ست غجريه عجوز حكايات محمد نور

واحدة.
قولي.
تعملوا صندوق علاج مجاني باسم والدتك سلمى، يساعد الناس اللي مش قادرة تدفع تكاليف العلاج.
سكت أحمد.
ثم ابتسم.
ده وعد.
وبعد سنة، افتتح أحمد مركزًا طبيًا خيريًا يحمل اسم زوجته الراحلة.
وكانت الحاجة زينب أول شخص يتم تكريمه فيه.
أما مالك، فأصبح مسؤولًا عن إدارة المركز.
وفي أول يوم افتتاح، وضع المج الأبيض في صندوق زجاجي صغير.
وكتب تحته
مش كل حاجة بنشوفها بعينينا هي الحقيقة… وأحيانًا، إنقاذ إنسان يبدأ بسؤال بسيط.
وبكده انتهت حكاية المج الأبيض.
لكن أحمد احتفظ بالكراسة القديمة للحاجة زينب.
لأنها كانت السبب في إنه يفهم أهم درس في حياته
ما تستسلمش لليأس، وما تتهمش حد من غير دليل، وما تسيبش الخۏف يمنعك من البحث عن الحقيقة بعد مرور ست شهور على افتتاح المركز الطبي، كانت حياة أحمد ومالك بدأت ترجع لطبيعتها.
مالك رجع شغله بالتدريج، وصحته اتحسنت بشكل واضح.
لكن الحاجة زينب ما كانتش بتظهر كتير.
كانت بتيجي للمركز مرة كل أسبوع، تطمئن على المرضى وتمشي بهدوء.
وفي يوم، أحمد لاحظ إنها جت وهي شايلة نفس الكراسة القديمة.
قال لها
لسه بتكتبي فيها؟
ابتسمت.
الكراسة دي ما خلصتش.
يعني إيه؟
فتحتها أمامه.
الصفحات الأخيرة كانت مليانة أسماء وتواريخ.
أحمد استغرب
دي أسماء مرضى؟
أيوه.
وليه بتكتبيهم؟
زينب قالت
لأن فيه ناس كتير مروا بنفس اللي مر بيه مالك.
أحمد سكت.
تقصدّي إن فيه حالات تانية؟
أنا مش بقول إن كل الحالات مرتبطة ببعض، لكن فيه ملاحظات مشتركة لازم تتراجع.
مالك، الذي كان واقفًا بالقرب منهما، اقترب.
إيه الملاحظات؟
زينب قلبت صفحة.
أعراض بتظهر في أوقات متقاربة، وتقارير بتتغير، وأحيانًا علاجات ما بتكونش مناسبة.
مالك قال
يعني ممكن يكون فيه ناس تانية اتضررت؟
ممكن.
أحمد أخذ الكراسة.
لازم نبلغ الجهات المختصة.
زينب ابتسمت.
وده اللي كنت مستنياه منك.
في اليوم التالي، سلّم أحمد الكراسة كاملة للجهات المسؤولة، مع كل المستندات التي ظهرت في قضية مالك.
وبدأ تحقيق جديد.
هذه المرة لم يكن أحمد متهمًا ولا صاحب مصلحة.
كان شاهدًا.
ومع مرور الأسابيع، ظهرت ملفات قديمة لمرضى آخرين.
بعضهم حصل على حقوقه.
وبعضهم احتاج إلى إعادة تقييم علاجه.
أما الشخص الذي تسبب في أزمة مالك، فبدأت محاكمته.
وفي إحدى جلسات التحقيق، قال
أنا كنت فاكر إن أحمد هو السبب في كل اللي حصل لي.
لكن التحقيق أثبت أن جزءًا كبيرًا من المعلومات التي اعتمد عليها كان مبنيًا على مستندات مزورة.
وعندما سُئل عن مالك، قال
أنا ما كنتش متوقع إنه يقاوم بالشكل ده.
وصل الكلام لأحمد.
لكنه لم يشعر بالانتصار.
قال فقط
المهم إن ابني رجع.
وفي المساء، عاد إلى البيت.
وجد مالك في المطبخ.
كان يحضر لنفسه مشروبًا دافئًا.
أحمد ضحك
إيه؟ رجعت تعمل المج الأبيض؟
مالك ابتسم
المرة دي أنا اللي هعمله لك.
جلس الاثنان في المطبخ.
وبعد لحظات دخلت الحاجة زينب.
قالت
واضح إن المج بقى فرد من العيلة.
ضحكوا جميعًا.
لكن قبل أن تجلس، وضعت الكراسة على الطاولة.
أحمد نظر إليها.
لسه فيه حاجة؟
زينب قالت
صفحة واحدة.
فتح أحمد الصفحة الأخيرة.
كان مكتوبًا فيها
القصة الحقيقية لم تبدأ يوم مرض مالك… بدأت قبلها بعشرين سنة.
رفع أحمد عينيه.
يعني إيه؟
زينب قالت
يعني إن فيه سر قديم لسه ما عرفناهوش.
مالك سأل
سر إيه؟
زينب أغلقت الكراسة.
سر والدتك سلمى.
ساد الصمت.
لأن اسم سلمى لم يُذكر في أي ورقة من القضية.
أحمد قال بصوت منخفض
إيه علاقة أمي بالموضوع؟
زينب ردت
مش والدتك…
ثم نظرت إلى أحمد مباشرة.
والدة مالك.
وتحت الصمت الذي ملأ المكان، وضعت أمام أحمد ظرفًا أصفر قديمًا.
وقالت
ده وصلني قبل ۏفاة سلمى بأسبوع.
أحمد مد يده نحو الظرف.
لكن قبل ما يفتحه…
رن جرس الباب.
كان شخصًا مجهولًا واقفًا أمام الفيلا.
ومعه ظرف آخر.
وقال للحارس
سلّمه لأحمد الرفاعي، وقوله إن ده آخر جزء من الحقيقة.
وبمجرد ما وصل الظرف إلى أحمد…
عرف من الخط المكتوب عليه أنه خط سلمى نفسها فتح أحمد الظرف بإيدين مرتعشتين.
جواه ورقتين بس.
الورقة الأولى كانت مكتوبة بخط سلمى
أحمد، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة اللي فضلت مخبياها سنين.
أنا ما خبيتش عنك حاجة عشان أخدعك، بالعكس… كنت بحاول أحميك أنت ومالك.
أحمد وقف عن القراءة.
مالك قرب منه وقال
كمّل يا بابا.
رجع أحمد للورقة.
قبل ولادة مالك بسنين، اشتغلت فترة قصيرة في مشروع طبي كان هدفه مساعدة المرضى اللي عندهم أمراض مزمنة.
المشروع كان ناجح في البداية، لكن بعد فترة اكتشفت إن فيه ناس بتغيّر بيانات المرضى وتستخدم أرقامهم في تقارير ما لهاش علاقة بالحقيقة.
لما حاولت أتكلم، قالولي أسكت.
ولما رفضت، بدأت ألاقي حاجات غريبة بتحصل.
أحمد رفع عينيه.
ليه ما قالتليش؟
الحاجة زينب قالت بهدوء
يمكن كانت خاېفة عليك.
أحمد كمل.
أهم حاجة لازم تعرفها إن توقيعك ظهر في أوراق المشروع، رغم إنك ما مضيتش عليها.
أنا احتفظت بصورة من الورقة الأصلية.
والنسخة اللي عليها توقيعك موجودة في مكان محدش يعرفه غيري.
مالك قال
يعني التوقيع اتزوّر من زمان؟
أحمد هز رأسه.
واضح.
ثم قرأ السطر الأخير
لو حصل لي أي حاجة، ما تدورش على الشخص اللي كسب من المشروع.
دور على الشخص اللي كان مسؤول عن حفظ الملفات.
توقف أحمد.
قال
حفظ الملفات؟
زينب ردت
فاكر المخزن القديم؟
أيوه.
كان فيه موظف مسؤول عن الأرشيف.
مالك سأل
فينه دلوقتي؟
زينب قالت
هنا المشكلة.
في نفس اللحظة، سمعوا صوت مفتاح بيتحرك في باب الفيلا.
أحمد وقف فورًا.
لكن الباب اتفتح، ودخل رجل في الخمسينات.
كان اسمه محمود.
محمود كان موظفًا قديمًا عمل مع سلمى في المشروع.
أحمد عرفه فورًا.
إنت؟!
محمود قال
أنا عارف إن الوقت اتأخر، بس لازم أقول لكم الحقيقة قبل ما أموت.
مالك قال
إنت كنت مسؤول عن الملفات؟
محمود أومأ.
أيوه.
وأوراق أبويا؟
سكت محمود ثواني.
ثم قال
أنا شفت التزوير بعيني.
أحمد اقترب منه.
مين اللي عمله؟
محمود أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
الشخص اللي كان ماسك الخزنة.
ثم وضع المفتاح فوق الطاولة.
لكن اسمه مش موجود في أي ملف.
أحمد سأله
ليه؟
محمود رد
لأن اسمه اتشال من السجلات قبل ما سلمى تعرف الحقيقة كاملة.
مالك سأل
والخزنة فين؟
محمود أشار إلى المفتاح.
في المكان اللي بدأ منه كل شيء.
زينب نظرت لأحمد.
المخزن رقم 17.
ساد الصمت.
أحمد أخذ المفتاح.
وفي صباح اليوم التالي، ذهبوا جميعًا إلى المخزن القديم.
كان المكان مهجورًا منذ سنوات.
فتح أحمد الباب.
دخلوا.
غبار كثيف، صناديق قديمة، ملفات متآكلة.
وفي آخر الغرفة كانت هناك خزنة حديدية صغيرة.
أدخل أحمد المفتاح.
دارت الخزنة بسهولة.
وفي الداخل وجدوا ملفًا واحدًا فقط.
وعليه اسم
سلمى الرفاعي.
لكن المفاجأة لم تكن في الملف.
كانت في الصورة الموجودة فوقه.
صورة قديمة لسلمى…
وبجانبها رجل مجهول.
وتحت الصورة جملة بخط يدها
لو شفت الصورة دي، اعرف إن الرجل ده هو الوحيد اللي يقدر يشرح لك ليه مالك اتعرض للخطړ بعد عشرين سنة.
مالك نظر للصورة طويلًا.
ثم قال
بابا…
نعم؟
أنا شفت الراجل ده قبل كده.
أحمد تجمد مكانه.
فين؟
مالك أشار إلى الصورة.
وقال
في آخر أسبوع كنت مريض فيه… كان بييجي يقف بعيد عن باب المستشفى.
رفع أحمد الصورة.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفه.
رقم مجهول.
رد.
جاءه صوت رجل هادئ
أخيرًا فتحتوا الخزنة.
أحمد قال
إنت مين؟
الرجل أجاب
الشخص اللي سلمى كانت بتحاول توصلك له من عشرين سنة.
ثم أغلق الخط.
وبعد ثوانٍ وصلت رسالة على هاتف أحمد.
كانت عبارة عن عنوان فقط.
وتحته كلمة واحدة
تعال لوحدك أحمد فضل باصص للرسالة ثواني.
كان مكتوب تعال لوحدك.
لكن أحمد ما راحش.
قال بهدوء
اللي بيطلبني لوحدي بعد كل اللي حصل، أكيد عايز يخبّي حاجة.
اتصل بالشرطة، وحكى لهم كل اللي حصل، واتفقوا إن المقابلة تتم تحت مراقبة كاملة.
وفي اليوم التالي، وصل أحمد للمكان المحدد.
كان مبنى قديم مهجور.
دخل الرجل، وبعد دقائق ظهر نفس الشخص الموجود في الصورة.
أحمد عرفه فورًا.
قال
إنت كنت مسؤول الخزنة.
الرجل سكت.
وسلمى كانت عارفة إنك بتزوّر الملفات.
الرجل رد
سلمى اكتشفت الحقيقة، وأنا حاولت أخوفها عشان تسكت.
أحمد سأله
ومالك؟
قال الرجل
مالك ما كانش المقصود في البداية. لما ظهرت الملفات القديمة من جديد، عرفت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *