اخو جوزي
يوم السبت.
وقبل ما يعدّي أسبوع كامل، أخوه الوحيد كان أخد آخر محصول توم تعب فيه وباعه.
ودلوقتي، بقى بيتكلم عن بيع بيتنا ومزرعتنا وكأن الموضوع خلاص اتحسم ومفيش منه مفر.
كنت عايزة أسأله إزاي قدر يبقى مستهتر بالشكل ده بحاجة كانت مهمة أوي بالنسبة لينا.
لكن كنت مرهقة.
تقريبًا مابنمتش من ساعة ۏفاة توم.
وماكنتش قادرة أتحمل خناقة جديدة.
عشان كده، شبكت إيديا ببعض وقلت له
شكرًا يا دوين إنك اهتميت بالموضوع.
هز راسه، وبان عليه إنه راضي عن نفسه.
لكن قبل ما يقوم، سألته السؤال اللي كنت مأجّلاه
مين اللي اشترى القش؟
دوين شكله اتبسط إنه قدر يبيع المحصول بالسرعة دي، ورد من غير أي تردد
أرلين خد 80 بالة.
هزيت راسي.
كمل وقال
وجين بوكورني اشترى 100 بالة.
سألته
والباقي؟
رد
ال بالة اللي فاضلين اشتراهم الزوجين الشباب اللي ساكنين على الطريق.
أنا كنت أعرف كل واحد من الناس دول.
أرلين كان عنده 78 سنة، واشتغل في الزراعة في المقاطعة دي لعقود طويلة.
وكان يعرف توم من سنين عمره تقريبًا.
وفي جنازة جوزي، كان واقف جنبي عند القپر، وماسك دراعي برفق لما حس إني مش قادرة أفضل واقفة على رجلي من شدة الحزن.
أما جين بوكورني، فكان هو كمان مزارع قديم ومعروف في المنطقة.
والزوجين الشباب كانوا لسه بادئين مشروعهم الزراعي الخاص من فترة قريبة.
ولا واحد فيهم كان غريب عننا.
دول جيراننا.
ناس عارفين أنا وتوم تعبنا قد إيه عشان نبني المزرعة دي.
بصيت لدوين وسألته
إنت قلت لهم إيه عن سبب بيع القش؟
لأول مرة، بان عليه التوتر.
ودانه بدأت تحمر.
قال
قلت لهم إنك بتبيعي كل حاجة وبتقفلي المزرعة.
فضلت قاعدة مكاني من غير ما أتحرك.
وسألته
يعني قلت لهم إني هبيع البقر كمان؟
هز كتافه وقال
ما هو ده غالبًا اللي هتعمليه.
في اللحظة دي، فهمت كل حاجة.
الناس اللي اشتروا القش ماكانوش يعرفوا الحقيقة.
كانوا فاكرين إن فيه أرملة قررت تنهي شغلها في تربية الماشية، وإنها بتبيع المحصول لأنها مش هتحتاجه تاني.
وكانوا متخيّلين إنهم بيساعدوني لما يشتروا العلف اللي خلاص مش محتاجاه.
ولأن دوين أخو توم، وثقوا في كلامه وصدقوا تفسيره.
أخدت نفس طويل وقلت له
دوين، أنا هديك فرصة تصلّح اللي عملته.
عقد حواجبه وسألني
إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
قلت بهدوء
أنا عايزة كل بالة ترجع أرضنا قبل يوم الأحد.
ملامح وشه اتغيّرت.
كملت كلامي
لو رجّعتهم، نقدر نحل الموضوع بيننا بهدوء. ومش لازم الموضوع يكبر أو تحصل مشاكل أكتر من كده.
هز راسه بعناد وقال
القش اتباع خلاص يا كارين.
رديت عليه
يبقى لازم تتواصل مع الناس اللي اشتروه.
زق الكرسي لورا وقام واقف.
وقال بحدة
البيع تم وانتهى. مش هرجع في كلامي.
بصيت له، وهو فضل باصص لي للحظات.
وبعدين اتجه ناحية الباب.
وبعد ثواني، باب السلك اتقفل وراه بصوت عالي.
فضلت قاعدة مكاني.
كنت سامعة صوت التلاجة وهي شغالة، ومن بعيد، كانت فيه عربية بتعدّي على الطريق الرئيسي.
كل حاجة حواليا كانت عادية بشكل غريب، رغم إن مستقبلي كله كان بقى مهدد ومش واضح.
بعد كام دقيقة، دخل ابني بن، اللي عنده 17 سنة، من الورشة.
كان قابض إيديه بعصبية.
بص لي وقال
ماما، لازم تتصلي بالشريف.
رفعت عيني وبصيت له.
كان سمع من الكلام ما يكفي عشان يفهم عمه عمل إيه.
قال پغضب
ده أخد القش بتاعنا! بابا هو اللي تعب فيه. دوين مالوش أي حق إنه يبيعه.
ابني ماكانش غلطان.
القش كان ملك مزرعتنا.
ودوين أخده وباعه من غير إذني.
ومفيش أي تفسير ممكن يغيّر الحقيقة دي.
لكن أنا كنت لسه ډافنة جوزي من كام يوم.
ماكنتش قادرة أتحمل فكرة إن أخوه يتقبض عليه قدام العيلة كلها.
وماكنتش عايزة بن يشوف رجال الشرطة وهما بيحطوا الكلبشات في إيد عمه، ولسه زهور
جنازة أبوه موجودة في صالة بيتنا.
والأهم من كده، إن القضية القانونية مش هتحل المشكلة اللي بتواجهني دلوقتي.
ممكن تحاسب دوين على اللي عمله.
لكن مش هترجّع القش لمخزننا.
التحقيق الجنائي ممكن ياخد أسابيع أو شهور.
لكن البقر بتاعنا محتاج أكل، مهما الإجراءات القانونية طولت.
الشتاء مش هيستنى حد.
ولا الأربعين بقرة اللي معاهم عجولهم هيقدروا يستنوا لحد ما القضية تخلص.
أنا كنت محتاجة المحصول يرجع قبل ما الجو يتغيّر.
وده كان أهم عندي بكتير من إني أنتقم من دوين.
قمت من مكاني واتجهت ناحية أوضة الأحذية والملابس اللي جنب الباب الخلفي.
بالطو الشغل القديم بتاع توم كان لسه معلّق في مكانه.
كان بيلبسه كتير لدرجة إن أطراف الأكمام اتقطعت شوية، والجيوب بقت متهدلة من كتر الاستخدام.
مديت إيدي جوه واحد من الجيوب.
ولقيت كشكوله الصغير لسه موجود.
توم كان بياخده معاه في كل مكان.
كان بيسجّل فيه حالة الأرض، ومعلومات البقر، والمصاريف، والحاجات اللي لسه محتاجة تتعمل في المزرعة.
فتحته بحرص.
آخر ملاحظة كانت بتاريخ يوم الاتنين.
اليوم اللي سبق ۏفاته.
وبخطه اللي كنت أعرفه كويس، كان كاتب
الأرض الشمالية، ال فدان، خلصت حصدها. المحصول تقيل ووفير. يكفي بقر كارين، وهيفضل منه كمان.
قرأت الكلمات دي مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين مرة تالتة.
كان بيفكر في البقر بتاعنا.
وفي العلف اللي هنحتاجه في الشتاء.
وفي إنه يتأكد إن عندنا قش كفاية عشان المزرعة تفضل شغالة.
حتى في آخر أيام حياته، كان لسه بيشتغل عشان يأمّن مستقبلنا.
نزلت وقعدت على أرض المطبخ.
بالطو توم كان فوق رجليّ.
وفجأة، اڼفجرت في العياط.
ماكنتش بعيط على القش وبس.
كنت بعيط عشان وحشني جوزي.
وعشان ابني مش هيشتغل جنب أبوه تاني أبدًا.
وعشان الراجل اللي وعدني إنه هيفضل يحميّنا ويراعيّنا، مبقاش موجود.
وعشان كنت مړعوپة إن كل حاجة أنا وتوم بنيناها طول السنين تضيع مني، قبل ما ألاقي طريقة أحافظ بيها عليها.
فضلت قاعدة فترة طويلة، حاضنة بالطوه.
وفي الآخر، مسحت دموعي.
وبصيت للكشكول مرة أخيرة.
توم ما سابليش مزرعة وبس.
هو سابلي سبب يخليني أقاوم وأحاول من جديد.
وعرفت إني لسه ماينفعش أستسلم.
بعد الضهر، خرجت ناحية الطاحونة الهوائية القديمة.
كان نبات الراوند مزروع بكثافة جنب الجنينة.
قطفت كمية كفاية عشان أعمل تلات فطائر.
وبعدين رجعت المطبخ.
حضّرت العجينة.
وجهزت الحشو.
وفضلت أخبز لحد ما ريحة الفاكهة الدافية والعجين الطازة ملأت البيت كله.
فطيرة كانت لأرلين.
والتانية لجين بوكورني.
والتالتة للزوجين الشباب اللي اشتروا ال بالة الباقيين.
لأن في المكان اللي أنا اتربيت فيه، ماكنش من عادتنا نروح لحد ونطلب مساعدته من غير ما ناخد معانا حاجة بسيطة.
خصوصًا لما نكون رايحين نفتح موضوع صعب وممكن يسبب خلاف.
ولما خلصت الخَبز، كانت الساعة قربت من الواحدة بعد نص الليل.
نمت كام ساعة بس.
وفي الساعة تمانية الصبح، كنت واقفة على باب بيت أرلين، وفي إيدي أول فطيرة.
فتح الباب وهو لابس قميص فلانيل قديم.
ابتسم وقال بحفاوة
كارين! يا أهلاً، دي مفاجأة جميلة.
رفعت الفطيرة وقلت له
قلت يمكن تحب تاكل حاجة معمولة في البيت.
وشه نور من الفرحة.
وقال
اتفضلي، ادخلي جوه.
دخلت وراه للمطبخ.
حط الفطيرة على الترابيزة، وعلى طول قطع حتتين كبار.
قعدنا قصاد بعض.
استنيت لحد ما أخد أول قضمة.
وبعدين حطيت الشوكة بهدوء وقلت
أرلين، فيه حاجة لازم أحكيهالك بخصوص القش اللي اشتريته من دوين.
رفع عينيه وبص لي.
أخدت نفس وقلت
أنا مش ببيع المزرعة.
ملامحه اتغيّرت.
كملت كلامي
وكمان أنا ما اديتش دوين أي إذن إنه يبيع القش ده.
نزل أرلين الشوكة من إيده ببطء.
قلت له
أنا ماوصلنيش
دولار واحد من الفلوس اللي اتدفعت في البيع.
فضل باصص لي پصدمة وقال
يا كارين…
هزيت راسي وقلت
أنا مش جاية أتهمك بأي حاجة. أنا عارفة إنك كنت فاكر إن البيع قانوني وإن كل حاجة ماشية بشكل سليم.
وبعدين صوتي بدأ يهتز وأنا بكمل
لكن