سر الدولاب القديم حكايات مني السيد
لمحة نيوز
لورا نص خطوة وهو بيقول بصوت مخڼوق أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم!
شوفت يا ابني؟! شوفت الکاړثة اللي جريتها برجلي لبيتنا؟! أسماء عيطت، والدموع نزلت حامية على خدودها وهي بتفتكر عيالها ومستقبلهم هنروح في داهية.. الشرطة هتيجي تكلبشنا ويقولوا إحنا اللي قتلناهم.. يا وقعة سودة يا رب!
كريم ركز في النور أكتر. مكنش في ريحة عفن ولا زفارة مۏت. الريحة اللي طالعة كانت غريبة أوي.. ريحة خشب صندل قديم، مع ريحة نفتالين قوية نفاذة بتلسع في المناخير، وشوية تراب متخزن من نص قرن.
الولد دقق عينيه أكتر في الوش اللي عينيه مفتوحة ومتبت في كشاف الموبايل.
وفجأة، كريم وطى المقشة اللي في إيده.. وقرب خطوة تانية.
أوعى يا كريم! أوعى تلمس حاجة يا ابني!
استني يا أمي.. استني بس وبصي معايا كدة..
كريم مد إيده ومد كشاف التليفون لآخر دراعه جوة الضلفة. النور وضح التفاصيل اللي العتمة كانت خافياها
الوش الأبيض الصافي مكنش جلد مېت.. كان بورسلين ناعم ومصقول بلمعة غريبة كأنها شمع. العينين اللي كانت باصة لأسماء مكنتش عيون بني آدم، دي كرات زجاجية زرقا معمولة بحرفية تخوف، والرموش شعر طبيعي رفيع جداً ملزوق شعرة شعرة. والشعر اللي نازل على الكتاف كان كستنائي تقيل، متضفر على الطريقة القديمة بتاعة زمان.
دي مش چثة يا أمي.. دي.. دي عروسة!
أسماء بصت له بذهول كأنها مش مستوعبة
عروسة إيه اللي بحجم البني آدم دي يا كريم؟! أنت بتضحك عليا عشان تهديني؟
والله العظيم عروسة! تعالي شوفي بنفسك..
أسماء مسكت نفسها وقامت على حيلها بالعافية، رجليها كانت بتخبط في بعض، وقربت جنب ابنها وهي ماسكة في كتفه.
كريم مد إيده بجرأة ولمس طرف الإيد المتدلية. مكنتش إيد لحم ودم، كانت إيد معمولة من عجين الخشب والبورسلين المبطن بقماش محشو قطن وكتان، واللبس اللي عليها كان فستان مخملي كحلي منفوش، مطرز بسيرما دهبي تقيلة شغل يدوي بتاع هوانم زمان، وتحته جيبونة كذا طبقة تيل ودانتيل أبيض مقلوب لونه للبيج من كتر الركنة.
أسماء مسكت صدرها وخدت نفس طويل كأن روحها كانت طالعة ورجعت لها تاني
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.. وقعت قلبي في رجليا! ده أنا شوفت حبل المشنقة في ثانية واحدة!
٢. سر الضلف المقفولة
لما الړعب هدي، الفضول خد مكانه.
كريم ساعد أمه وفتحوا الضلفة التانية على وسعها. الدولاب مكنش فيه عروسة واحدة؛ كان فيه أربع عرايس كبار، طول الواحدة يجي متر أو أكتر شوية، معمولين بحجم أطفال حقيقيين، وكل واحدة فيهم ليها ملامح ولبس مختلف تماماً عن التانية.
واحدة لابسة فستان سواريه حرير من موضة الأربعينات ومطرز بلولي صغير، وواحدة لابسة لبس بناتي قديم زي اللي كانوا بيلبسوه بنات الذوات في مدارس الراهبات زمان، وواحدة رابعة نايمة في قاع الدولاب، متكفنة بقماش قطيفة نبيتي، وشها متغطي بمنديل تل أبيض رقيق.
مين المچنون اللي يعمل عرايس بالحجم ده ويحبسهم في قفص؟ كريم قالها وهو بيهرش في راسه ومستغرب شكلهم يقلق يا أمي.. عينيهم دي كأنهم هينطقوا ويقوموا يمشوا.
ده شغل خواجات يا ابني.. مش لعب عيال من اللي بتتباع في العتبة والموسكي بثلاثين جنيه، أسماء قالتها وهي بتمشي صوابعها بحذر على القماش الناعم اللي كأنه لسه جديد شوفي التطريز والخياطة.. مفيش فتلة طالعة برة، والبورسلين ده نقي جداً.. أنا ياما شوفت مجلات قديمة عند
صاحب المشتل اللي بشتغل عنده، كان بيجيب كتب عن الديكورات الفرنساوي عشان الحدائق، التحف دي ليها ناسها.
في اللحظة دي، الباب بتاع الشقة اتوارب، وطلت منه منة وهي شايلة طبق فيه غسيل ناشف، ووراها هناء وحسن بيجروا ورا بعض
ماما! إيه الصوت اللي كان برة؟ كريم عمل إي…
منة سكتت والطبق وقع من إيدها على عتبة الحوش، والهدوم اتنطرت. التوأم جريوا يستخبوا ورا ضهر أختهم الكبيرة وهما بيشاوروا على الدولاب
عفاريت يا ماما؟! في عفاريت جوة الدولاب؟!
تعالوا هنا بس ومتبقوش خوافين، أسماء ندهت عليهم بنبرة هادية وبتربت على كتافهم دي عرايس خشب ولعب قديمة.. محدش ېخاف.
الأطفال قربوا بالراحة، الفضول غلب الخۏف عندهم، وبدأت هناء تمد إيدها الصغيرة تلمس طرف فستان العروسة اللي لابسة كحلي
شعرها حقيقي يا ماما.. شكلها زي سندريلا بتاعة الكرتون، بس حزينة أوي.
أسماء اتنهدت، وفي وسط الزحمة دي لاحظت حاجة في أرضية الدولاب. لما كريم حرك العروسة المتكفنة بالقطيفة النبيتي عشان يعدلها، سمعوا صوت خشب بيتحرك تحتها.
استنى يا كريم.. متنزلهاش.
أسماء وطت بجسمها، ولمست القاع الخشبي بتاع الدولاب. كان فيه لوح خشب أرو سميك، بس لما ضغطت عليه من طرفه الشمال، الطرف اليمين ارتفع سنتيمتر لفوق.
ده سحارة سرية! كريم قالها وعينيه وسعت.
أسماء رفعت اللوح الخشبي بحرص شديد عشان متكسرش المجرى بتاعته. وتحت اللوح، مكنش فيه دهب ولا مجوهرات زي ما كريم اتخيل في أول لحظة.. كان فيه علبة سېجار نحاس قديمة أوي متأكسدة بلون أخضر، وجنبها كيس قماش كتان مربوط بدوبارة، وجواهم دوسيه كرتون مقوى مربوط بشريطة ستان بهت لونها وبقى رمادي.
قلب أسماء دق تاني، بس المرة دي دقات فضول وخوف من المجهول.
شالت العلبة والدوسيه، وقعدت على كرسي خيزران قديم في الصالة، والعيال كلهم اتلموا حواليها على الطبلية زي الفراشات حوالين اللمبة.
فتحت الدوسيه الكرتون بالراحة، طلعت منه أوراق كتيرة.. شهادات مكتوبة بالفرنساوي ومختومة بأختام شمع أحمر بيضاوي، وعليها تواريخ قديمة جداً، أقدم تاريخ فيهم كان سنة ١٩٣٦. كانت شهادات أصالة من شركة فرنسية مشهورة في باريس اسمها Jumeau، وشهادات تانية ألمانية عليها رسمة نسر وكلمات مش مفهومة.
لكن في وسط الأوراق دي كلها، كان في جواب مكتوب على ورق أبيض مسطر ومكتوب بحبر سائل أزرق، خط عربي رقعة منمنم ومنسق جداً، كأن اللي كاتبه كان بيكتب رسالة ملكية.
أسماء عدلت نضارة القراءة الضعيفة بتاعتها، وبدأت تقرأ بصوت واطي والكل ساكت بيسمع
٣. حكاية الست شريفة هانم
إلى من يقع هذا الدولاب بين يديه.. أياً كنت وأياً كان الزمان الذي تقرأ فيه هذه الكلمات.
أعلم أنك قد ترتعب حين ترى هذه الوجوه الصامتة، لكن أرجوك باسم الإنسانية وباسم كل أم فقدت فلذة كبدها، لا تؤذِ هذه الدمى ولا تدع يد الجهل تمزقها أو تلقي بها إلى النيران.
هذه الدمى لم تكن يوماً مجرد خشب وشعر مستعار وبورسلين ناعم. هذه كانت روح ابنتي الوحيدة نادية، التي اختطفها مرض السل وهي في سن الحادية عشرة، في خريف عام ١٩٥٢، قبل أن ترى حلمها في أن تصبح فنانة تشكيلية يتحقق.
بعد مۏتها، أظلمت الدنيا في عيني، وضاقت بي جدران فيلتي في حي مصر الجديدة. لم يبقَ لي من ريحتها إلا هذه الدمى النادرة التي كان والدها، المغفور له كمال باشا ذو الفقار، يجلبها لها من رحلاته إلى باريس وفيينا وبرلين. كانت نادية تمضي الساعات تحيك لهن الفساتين، وتصفف شعورهن، وتتحدث إليهن كأنهن شقيقاتها اللاتي لم تلدهن أمها.
وحين اشتد
بي المړض وعلمت أن أيامي باتت معدودة، ورأيت أعين الورثة من أقارب زوجي تتربص بكل ركن في البيت كذئاب جائعة، لا يبحثون إلا عن سبائك الذهب وعقود الأراضي وسيارات الأوستن، وأيقنت أنهم سيحطمون