هز راسه بسرعة.
لأ، والله ما فكرت كده.
أمال فكرت إيه؟
بص لي بعينين مليانين تعب.
فكرت إني لو قلت لك، هخليكي تعيشي في خوف. كنتِ لسه بتحاولي تتأقلمي مع فقدان نظرك، وكل يوم كان صعب عليكي. ما كنتش عايز أضيف مشكلة جديدة فوق كل ده.
فقررت تشيلها لوحدك؟
أيوه.
وبعدين قررت تجهز أوراق انفصال؟
اتنهد.
لما الموضوع كبر، المحامي قال لي إن فيه احتمال إنهم يحاولوا يضغطوا عليّا عن طريق أقرب الناس ليا. وكنت خايف إن أي حاجة تحصل لي تأثر على حقوقك أو تخليكي تدخلي في قضية مالكيش علاقة بيها.
الدكتور سامح تدخل بهدوء
محمود كان بيسأل عن إجراءات قانونية تضمن استقلالك المالي، وتضمن إن علاجك واستقرارك ما يتأثروش لو حصل له أي ظرف.
بصيت له.
لكن الورق مكتوب فيه انفصال.
الدكتور هز راسه.
لأن المحامي جهز مسودة مبدئية فيها أكتر من احتمال، ومن ضمنها تسوية قانونية لحماية ممتلكاتك وحقوقك. واضح إن محمود ما وضحش لك الفرق بين المسودة والاتفاق النهائي.
رجعت بصيت لمحمود.
يعني إنت كنت بتخطط إنك تمشي، وتسيب لي فلوس وشقة، وأنا ما أعرفش السبب؟
كنت بحاول أضمن إنك ما تخسريش حاجة لو اضطررت أبعد لفترة قصيرة.
وكان صعب عليك تقول لي ده؟
ما ردش.
حسيت إن الغضب اللي جوايا بيختلط بالحزن.
أنا ما كنتش محتاجة منه يحل كل مشاكل الدنيا.
كنت محتاجة يحترمني كفاية إنه يكلمني.
سألته
والمكان ده؟ مركز النور؟
بص للدكتور، وبعدها رجع لي.
كنت بدور على علاج لحالتك.
من إمتى؟
من ست شهور.
ست شهور وإنت بتروح وتيجي هنا من غير ما أعرف؟
كنت عايز أتأكد إن فيه فرصة حقيقية.
وإنت عرفت إني ممكن أشوف تاني؟
الدكاترة قالوا إن فيه احتمال. لكن محدش قدر يضمن النتيجة.
حطيت إيدي على عيني.
أنا كنت ناوية أفاجئك.
محمود قرب من الكرسي، لكنه وقف لما شافني رجعت بظهري.
كنت ناوية أقول لك إن نظري بدأ يرجع، وإننا نقدر نبدأ من جديد. كنت متخيلة إنك هتفرح.
صوته اتكسر.
أنا فرحان.
بصيت له.
إنت مش باين عليك الفرحة.
نزل عينيه.
عشان أنا عارف إني خذلتك.
فضلنا ساكتين لحظات.
وبعدين سألته
فيه حاجة تانية مخبيها؟
اتردد.
والتردد ده كان كفاية يخليني أعرف إن الإجابة مش بسيطة.
محمود، أنا بسألك سؤال واضح. فيه حاجة تانية؟
قال
أيوه.
قلبي وقع.
إيه هي؟
طلع من جيبه ورقة مطوية،

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *