يوم طلاقي
مش هنفترض إنك غلطانة، ولا هنفترض إن أحمد بيقول الحقيقة لمجرد إنه شاف ورقة. لازم نعرف أصل المستند جه منين.
هزيت راسي، لكن القلق فضل مسيطر عليّا طول الليل.
كنت خاېفة من حاجة واحدة إن غلطة قديمة، حتى لو حصلت من غير قصد، تبوظ حياتي الجديدة قبل ما تبدأ.
تاني يوم، رحنا للجهة المسؤولة عن مراجعة الملف.
كان فيه محقق مستنينا، ومعاه نسخة من المستند اللي أحمد اتكلم عنه.
أول ما حط الورقة قدامي، حسيت إن الډم انسحب من وشي.
اسمي كان موجود فعلًا، وتحته توقيع يشبه توقيعي.
لكن اللي خلاني أشك إن فيه حاجة غلط، كان التاريخ المكتوب أعلى الصفحة.
التاريخ ده كان قبل الواقعة بأيام، في وقت كنت فيه في إجازة مرضية، ومش موجودة أصلًا في المستشفى العسكري.
قلت للمحقق
أنا ما وقعتش على الورقة دي في التاريخ ده. ومش هقدر أأكد إذا كان التوقيع ده توقيعي من غير ما يتفحص فنيًا.
المحقق هز راسه وقال
وده الإجراء الصحيح. هنطلب فحص المستند ومقارنة التوقيع بنماذج أصلية ثابتة.
عمر ما اتدخلش في التحقيق، وما حاولش يستخدم رتبته علشان يضغط على حد.
اكتفى إنه قال
المهم إن كل حاجة تتراجع بشكل محايد، ومن غير ما يتم اتهام أي شخص قبل ظهور النتيجة.
خرجنا من المكتب، وأنا حاسة إن الحمل اللي على صدري أخف شوية.
على الأقل، محدش طلب مني أعترف بحاجة ما عملتهاش.
لكن قبل ما نوصل للعربية، جالي اتصال من أختي.
قالتلي بقلق
سلمى، فيه راجل واقف تحت البيت، وبيقول إنه زميل قديم ليكي من المستشفى. مصمم يقابلك، ومعاه ظرف باسمك.
قلبي دق بسرعة.
سألتها
اسمه إيه؟
قالت
كريم منصور.
بعد أقل من ساعة، كنت قاعدة قدام كريم في صالة بيت أختي.
كان شكله مختلف عن الصورة القديمة اللي شفتها في الملف. ملامحه بقت أكبر، وفي وشه آثار سنين صعبة، لكنه كان هادي وواضح إنه جاي لسبب مهم.
حط الظرف على الترابيزة وقال
أنا آسف إني ماوصلتلكيش بدري يا دكتورة سلمى. لكن بعد ما التحقيق اتفتح، عرفت إن فيه مستند باسمك، وحسيت إن لازم أجيلك بنفسي.
سألته
إنت تعرف مين اللي حط التوقيع ده؟
رد بحذر
ماقدرش أتهم حد من غير دليل. لكن عندي نسخة من خطاب قديم يثبت إن ملف الواقعة اتنقل من مكتب لمكتب، وإن فيه صفحات اتضافت بعد تاريخ إعداد التقرير الأصلي.
فتح الظرف وطلع صورة من خطاب رسمي.
كان فيه أرقام تسجيل وتواريخ مختلفة عن اللي موجودة في النسخة اللي اتعرضت عليّا.
عمر راجع الورقة، وبعدين قال
الخطاب ده لازم يتقدم رسميًا للمحقق، علشان يتأكد من صحته ومصدره.
كريم وافق، وبعدها بصلي وقال
فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا ما رجعتش أطالب بحقي علشان أضر أحمد الكيلاني. أنا رجعت لأن اسمي اتشال من تقرير كنت ممكن أموت بسببه، ولأن ناس كتير صدقت رواية مش كاملة.
سألته
وإنت عرفت إني كنت بحاول أراجع المستندات؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
عرفت من ملاحظاتك القديمة. كنتِ الوحيدة اللي كتبت إن فيه اختلاف بين التوقيتات، وإن بعض البيانات محتاجة مراجعة. لو كنتِ سكتّي وقتها، كان ممكن محدش يرجع للملف ده تاني.
الكلام ده خلاني أفتكر قد إيه كنت وقتها مرهقة، وقد إيه كنت بحاول أعمل شغلي بأمانة وسط ضغوط ماكنتش فاهمة أسبابها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
كريم طلع ورقة تانية، وقال
أنا مش عارف إذا كانت الورقة دي مرتبطة بالتوقيع اللي ظهر باسمك، لكن لقيتها ضمن المستندات اللي احتفظت بيها قبل ما الملف يتقفل.
كانت الورقة عبارة عن طلب مراجعة داخلي، مكتوب فيه إن فيه اختلافات في التقرير، وإن لازم يتم الرجوع للنسخة الأصلية قبل اعتماد أي نتيجة نهائية.
وفي آخر الصفحة، كان فيه توقيع موظف مسؤول عن استلام الطلب.
اسم الموظف كان اسم شخص أعرفه كويس.
كان شخص اشتغل مع أحمد لسنين طويلة، وكنت بشوفه باستمرار في المستشفى.
بصيت لعمر وقلت
أنا أعرف الراجل ده. بس مش فاهمة إيه اللي يخليه يغيّر مستندات بالشكل ده.
عمر رد
لسه ما نعرفش إذا كان غيّرها فعلًا، ولا كان مجرد مسؤول عن استلامها. لازم نسيب التحقيق يحدد ده.
لأول مرة، بدأت أفهم إن الحقيقة مش دايمًا بتكون بسيطة زي ما بنتخيل، وإن وجود اسم شخص على ورقة مش معناه إنه مذنب.
بعد يومين، وصلنا إخطار رسمي بنتيجة الفحص الأولي.
التوقيع الموجود على المستند المشكوك فيه لم يكن متطابقًا بشكل كافٍ مع نماذج توقيعي الأصلية، واحتاج الأمر لاستكمال الفحص الفني قبل إصدار نتيجة نهائية.
أما الخطاب اللي قدمه كريم، فتم التأكد من وجود سجل إداري له، وبدأت اللجنة تراجع مسار انتقال الملف بين المكاتب.
الخبر ده طمّنني، لكنه ما أنهى القضية.
في المساء، أحمد اتصل بيا مرة تانية.
المرة دي، ما ردتش عليه بعصبية، ولا حتى حسيت بالرغبة إني ألومه.
قلتله
لو عندك معلومة تخص المستند، قدمها للمحقق. أنا