حكايات السيد
الجزء الثاني حكايات مني السيد حصري
صوت قفلة باب العمارة رن في ودني زي صوت حاد. فضلت واقف على عتبة باب الشقة المفتوح، باصص على بير السلم الضلمة، ودقات قلبي بتدق في صدري بخوف حقيقي.. لأول مرة من خمس سنين، أحس إن البيت فضي من روحه، وإن السكوت اللي مالي الحيطان مش راحة، ده فراغ ثقيل.
قفلت الباب بضهر إيدي، وسندت عليه وأنا بنزل على الأرض بالراحة لحد ما قعدت، ودفنت راسي بين ركبي. الأفكار كانت بتطحن في دماغي طحن.. ازاي كنت أعمى كده؟ ازاي البني آدم يقنع نفسه إنه عادل وحكيم، وهو في الحقيقة كان أكبر ظالم للإنسانة الوحيدة اللي أمنته على نفسها وعمرها؟!
صوت كحة أمي المكتومة قطعت السكوت.. رفعت راسي، لقيتها لسه قاعدة على الكنبة، ضهرها محني، ووشها دبلان، كأنها في الساعة دي كبرت عشر سنين فوق عمرها.
قربت منها بخطوات تقيلة، وقعدت تحت رجليها في الأرض. مسكت إيديها اللي بتترعش، وبصيت في عينيها وسألتها بصوت مخنوق: ليه يا أمي؟ ليه مقولتليش من أول يوم؟ ليه سيبتيني أعيش السنين دي كلها وأنا حاسس إن سلمى هي اللي بتنكد علينا، وإنكم انتوا المظلومين؟! ده طارق ده كان بياخد مني فلوس ويقولي بمشي أموري، وفي نفس الوقت واكل دهب مراتي وذاللها بيه! وأختي.. أختي اللي كنت بقطع من لحمي عشان أراضيها في كل مشكلة مع جوزها، تمد إيدها على مراتي في بيتي وأنا مش هنا؟!
أمي دموعها نزلت سخنة على إيديا، ومسحت على راسي بصوت باكي: الخوف والغيرة عَمُوا عيني وعَمُوا قلبي. أول ما اتجوزت، حسيت إنك بعدت، وإنك بقيت ملك لواحدة تانية. ولادك لما بيكبروا ويتجوزوا، الشيطان بيوسوس للأم إن مرات الابن دي غريبة جاية تاخد شقا عمرها. طارق ونهى كانوا عارفين النقطة دي فيا، فكانوا يملوا وداني عليها، وأنا أصدق عشان أريح غيظي. بس ورب العرش يا ابني، كل مرة كنت أظلمها فيها، كانت سلمى تصغرني بأصلها.. عمري ما شوفت منها قلة أدب ولا طول لسان، لحد إمبارح.. إمبارح أنا اللي دوست على كرامتها بقسوة لما عيرتها بأبوها المتوفى، وهي كان لسه في جيبها علبة دوا جايباهالي بفلوس كانت محوشاها لنفسها!
كلام أمي كان زي كلام ثقيل بيتكب على جرحي. وقفت على حيلي والغضب اشتعل في عروقي.. الحزن والندم اتقلبوا فجأة لغضب عارم، غضب مش هيهدى غير لما كل واحد في العيلة دي يدفع تمن الظلم اللي ارتكبه.