حكايات محمد عبده
الجزء الثاني: السر اللي اتدفن لمدة خمسة وتلاتين سنة
ساد الصمت في المكان، لدرجة إن صوت المطر اللي بيخبط على الشبابيك بقى أوضح من أنفاس الناس اللي قاعدين حوالين السفرة.
الحاج صلاح فضل واقف مكانه، باصص لمراته كأنه أول مرة يشوفها. أما الحاجة سعاد، فكانت بتترعش، ودموعها بتنزل على خدودها، لكنها المرة دي ما حاولتش تخبي ضعفها ولا تتراجع عن كلامها.
قال صلاح بعصبية وهو بيحاول يستعيد سيطرته:
— إنتِ بتتكلمي عن إيه يا سعاد؟ مش وقته الكلام الفاضي ده!
ردت عليه بصوت مكسور:
— الكلام الفاضي؟ أنا قضيت خمسة وتلاتين سنة مستنية منك إجابة واحدة! خمسة وتلاتين سنة وأنا كل ما أفتكر اللي حصل، أحس إن قلبي بيتعصر من الوجع!
جاسر قام من مكانه بسرعة وقال:
— ماما، إنتِ بتعملي إيه؟ النهارده عيد ميلاد بابا، مش وقت فتح مواضيع قديمة!
بصت له أمه، وقالت:
— أهو نفس الكلام! كل مرة حد في العيلة يتوجع، تقولوا مش وقته. كل مرة واحدة تطلب المساعدة، تقولوا استحملي شوية. لحد إمتى هنفضل ساكتين؟
كنت واقفة جنب نهى، حاطة إيدي حوالين كتفها عشان أسندها. لكن أول ما سمعت كلام الحاجة سعاد، حسيت إن في حاجة أكبر بتحصل قدامي.
بصيت لصلاح وقلت:
— مع احترامي ليك، بنتي مش قادرة تقف على رجليها. إحنا لازم نمشي المستشفى حالًا، وبعدها كل واحد يحكي اللي عنده.
لكن قبل ما أتحرك، نهى شهقت من الألم ومسكَت بطني.
— ماما… الوجع زاد!
في اللحظة دي، كل الكلام انتهى. سندتها بسرعة، وجاسر قرب منها، لكن بدل ما يساعدها، فضل يسألها بارتباك:
— إيه اللي حصل؟ إنتِ كنتِ كويسة من شوية!
صرخت فيه لأول مرة:
— كويسة إزاي؟ دي من ساعة ما خرجنا وهي بتشتكي! إنت كنت سامعها ورافض تقف عشان حفلة أبوك!
جاسر سكت، وبص للأرض. أما الحاج صلاح، ففضل واقف مكانه، كأن اللي بيحصل قدامه مش كفاية عشان يتحرك.
الحاجة سعاد كانت أول واحدة تمد إيدها تساعدني. جابت شالها ولفته حوالين كتف نهى، وقالت لي:
— خديها المستشفى يا فاطمة. ما تضيعيش دقيقة واحدة. أنا مش هسمح إن اللي حصل لي زمان يتكرر قدام عيني.
خرجنا بسرعة، وجاسر جري ورانا. طول الطريق للمستشفى، كنت ماسكة إيد بنتي وبحاول أطمنها، رغم إن قلبي كان بيتقطع من الخوف.
— بصي لي يا نهى، أنا معاكي يا حبيبتي. هنروح للدكتور، وهو هيطمننا على البيبي.