اخو جوزي

البالات دي كانت آخر محصول توم حصده بإيده.
سكتّ لحظة، وبعدين قلت
هو خلص حصد ال فدان الشمال في اليوم اللي قبل ۏفاته. وحتى كتب في كشكوله إن القش هيكفّي البقر طول الشتاء.
للحظات، محدش فينا اتكلم.
نزلت عيني وبصيت لإيديا.
وقلت له
أنا مش جاية أطالبك إنك ترجعلي ال بالة اللي اشتريتهم.
أرلين فضل ساكت.
كملت
أنا كل اللي كنت عايزاه إنك تعرف الحقيقة، وإنك تسمعها مني أنا شخصيًا.
أرلين حط الشوكة جنب الطبق ببطء.
وفضل يتأمل وشي لفترة طويلة.
ماكنتش عارفة إذا كان متضايق، ولا مصډوم، ولا بيحاول يقرر يقول إيه.
وفجأة، زق الكرسي لورا وقام واقف.
مشي ناحية حيط المطبخ.
ومد إيده ناحية القبعة القديمة الباهتة المعلّقة في مسمار.
شال القبعة.
وبعدين لف وبص لي تاني.
وفي اللحظة دي، ماكنتش أعرف إن الخطوة اللي أرلين كان على وشك يعملها هتغيّر مستقبل مزرعتنا بالكامل.
حكايات_زيزي
لكن اللي حصل بعد كده كان أكبر بكتير من مجرد رجوع القش… لأن أرلين كان عنده تصرّف في باله، وأنا ماكنتش أتخيّل أبدًا إنه ممكن يعمل حاجة بالشكل ده.
أرلين شال القبعة القديمة من على الحيطة، ولبسها، وبعدين رجع بصلي وقال بصوت هادي
كارين، إنتِ قولتي إنك مش جاية تطلبي مني أرجّع القش، صح؟
هزيت راسي وقلتله
أيوه، أنا بس كنت عايزاك تعرف الحقيقة.
بص ناحية الفطيرة اللي لسه نصها في الطبق، وبعدين رجع بصلي تاني.
طيب، أنا هقولك حاجة، وإنتِ اسمعيني للآخر قبل ما تردي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قال
أنا أعرف توم من قبل ما إنتِ تتجوزيه أصلًا. اشتغلنا جنب بعض سنين، وكنت بشوفه وهو بيبدأ من الصفر، لحد ما قدر يبني المزرعة اللي عنده دلوقتي. عمري ما شفته بيتهرب من مسؤولية، ولا شفته بياخد حق حد.
سكت لحظة، وبعدين كمل
ولما دوين جه يعرض عليّا القش، قال لي إنك إنتِ اللي طلبتي منه يبيعه، وإنك مش هتقدري تكملي في المزرعة بعد مۏت توم.
حسيت بۏجع في صدري.
حتى بعد مۏت جوزي، دوين ما اكتفاش إنه باع المحصول من غير إذني، ده كمان استخدم اسمي عشان يقنع الناس إن اللي عمله كان بطلب مني!
أرلين كمل كلامه
أنا صدقته، يا كارين. مش عشان كلامه كان مقنع، لكن عشان هو أخو توم، وماجاش في بالي إنه ممكن ېكذب في حاجة زي دي.
نزلت عيني وقلت
أنا مش عارفة أعمل إيه يا أرلين. البقر محتاج العلف ده، ولو ماقدرتش أوفّر بديل قبل الشتاء، ممكن أخسر كل اللي أنا وتوم تعبنا فيه.
أرلين ما ردش على طول.
راح ناحية التليفون القديم اللي فوق الرخامة، ورفع السماعة، وبدأ يدور في كشكول صغير على رقم.
سألته باستغراب
إنت بتكلم مين؟
رفع إيده كأنه بيطلب مني أستنى.
وبعد ثواني، قال في التليفون
صباح الخير يا جين. أنا أرلين. محتاجك تيجي عندي حالًا، ومعاك الفواتير اللي دفعتها امبارح.
سكت يسمع الرد، وبعدين قال
أيوه، الموضوع يخص القش اللي اشتريته من دوين. فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تعمل أي تصرف.
قفل السماعة، ولف ناحيتي.
جين جاي في الطريق.
حسيت بإحراج شديد.
قلت بسرعة
أنا مش عايزة أسبب مشاكل لحد. الناس دفعت فلوسها، ومش ذنبهم إن دوين كڈب عليهم.
أرلين قرب الكرسي وقعد قدامي.
وده بالظبط السبب اللي مخليني عايز جين ييجي. محدش فينا لازم يدفع تمن كڈبة أخو توم.
وبعدين مد إيده ناحية جيب قميصه، وطلع ورقة صغيرة مطوية.
فتحها وحطها قدامي.
كانت ورقة عليها أرقام مكتوبة بخط إيده، وتحتها حسابات لأسعار القش في المزارع المجاورة.
قال
أنا عارف إن دوين باعلكم القش بسعر أقل بكتير من سعر السوق. وعارف كمان إن ال بالة اللي عندي
مش هتكون كفاية لوحدها عشان أعوّضك عن اللي حصل.
بصيت له باستغراب.
تعوّضني؟ يا أرلين، أنا ماطلبتش منك تعوّضني عن حاجة.
رد بحزم
وأنا ماقولتش إنك طلبتي. أنا اللي بقولك إننا لازم نلاقي حل.
في اللحظة دي، خبط حد على الباب.
أرلين قام وفتحه، ودخل جين بوكورني وهو شايل ملف بني كبير تحت دراعه.
كان باين عليه إنه جاي مستعجل.
بص لي وقال
كارين، أنا آسف جدًا. لو كنت أعرف إن القش اتاخد من غير إذنك، ماكنتش اشتريت بالة واحدة.
قلتله
إنت ماكنتش تعرف. دوين قال لكم إني ببيع كل حاجة.
فتح الملف، وطلع منه إيصال البيع.
أنا دفعت تمن ال بالة كامل، ومعايا الإيصال. وكنت فاكر إن دوين عنده تفويض منك.
أرلين أشار له يقعد، وبعدين قال
طيب، خلينا نبدأ من هنا. إحنا التلاتة عارفين إن كارين محتاجة القش، وإن دوين ماكانش عنده إذن يبيعه. السؤال دلوقتي نقدر نرجّع المحصول إزاي من غير ما نخسر وقت أكتر؟
جين شبك إيديه وقال
أنا عندي مكان فاضي في المخزن. أقدر أرجّع البالات كلها على المقطورة النهارده، بس لازم أعرف مين هيتحمل مصاريف النقل.
قبل ما أرد، أرلين قال
أنا هتحمل مصاريف نقل البالات بتاعتي.
جين بص له باستغراب.
أرلين كمل
وكمان هساعد في نقل البالات اللي عندك يا جين، لحد ما نرجّعها لأرض كارين.
حسيت إن دموعي هتنزل.
قلت
يا جماعة، أنا مش عايزاكم تخسروا فلوسكم بسببي.
جين هز راسه وقال
إنتِ مش السبب يا كارين. إحنا اللي صدقنا كلام دوين من غير ما نتأكد منك.
لكن أرلين رفع إيده، وطلب مننا نسكت لحظة.
لسه فيه مشكلة أكبر.
بصيت له.
قال
الزوجين الشباب اللي اشتروا ال بالة، أنا اتصلت بيهم من شوية. الراجل قال لي إنهم نقلوا البالات لمكان تاني الصبح، وإن فيه حد جه يعرض عليهم يشتريهم بسعر أعلى.
جين عقد حواجبه.
مين اللي عرض عليهم؟
أرلين بص لي قبل ما يرد.
دوين.
حسيت إن الډم انسحب من وشي.
يعني أخو جوزي ماكانش ناوي يبيع القش ويخلص الموضوع وبس.
كان لسه بيتحرك، وبيحاول يستفيد من المحصول مرة تانية!
سألت أرلين
هو قال لهم إيه؟
رد
قال لهم إن فيه مشتري مستعد يدفع أكتر، وإنهم لو سلّموه البالات النهارده، هيدفع لهم الفرق كاش.
جين ضړب بإيده على الترابيزة.
ده معناه إنه عارف إن فيه مشكلة، وبدل ما يصلّحها، بيحاول يحرّك القش من مكان لمكان!
أرلين قام وقف، ولبس معطفه.
كارين، إنتِ هتفضلي هنا لحد ما نرجع. مش عايزك تروحي تواجهِي دوين لوحدك.
لكن أنا قمت من مكاني فورًا.
لأ، أنا لازم أروح أشوف بن.
أرلين سألني
ماله بن؟
قلتله
هو في البيت مع جدوله وشغل المزرعة، ولو دوين رجع هناك، مش عايزاه يدخل معاه في خناقة.
جين قام هو كمان.
أنا هروح معاكي.
وبعد أقل من عشر دقايق، كنا راكبين عربية جين، متجهين ناحية المزرعة.
طول الطريق، كنت ببص من الشباك على الأراضي اللي توم كان بيحب يلف فيها كل صباح.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة هواجهها بعد مۏته هي إني أتعلم أعيش من غيره.
ماكنتش أعرف إن أصعب حاجة ممكن تكون إني أحمي كل اللي سابهولي من أقرب الناس ليه.
لما وصلنا، لقيت بن واقف قدام الورشة، وإيده ماسكة موبايله.
أول ما شافني، جري ناحيتي.
ماما، عمي دوين كان هنا من شوية!
قلبي وقع.
عمل إيه؟
قال وهو بيحاول يسيطر على غضبه
كان عايزني أمضي على ورق، وقال إن ده مجرد إجراء عشان نسهّل بيع المزرعة لو قررنا نبيع بعدين.
بصيت له پصدمة.
وإنت مضيت؟
هز راسه بسرعة.
لأ طبعًا! قلتله إني مش همضي على أي حاجة من غير ما أوريهالك الأول.
أرلين نزل من العربية وقرب مننا.
الورق معاك يا بن؟
بن
طلع ورقتين مطويين من جيب الجاكيت، واداهمله.
أرلين فتحهم، وبدأ يقرا.
في البداية، ملامحه كانت عادية.
لكن كل ما كان بيكمل قراءة، وشه كان بيتغير أكتر.
جين قرب منه وسأله
فيه إيه؟
أرلين ما ردش.
فضل باصص للورق، وبعدين رفع عينيه وبص لي.
كارين، لازم تشوفي ده بنفسك.
مد إيده وناولني الورقتين.
كانت أول ورقة عبارة عن تفويض بيسمح لدوين يتصرف في بعض ممتلكات المزرعة، لكن اللي خلاني أتجمد في مكاني كان السطر اللي تحت التوقيع.
اسم توم.
وتحته تاريخ أقدم من يوم ۏفاته بشهرين.
بصيت للتوقيع مرة واتنين.
كان شبه توقيع جوزي.
لكن فيه حاجة غلط.
توم كان دايمًا بيكتب آخر حرف في اسمه بطريقة معينة، وده ماكانش موجود في الورقة.
رفعت عيني لأرلين وسألته بصوت مبحوح
إنت شايف اللي أنا شايفاه؟
هز راسه ببطء.
أيوه.
بن قرب مننا وقال
عمي قال إن بابا كان مدي له الورق ده من زمان، وإنه كان بس مستني الوقت المناسب عشان يستخدمه.
إيدي بدأت ترتعش.
لو الورقة دي حقيقية، يبقى فيه حاجة لازم أفهمها.
ولو مش حقيقية، يبقى الموضوع أكبر بكتير من سړقة المحصول.
قلبت الورقة التانية.
ولقيت فيها اسم محامٍ، ورقم ملف، وتاريخ موعد محدد بعد يومين.
لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتلف بيا، كان اسم الشخص المكتوب في خانة صاحب الطلب.
ماكانش اسم دوين.
كان اسم توم.
وتحت الاسم، مكتوب بخط واضح
طلب نقل ملكية جزء من المزرعة إلى طرف آخر.
فضلت باصة للكلمات، ومش قادرة أستوعب معناها.
توم كان بيخطط يبيع جزء من أرضنا من غير ما يقولي؟
ولا حد استخدم اسمه عشان يجهّز حاجة أكبر؟
أرلين خد الورقة من إيدي، وقراها بنفسه مرة تانية.
وبعدين قال جملة خلت بن يبص له پصدمة
أنا أعرف المحامي ده يا كارين… وكنت فاكر إن الملف ده اتقفل من سنين.
سألته وأنا حاسة إن نفسي بيتسحب مني
ملف إيه؟
أرلين سكت شوية، وبعدين بص ناحية البيت القديم.
قبل ما توم يتجوزك، حصل خلاف كبير بينه وبين دوين على أرض المزرعة. واللي أعرفه إن توم رفض وقتها يوقّع على أي تنازل.
وقف لحظة، وبعدين كمل
لكن لو الورق اللي في إيدك مرتبط بنفس الخلاف، يبقى فيه سر توم ماحكاش عنه لحد… حتى إنتِ.
في اللحظة دي، رن موبايل جين.
بص على الشاشة، ولما شاف اسم المتصل، رفع عينيه لينا.
ده الزوج الشاب اللي اشترى ال بالة.
رد على المكالمة، وفضل يسمع من غير ما يتكلم.
وبعد ثواني، وشه اتغيّر تمامًا.
قال بصوت عالي
استنى! إنت بتقول إن دوين رجع ومعاه عربية نقل؟ وإنه طلب ياخد البالات من غير ما يدفع الفرق اللي وعدك بيه؟
سكت يسمع الرد، وبعدين قال
ما تسيبوش ينقل أي حاجة لحد ما نوصل.
قفل المكالمة، وبص لنا.
دوين دلوقتي عندهم… ومعاه راجل بيقول إنه المشتري الجديد، وإن عنده ورق يثبت إن المحصول بقى ملكه.
بصيت لأرلين.
أرلين قبض إيده على الورقتين، وقال بحزم
يبقى لازم نتحرك دلوقتي. لأن لو القش اختفى مرة تانية، مش هنكون بنحاول نرجّع المحصول بس… هنكون بنحاول نعرف مين اللي بيلعب بمستقبل المزرعة كلها.
ركبت مع جين، وبن ركب ورا، وأرلين طلع عربيته وبدأ يمشي قدامنا.
وأنا طول الطريق، كان سؤال واحد بيلف في دماغي
إيه اللي كان دوين عايز يخبيه لدرجة إنه مستعد يزوّر ورق باسم أخوه المتوفّي؟
لكن أول ما وصلنا للمكان، وشفت الراجل الغريب واقف جنب عربية النقل، ماسك ملف أسود وبيتكلم مع دوين، عرفت إننا دخلنا في حكاية أكبر بكتير من اللي كنت متخيلاها.
لأن الراجل ده، أول ما شافني نازلة من العربية، ساب الكلام مع دوين، وبص لي مباشرة، وقال
إنتِ
كارين؟ أخيرًا قابلتك. أنا بقالي شهرين بحاول أوصلك، لكن جوزك كان مصرّ إنك ما تعرفيش أي حاجة عن الاتفاق اللي بيننا.
يتبع…
وقفت مكاني، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
بصيت للراجل الغريب وقلتله
اتفاق إيه اللي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *