صمت غفران حكايات اماني السيد

ظللت واقفه انظر له وهو يجبرنى على الاعتذار لعشيقته لنعتها بهذا الاسم الم يكن كلامى صحيح؟ ألم تكن هي من تطاولت، وهي من دخلت بيتي بلا استئدان، وهي من أرسلت لي صورتهما معًا لتتباهى بخراب حياتي؟

صراع عنيف دار داخل صدري بين كرامتي التي تأبى الانحناء، وبين كلمات أمي التي تتردد في أذني كصدى بعيد: «عدي الليلة… سيبيه على راحته… عشان بيتك مايخربش».نظرت إلى شذا، فوجدتها تقف متكئة بذراعين مكتوفتين على صدرها، ترقبني بنظرات تشفي واضحة، وتنتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي أنحني فيها أمامها لتؤكد لنفسها أنها أصبحت سيدة المكان.

ثم عدت بنظري إلى مراد؛ ذلك الرجل الذي أحببته، والذي استأمنته على عمري، فوقف يبيعني لأجل رضاها. شعر وجهي بنار تحرقه، لكن صوت العقل الموهوم الذي زرعته أمي في رأسي عاد ليهمس لي بأن المواجهة ستخسرني كل شيء، وأن الاعتذار قد يكون هو الثمن المؤقت لحماية ما تبقى من بيتي.

أخذت نفسًا عميقًا، وانخفضت نبرة التمرد داخل صدري رغماً عني، فخفضت عيني نحو الأرض لأسكت ذلك البركان المشتعل، وبصوت مرتعش خافت كاد يختفي بين دقات قلبي المكسور، قلت:ـ أنا… أنا آسفة يا شذا. علت وجه شذا ابتسامة نصر متغطرسة، والتفتت إلى مراد وكأنها تثبت له تفوقها الكامل، بينما تنحنح هو براحة مزيفة، وقال بنبرة جافة وكأنني لم أكن سوى عائق صغير وتم تجاوزه:ـ كويس إنك عقلتي يا غفران.

.. دلوقتي انا مبسوط أننا هنبقى اسره واحده من غير مشاكل لم تنطق شفتاي بحرف واحد إضافي. استدارت قدماي بخطوات بطيئة وثقيلة، وكأنها تسحب معها أطنانًا من خيبات الأمل. توجهت الى غرفتى ، وما إن تجاوزت عتبة غرفتي حتى أغلقت الباب خلفي بقوة مرتعشة، واستندت بظهري إليه.

هناك، في عتمة الغرفة وبعيدًا عن أعينهم، انفجر سد الصبر الذي أرهقني طوال الأيام الماضية. انزلقت على الباب جالسة بركبتي نحو الأرض، وأطلقت لدموعي العنان دون توقف. كنت أبكي بحرقة وقهر على كرامتي التي تنازلت عنها بنفسي، وعلى كلماتي التي ابتلعتها قسراً، وعلى تلك النصيحة القاتلة التي اتبعتها بحذافيرها ظنًا مني أنها ستنقذ بيتي، فإذا بها تبنيه على ج.

ثتي.

مرت الساعات ثقيلة كالجبال. كانت أصواتهم تصلني من الخارج بوضوح؛ ضحكات شذا الواثقة، وتعليقات مراد التي تحمل نغمة الاهتمام التي طالما حرمت منها، وحركة مهندس الديكور وهو يغير ملامح بيتي الذي أفرغت روحي في ترتيبه.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *