سر الدولاب القديم حكايات مني السيد

غرفة ابنتي ويبيعون ذكرياتها بالبخس في سوق الجمعة أو يلقونها في القمامة ليتقاسموا المتر والمكعب، لم أجد ملاذاً لستر هذا الإرث إلا أن أودعه في هذا الدولاب.
أمرت النجار الأرمني أرتين أن يصنع له قفلاً مستعصياً، وسحارة مخفية لا يعلم سرها إلا الله، وأوصيت حارس العقار الأمين أن يخرجه من الفيلا فور وفاتي إلى مخزن قديم بعيد عن أعينهم.
إن وصلت إليك هذه الدمى، فاعلم أن قيمتها التاريخية والمادية كفيلة بأن تبدل حال أسرة بأكملها من الفقر إلى الغنى، فالشهادات المرفقة تثبت أنها من أندر مجموعات الخزف الفرنسي من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. خذها.. بعها لمن يقدرها.. أطعم بها أولادك واستر بها بيتك، لكن تذكر في صلاتك ودعائك روح ابنتي نادية، وترحم على أم لم تجد في خريف عمرها من تودعه سرها غير الخشب والأوراق الصامتة.
شريفة عبد الحميد ذو الفقار شتاء ١٩٧٨
سكتت أسماء، وكان صوت شخير خفيف طالع من الشارع مع صوت بياع روبابيكيا بعيد بينادي على الحديد القديم.
منة كانت حاطة إيدها على خدها والدموع بتلمع في عينيها
يا حبيبتي يا نادية.. يعني هي ماټت وهي صغيرة كدة زينا؟ والست دي فضلت حابسة العرايس دي كلها السنين دي كلها عشان مفيش حد يرميهم؟
كريم مكانش مركز في الدراما والدموع قد ما ركز في جملة واحدة في الجواب
أمي.. قريتي الجملة دي؟! كفيلة بأن تبدل حال أسرة بأكملها من الفقر إلى الغنى! أنتي فاهمة ده معناه إيه؟!
أسماء بصت للجواب وللأوراق بحيرة وخوف
معناه إيه يا كريم؟
معناه إن الدولاب ده مكنش مرمي في الژبالة صدفة! أكيد المخزن اللي الست شريفة كانت شايلاه فيه اتهد، أو الورثة الجداد باعوا العمارة القديمة، والعمال رموا الكراكيب في المقلب بتاع الژبالة وهما مش عارفين إن جواه كنز! يا أمي العرايس دي تمنها يجيب ألوفات.. يمكن عشرات الألوفات!
وطي صوتك يا ولد! أسماء نترته بحدة وهي بتبص على شباك الصالة اللي بيبص على المنور الحيطان ليها ودان، وإحنا يدوب لسه داخلين المنطقة على قشر بيض، لو حد سمعك ولا شم خبر إن دخل بيتنا حاجة ليها قيمة، مش هنخلص من عنين الناس ولا من طمع اللي يسوى واللي ميسواش!
حسن الصغير شد طرف جلابية أمه وقال ببراءة
يعني يا ماما هنشتري شيبسي ولحمة كل يوم ومش هتاكلي عيش حاف؟
كلام الواد نزل على قلب أسماء زي المية الساقعة. فكرت في كل جنيه كانت بتشيله من يوميتها في المشتل، في الشتا اللي داخل والعيال معندهمش غير كوتشيات مقطعة وبناطيل دايبة ومرقوعة، في حيطة الصالة اللي بتنقط مية من الرطوبة ومحتاجة تتقشر وتتعالج بمحارة وأسمنت، في فواتير الكهربا والمية اللي طالعة ونازلة، وفي كرامتها اللي دست عليها حماتها لما طردتها في نص الليل ورمت شنطهم في الشارع.
بس الخۏف كان أكبر.
محدش يفتح بقه بكلمة برة البيت، أسماء بصت للعيال الأربعة بعينين حازمة اللي هيجيب سيرة الدولاب ولا العرايس دي قدام جار، ولا في مدرسة، ولا حتى قدام ابن عمه.. هعتبره مش ابني! فاهمين؟
العيال هزوا روسهم برهبة، حتى كريم بلع ريقه وسكت.
٤. ضړبة من الماضي
يوم الأحد الصبح، نزلت أسماء على شغلها في المشتل زي العادة، بس عقلها مكانش معاها. كانت
ماسكة المقص بتقلم شجر الفيكس وبتسقي أحواض الصبار، بس عينيها بتسرح كل دقيقة.
صاحب المشتل، الحاج عبد الرازق، راجل ستيني طيب وله هيبة، كان تاجر نباتات قديم وشاطر، وعنده زباين من أتقل هوانم وباشوات القاهرة اللي بيحبوا يفرشوا جناين الفلل بتاعتهم في التجمع وأكتوبر والشيخ زايد بنباتات ظل نادرة.
وهو بيمر عليها، لاحظ إنها بتقص فرع سليم من شجرة دراسينا
جرى إيه يا ست أسماء؟ الشجرة عملت فيكي إيه عشان تقصي قلبها كدة؟
أسماء انتبهت بسرعة ورجعت المقص لورا باعتذار
حقك عليا يا حاج عبد الرازق.. السهو خدني بس وڠصب عني.
اللي واخد عقلك يتهنى به.. بس إنتي مش عوايدك تسرحي. العيال فيهم حاجة تعبانة؟ محتاجة سلفة من المرتب وأنا تحت أمرك؟
ربنا يبارك في عمرك يا حاج ويصلح حالك، لا والله العيال بخير ونعمة الحمد لله.. بس هي الدنيا وضغوطها.
كانت على تكة وهتسأله.. كان لسانها هياكلها عشان تقوله يا حاج، متعرفش حد بيفهم في التحف والأنتيكات بتاعة زمان؟ بس مسكت نفسها في آخر لحظة. الحاج عبد الرازق راجل طيب، بس برضه كلمة تجر كلمة، وسرها لو خرج برة باب بيتها مش هتعرف ترجعه تاني.
رجعت العصر على الخانكة، شايلة في إيدها كيس فيه شوية بطاطس وخضار، ونفسها رايقة شوية إنها هتدخل تطبخ لعيالها وتشوف هيتصرفوا إزاي في الدولاب.
أول ما دخلت الشارع الصغير بتاعهم، حست بحاجة مش طبيعية.
كان فيه عربية تاكسي بيضا واقفة قدام مدخل البيت القديم، وشوية نسوان من الجيران واقفين في البلكونات بيبصوا وبيتساسروا، وعيال الحارة ملمومين بيتفرجوا.
قلب أسماء اتقبض. سرّعت خطواتها، وأول ما عدت البوابة بتاعة البيت ولقت باب شقتها مفتوح على مصراعيه، سمعت الصوت اللي مكنتش تتمنى تسمعه في كوابيسها
أنا بقولك أهو يا نرجسية، الشقة دي اتدفعت من ډم ابني ومن لحمه ودمه، وإنتي هنا قاعدة تتهني وتنعنشي وتشتري وتبيعي من ورانا؟!
نيفين.
حماتها كانت واقفة في نص الصالة، لابسة عبايتها السودا الټفتا ونضارتها الشمسية شايلاها على راسها، وجنبها واقف مدحت، ابن أختها، شاب صايع وعاطل وشغال بعربية كبوت في الموقف، عينه بتلف في الصالة كأنه بيثمن العفش.
وكريم كان واقف قدامهم، فارغ دراعاته وحابس إخواته ورا ضهره، وعروق رقبته هطق من الڠضب
اخرجي برة يا ستي ومتقلّيش أدبك على أمي في بيتنا!
بيتك مين يا ابن طارق؟! الشقة دي لولا قرشين التأمين بتوع أبوك المرحوم مكانتش أمك عرفت تشم ريحتها! جايبانا في الخړابة دي ومستخبية وفاكرة إن محدش هيعرف يوصلك؟!
أسماء رمت كيس الخضار على الأرض ودخلت زي اللبؤة اللي بتدافع عن أشبالها. وقفت قدام نيفين، وكان في عينيها قوة نيفين نفسها اتفاجأت بيها
خير يا نيفين هانم؟ إيه اللي جابك لحد هنا، وإزاي تدخلي بيتي وأنا مش فيه؟!
نيفين رجعت نص خطوة لورا، بس استعادت جبروتها بسرعة
جيت أخد حق ابني اللي سرقتيه! طارق طول عمره كان مديون لي بمية ألف جنيه كنت مدياهم له سلف لما جه يجدد عربيته اللي اتقلبت بيه، وماټ ومسددهمش! وإنتي بفلوس التأمين نزلتي استوليتي عليها واشتريتي شقة وسيبتيني أنا أضرب كف على كف!
مدحت قرب خطوة وقال بصوت رخيم ولزج
يا مرت خالي.. الست خالتو مغلطتش، والفلوس دي حق شرعي في رقبة طارق، وإحنا مش خارجين من هنا إلا لما نتفق يا تدفعوا المبلغ يا تبيعوا الشقة دي وناخد نصيبنا بالمعروف بدل ما نقلبها محاكم وقضايا حصر تركة!
أسماء ضحكت بسخرية، ضحكة ۏجع ممزوجة پقهر
حق مين يا
نيفين؟ طارق كان بيديكي نص مرتبه وإنتي عارفة، وماټ مديون لطوب الأرض من كتر طلباتك وعمايلك! ولما جيت أستأذنك نقعد في شقتك شهر واحد بس لحد ما أدبر حالي، رمتينا بالشنط الژبالة في نص الليل وطردتي عيال ابنك كأنهم شحاتين! جاية دلوقتي تشمي على ريحة ورث ملوش وجود؟!
هتدفعي يا أسماء.. هتدفعي ورجلك فوق

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *