سبت مقعدي لست الكبيره بقلم ساندي احمد
أنتِ! هاتي السلسلة يا مريم قبل ما تتخربي بينا!
مش هاديك حاجة لحد ما أعرف الحقيقة كاملة. إما تقولي لي منين جبتها، أو أنا هوديها لمختبر تحاليل، وهما هيقولولي بالظبط إيه المادة الغريبة اللي بتطلع منها.
كلمة مختبر تحاليل نزلت عليه كالصاعقة. تراجع خطوة لورا، وبدا وكأنه فقد توازنه. في تلك اللحظة، تذكرت كل الأشياء الغريبة اللي مرت بيها الفترة الأخيرة محادثاته الهاتفية السرية في الحمام، خروجه ليلاً ويرجع الصبح بملابس معطرة برفان مش بتاعه، ازدياد ضغطه النفسي عليا لبيع بيت جدتها.. كل الخيوط بدأت تتجمع مع بعضها، وصورة مرعبة بدأت تتضح في ذهني.
أروح أشوف شغلي.. وأنتِ فكري كويس قبل ما تدمرّي حياتنا بإيدك.
قالها بلهجة ټهديد واضحة، ودار على كعبه وخرج من الشقة مسرعًا، قافلاً الباب وراه بقوة رعبتني.
بقيت لوحدي في المطبخ، أتنفس بصعوبة. نظرت للسلسلة في الكوباية.. المادة اللزجة الصفراء ما زالت تخرج من القفل الصغير ببطء، كأنها دموع سوداء لشيء مكسور. مسكت تليفوني بيد مرتعشة، واتصلت بالرقم اللي كان في جيبي من يوم ما الست نزلت من الأتوبيس.. لقد كتبته على ورقة صغيرة وأنا مش عارفة ليه، كأن حد دفع إيدي لذلك. رن مرة.. واتنين.. وثلاثة، ثم جاني صوتها الهادئ والحكيم
أخيرًا اتصلتي يا بنتي.. كنت بانتظر مكالمتك من الصباح. خدي بالك من نفسك، ولا تخبريه بشيء. قابلني النهاردة بعد الشغل في العنوان اللي هبعتهولك رسالة.. الحقيقة أثقل من ما تتخيلي.
الجزء الثالث
خرجت من الشغل في المساء، واتجهت للعنوان اللي أرسلته لي. كان بيتًا قديمًا ورثته عن عائلتها في حي شعبي هادئ. فتحت لي الباب الست نفسها اللي قابلتها في الأتوبيس، وبوجهها ابتسامة دافئة حزينة. جلستني في صالة صغيرة مليئة بالكتب والأوراق القديمة، وبيدها كوب شاي دافئ.
اسمي سيدة زينب.. وأنا عمت طارق.
كلماتها نزلت عليا كالصاعقة. فتحت فمي متفاجئة، قبل ما أقدر أتكلم أكملت
أخوه الكبير، أبو طارق، كان متجوز أمي لفترة قصيرة قبل ما يميت في حاډثة. طارق كان صغيرًا وقتها، وأمي رفضت تربيه معايا، سلمته لجدة
قاسېة كانت بتعامله بسوء. كبر وهو بيحمل في قلبه حقدًا على الدنيا كلها.. وبالأخص على الستات اللي كان يشوفهم سبب معاناته.
أخرجت من درج مكتبها ظرفًا سميكًا، وسلمته لي
دخل في طريق مظلم من سنين. بدأ يتعامل مع أشخاص خطرين، وغرق في ديون كبيرة. لما عرف إنك تملكين بيت جدتك بقيمته 3 مليون، حاول يقنعك تبيعه بالحسنى لما رفضتي، بدأ يفكر في خطة أبشع. السلسلة دي ما هي إلا أداة لچريمة مدروسة.. المادة اللي خرجت منها هي سم بطيء المفعول، يتسرب للجلد ببطء، وتظهر أعراضه كأنه مرض طبيعي لا يمكن اكتشافه عادةً.
دمعي نزلت غصبًا عني، ورجليا ما حملتنيش وقعدت على الكرسي
يعني هو.. هو كان عايز ېقتلني؟ عشان ياخد البيت؟
المال مش كل شيء يا بنتي.. كان بيكرهك لأنك كنتِ الأفضل منه، لأنك كنتِ تشتغل وتجتهد وهو قاعد، لأنك كنتِ صالحة وهو غارق في الخطايا. البيت كان مجرد ذريعة.. إثبات لنفسه إنه قادر يأخذ منك كل شيء.
فتحت الظرف ووجدت تقارير طبية، وتسجيلات صوتية، وأوراقًا تثبت كل ما قالت طارق كان قد استشار محامًا لكيفية الحصول على ميراثي في حال وفاتي، واتفاقه مع شخص مجهول لجلب السلسلة المسمۏمة.
لماذا فعلتِ كل ده من أجلي؟ وأنتِ ما تعرفيني إلا من رحلة أتوبيس؟
سألتها بصوت مخڼوق. مسحت على كتفي بيدها الدافئة وقالت
لأن زوجة أخي قټلتها نفس الطريقة قبل 20 سنة.. لم أستطع أن أنقذها، لكنني استطعت أن أنقذكِ. رأيتكِ في الأتوبيس وأنتِ تعطينني مقعدك بكل تواضع وطيبة، وعرفت أنكِ تستحقين الحياة أكثر من أي شخص آخر.