يوم طلاقي

النسخة الأصلية من التقرير، وإنتِ اللي رفضتي توقّعي على مستند طبي كان ممكن يغيّر تفاصيل الواقعة.
افتكرت وقتها الأيام اللي كنت فيها شغالة في المستشفى العسكري. فعلًا، كان فيه ملف قديم وصلني، ولاحظت إن بعض البيانات مش متطابقة. لكني وقتها ماكنتش أعرف إن الموضوع بالحجم ده.
قلت بذهول
أنا ماكنتش أعرف إن التقرير اتغيّر بالشكل ده!
عمر هز راسه.
عارف. إنتِ ماكنتيش طرف في أي تلاعب. بالعكس، إنتِ كنتِ من الناس القليلة اللي تمسكت بالحقيقة، حتى لما اتعرضتي لضغط علشان تسكتي.
أحمد ضړب بإيده على الترابيزة.
كفاية اټهامات! أنا مش هسمح لحد يشكك في خدمتي العسكرية!
عمر ما رفعش صوته.
محدش بيشكك في خدمتك. إحنا بنتكلم عن مستند رسمي محتاج مراجعة، وعن حق شخص اتظلم. والتحقيق هو اللي هيحدد المسؤولية.
الجملة الأخيرة خلت أحمد يسكت.
لأول مرة من ساعة ما عرفته، شفته عاجز عن الرد.
أما نادين، فكانت بتبص له پصدمة، وكأنها بتشوفه لأول مرة.
بعد ما الضابط خرج بالملف، عمر الټفت ناحيتي وقال
يلا يا سلمى، لازم نكشف على رجلك.
لكن أحمد وقف في طريقنا.
استني يا سلمى!
وقفت، من غير ما أبصله.
قال بصوت أقل حدة
إحنا ممكن نتكلم لوحدنا؟
رديت
مفيش حاجة بينا تستاهل الكلام يا أحمد. إحنا وقّعنا الطلاق، وكل واحد بقى حر في حياته.
قال بسرعة
أنا مش بتكلم عن الجواز. أنا بتكلم عن اللي حصل النهارده. إنتِ عارفة إني كنت مضغوط، وإن نادين كانت…
قاطعته
لأ، أنا مش عارفة يا أحمد. ومش عايزة أعرف.
بصلي بذهول، فكمّلت
طول تلات سنين، كل مرة كنت بتجرحني فيها، كنت بتدور على سبب يبررلك اللي عملته. لو سبتني، كنت مضغوط. لو أهنتني، كنت متعصب. لو صدقت نادين وكذبتني، كنت بتقول إنك بتحاول ترضي الطرفين.
خدت نفس عميق، وكملت
لكن عمرك ما سألت نفسك أنا كنت حاسة بإيه. عمرك ما فكرت إني إنسانة، مش مجرد زوجة المفروض تستحمل كل حاجة وتسكت.
أحمد نزل عينيه للأرض.
ولأول مرة، ما لقيش رد يقوله.
نادين حاولت تتدخل
يا سلمى، إحنا كلنا غلطنا، ومش لازم نكبر الموضوع…
بصيت لها وقلت
أنا مش بكبر الموضوع يا نادين. أنا بس بطلت أصغّره علشان يناسبكم.
وساعتها، عمر مد إيده ليا، وساعدني أمشي.
خرجنا من المبنى، وسابنا أحمد واقف مكانه.
في العربية، عمر ما سألنيش عن أحمد، ولا حاول يعرف إذا كنت لسه بحبه ولا لأ.
كل اللي عمله إنه اتصل بطبيب، وحدد ميعاد للكشف على رجلي.
وبعدها سألني
أكلتي حاجة النهارده؟
هزيت راسي بالنفي.
ابتسم وقال
كنت متوقع. هنعدي على مكان هادي، تاكلي فيه، وبعدها نروح البيت.
بصيت له باستغراب.
البيت بتاع مين؟
ضحك بهدوء.
بيتنا يا سلمى، لو لسه موافقة على وعدك.
سكتّ شوية، وبعدين قلت
عمر، أنا خارجة من تجربة صعبة، ومش عايزة أدخل حياة جديدة لمجرد إني أهرب من اللي فات.
ملامحه بقت جادة، وقال
وأنا مش عايزك تتجوزيني هروبًا من حد. أنا عايزك تختاريني وإنتِ مطمئنة. لو محتاجة وقت، هديكي وقتك. ولو عايزة نأجل أي خطوة، أنا موافق.
الكلام ده خلاني أحس بحاجة مختلفة تمامًا.
أحمد كان دايمًا بيخليني أحس إن لازم أثبت له إني أستحق حبه.
أما عمر، فكان بيديني مساحة أكون فيها نفسي، من غير ما أعتذر عن كل نفس باخده.
قلت له بابتسامة صغيرة
أنا مش محتاجة أهرب يا عمر. أنا محتاجة أبدأ صح.
ابتسم وقال
يبقى نبدأ صح.
بعد الكشف، طلع إن كاحلي محتاج راحة وتثبيت لفترة، وإن الأفضل ما أحملش عليه وزن كتير.
عمر وصلني لبيت أختي، لأنها كانت عارفة بموضوع الطلاق، واتفقنا إننا ناخد وقتنا في تجهيز حياتنا الجديدة.
لكن قبل ما يمشي، سلّمني ظرف صغير.
سألته
إيه ده؟
قال
افتحيه لما تكوني لوحدك.
وبعد ما خرج، فتحت الظرف.
لقيت جواه صورة قديمة ليا، وأنا واقفة قدام المستشفى العسكري، ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط إيده
إلى سلمى، الإنسانة اللي علمتني إن القوة مش في الرتبة، ولا في الأوامر، ولا في إن الناس تخاف منك. القوة الحقيقية إنك تفضل أمين حتى لما محدش بيبص عليك.
أنا ما نسيتش اليوم اللي وقفتي فيه جنب إنسان غريب من غير ما تسأليه مين هو، ولا اليوم اللي دافعتي فيه عن الحقيقة من غير ما تعرفي إن ده ممكن يكلّفك كتير.
أنا مش جاي أنقذك، لأنك عمرك ما كنتِ ضعيفة. أنا جاي أمشي جنبك، لو إنتِ اخترتي إننا نكمل الطريق سوا.
فضلت ماسكة الورقة، ودموعي بتنزل من غير صوت.
ماكانتش دموع حزن المرة دي.
كانت دموع راحة، بعد سنين طويلة من محاولة إرضاء شخص عمره ما شاف قيمتي.
لكن اللي ماكنتش أعرفه، إن أحمد في نفس اللحظة كان بيرجع مكتبه، وبيفتح درج قديم مقفول من سنين.
كان بيدور على مستند واحد، لو ظهر، ممكن يغيّر كل حاجة.
ولما لقى الدرج فاضي، اتصل بنادين بعصبية وسألها
إنتِ أخدتي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *