يوم فرحي
بدأت تحاول تقنع أوليفيا إن الجواز مش مناسب.
بصيت لأمي وقلت
يعني كل الإهانات اللي وجهتيها لإيثان كانت بسبب خۏفك من مشكلة مالية قديمة؟
أمي ردت والدموع في عينيها
في البداية، أيوه. كنت فاكرة إن لو جوازكم انتهى، المشكلة هتفضل بعيدة عنك.
قلت لها بۏجع
لكن لما شوفتيه بيشتغل ويتعب ويفتح ورشته ويشتري معايا بيتنا، ليه مغيرتيش موقفك؟
أمي فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت
لأني كنت خاېفة أعترف إني ظلمته. كل ما كنت أشوفه بينجح، كنت بحس إن كلامي ليلة الفرح بقى أصعب عليّا. وبدل ما أعتذر، كنت بتمسك برأيي أكتر.
الكلام ده وجعني أكتر مما توقعت.
لأن أمي اعترفت أخيرًا إنها كانت غلطانة، لكن الاعتراف جه بعد خمس سنين من الإهانات والخصام.
إيثان اتكلم بهدوء
يا ليندا، أنا مش مستني منك تعترفّي إني نجحت. أنا كنت عايزك تحترميني كإنسان، وتحترمي اختيار بنتك.
أمي بصت له وقالت
أنا عارفة إني أذيتك، ومش هطلب منك تسامحني دلوقتي.
إيثان مردش، وده كان مفهوم.
لأن الاعتذار مهما كان صادقًا، مش بيمسح كل اللي حصل في لحظة.
بعد حوالي ساعة، خالي رجع ومعاه صندوق خشبي صغير.
فتحه قدام المحامي، وطلع منه ملف قديم محفوظ في غلاف بلاستيك.
المحامي بدأ يفحص المستندات، وقارن التواريخ والتوقيعات بالنسخ اللي كانت معاه.
وبعد مراجعة أولية، قال
الورق ده مهم، لكنه محتاج فحصًا ومراجعة للحسابات الأصلية قبل ما نقدر نحدد الحقوق المالية بشكل نهائي.
إيثان سأله
يعني نقدر نعرف إذا كان والدي ليه مستحقات فعلًا؟
رد المحامي
نعم، هنقدر نبدأ المراجعة بصورة أدق. لكن لازم نكون واضحين لحد دلوقتي، مفيش دليل كافي يسمح لنا نتهم أي شخص بالاستيلاء على أموال أو إخفاء حق عمدًا.
كنت بسمع الكلام، وفجأة لاحظت إن فيه ظرفًا صغيرًا ملتصقًا بظهر آخر صفحة.
أشرت له وقلت
هو إيه الظرف ده؟
المحامي فصله بحذر، وطلع منه جواب مطوي.
على ظهر الجواب كان مكتوب
إلى من يراجع حسابات الشراكة بعد وفاتي.
إيثان أخد نفسًا عميقًا.
ده خط أبويا.
المحامي فتح الجواب، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
إذا وصل هذا الخطاب إلى أيديكم، فأرجو ألا تجعلوا الخلاف على الأموال سببًا لقطيعة بين العائلتين. لقد بذلت ما أستطيع للوصول إلى تسوية عادلة، لكنني لا أريد لأبنائي أن يرثوا خصومة لم يختاروها.
وقف المحامي لحظة، ثم أكمل
أرجو مراجعة الحسابات والمستندات المرفقة بعناية، والتأكد من تنفيذ أي اتفاق تم التوصل إليه. وإذا بقي أي مبلغ مستحق، فيجب تسويته وفقًا للقانون والأدلة، دون ظلم لأي طرف.
إيثان غمض عينيه، وكأنه بيسمع صوت والده من جديد.
أما أنا، فحسيت إن الحقيقة بدأت تتضح، لكن المشكلة الأكبر كانت لسه موجودة.
لأن المحامي قلب الجواب، ولاحظ إن فيه صفحة تانية ناقصة.
قال باستغراب
الخطاب بيشير إلى مستند مرفق، لكن المرفق مش موجود.
خالي دانيال اتوتر.
المستندات اللي عندي هي كل اللي استلمته وقتها.
المحامي رد
إذن لازم نعرف إذا كانت الصفحة الناقصة موجودة في مكان آخر، أو إذا كان المقصود بها أحد المستندات الموجودة بالفعل.
أمي فجأة رفعت رأسها وقالت
أنا فاكرة الصفحة دي.
كلنا بصينا لها.
قالت بصوت متردد
والد إيثان سلّمني نسخة منها في اللقاء الأخير، وطلب مني أوصلها لوالد أوليفيا.
أبويا اټصدم.
إنتِ استلمتي الصفحة؟!
أمي هزت راسها.
أيوه… لكني وقتها كنت فاكرة إنها مجرد ورقة حسابات. وبعد ۏفاة والد إيثان، حطيتها وسط أوراق قديمة في البيت.
إيثان سألها
والورقة دي فين دلوقتي؟
أمي ردت بسرعة
مش عارفة. نقلنا البيت من سنين، وممكن تكون لسه وسط ملفات جدك القديمة.
المحامي طلب منها ما تبحثش في المستندات أو تتخلص من أي حاجة قبل ما يتم فحصها بشكل صحيح.
واتفقوا إنهم يراجعوا الملفات القديمة تحت إشرافه.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي، أمي قربت مني ومسكت إيدي.
قالت
أوليفيا، عارفة إنك زعلانة مني. وأنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل. لكن فيه حاجة لازم أقولها لك بعيدًا عن موضوع الفلوس.
بصيت لها من غير ما أرد.
كملت وهي بټعيط
في ليلة فرحك، بعد ما إيثان رد عليّا بهدوء قدام الناس، أنا رجعت البيت وكنت متأكدة إنه مش هيقدر يتحمل طريقتي. لكن لما عرفت إنك كنتِ بټعيطي، أبوكي قال لي إني لو فضلت أتعامل معاه بالشكل ده، ممكن أخسرك إنتِ كمان.
سكتت لحظة، ثم قالت
أنا وقتها كان عندي فرصة أعتذر. لكن بدل ما أعمل كده، قررت أستنى لحد ما جوازكم يفشل، علشان أقدر أقول لنفسي إني كنت صح.
نزلت دموعي.
مش لأن اعترافها أصلح كل حاجة، لكن لأنني أخيرًا فهمت إن اللي حصل مكنش مجرد خلاف على المال.
كان فيه كبرياء، وخوف من الاعتراف بالخطأ، وقرارات اتاخدت من غير ما حد يفكر في الأڈى اللي هتسببه.
مسكت إيد إيثان، وقلت لأمي
أنا مش هقدر أرجع علاقتنا زي الأول في يوم وليلة. لكن لو فعلًا ندمانة، لازم تثبتي ده بأفعالك، مش بكلامك بس.
أمي هزت راسها، وقالت
هحاول.
خرجنا من مكتب المحامي بعد العصر، وإيثان كان هاديًا على غير عادته.
وفي الطريق للبيت، سألته
إنت زعلان إننا فتحنا الموضوع ده؟
بصلي وقال
لأ. أنا زعلان إن أبويا ماټ وهو مش عارف إذا كان حقه اتسوى فعلًا ولا لأ. لكن دلوقتي عندنا فرصة نعرف الحقيقة، وده أهم من أي حاجة.
وبعدين ابتسم وأضاف
وبالمناسبة، أنا لسه شايف إن أفضل هدية في ذكرى جوازنا هي إننا نرجع بيتنا ونحتفل بالسنين الخمس اللي بنيناها سوا.
ابتسمت وسط دموعي.
لكن قبل ما نوصل البيت، جالي اتصال من المحامي.
رديت، وسمعته بيقول
أوليفيا، آسف إني بتصل في الوقت ده، لكن أثناء مراجعة المستندات ظهر تفصيل جديد. فيه تحويل مالي قديم مرتبط بالشراكة، ومصدره مش واضح لحد دلوقتي.
سألته
يعني إيه؟
قال
التحويل اتسجل بعد التاريخ اللي كان المفروض تتم فيه التسوية. محتاجين نعرف إذا كان مرتبطًا بالمشروع، أو بمعاملة منفصلة تمامًا.
بصيت لإيثان، وقلت للمحامي
وهل فيه اسم مرتبط بالتحويل؟
رد بعد لحظة صمت
أيوه. لكن قبل ما أقول لك الاسم، لازم أتأكد من صحة المستندات، لأن أي خطأ في تفسيرها ممكن يظلم شخصًا بريئًا.
أنهى المكالمة بعد ما أكد لنا إنه هيتابع المراجعة.
إيثان بصلي وقال
واضح إننا لسه في بداية الطريق.
هزيت راسي، وأنا بفكر في أمي وخالي وأبويا، وفي كل الأسرار اللي اكتشفناها في يوم واحد.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن المراجعة المالية هتكشف بعد أيام إن التحويل ده كان مرتبطًا بقرار اتاخد بعد ۏفاة جدي مباشرة… قرار محدش في العيلة كان مستعد يتحمل مسؤوليته.
والأغرب إن المستند اللي ممكن يفسر القرار ده كان لسه موجودًا في مكان قريب جدًا من بيتنا، من غير ما نعرف!
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت إيثان وهو بيتكلم في التليفون في الصالة. كان صوته منخفض، لكن من نبرة كلامه فهمت إن فيه حاجة مش طبيعية.
سمعته بيقول
أنا مش هتهم حد من غير دليل، بس لازم أعرف مين وقّع على التحويل ده… ولو الورق ناقص، هنفضل ندور لحد ما نوصل للحقيقة.
لما دخلت عليه، قفل المكالمة وبصلي.
سألته بقلق
المحامي اتصل؟
هز راسه وقال
أيوه. فيه تطور جديد. التحويل المالي اللي اكتشفه مرتبط بحساب الشركة القديمة، لكن فيه مشكلة في التاريخ. التحويل حصل بعد ۏفاة أبويا، ومع ذلك اتسجل في الدفاتر كأنه جزء من التسوية اللي كانت بتحصل وهو عايش.
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
يعني حد غيّر الحسابات؟
إيثان رد بحذر
لسه منعرفش. ممكن يكون خطأ في التسجيل، وممكن تكون فيه مستندات ناقصة. عشان كده مش عايز أظلم حد.
وبعدين طلع من درج المكتب صورة كان المحامي بعتها له.
كانت صورة لصفحة من دفتر حسابات قديم، وفي آخرها توقيع واضح وتاريخ مكتوب بخط مختلف عن باقي الصفحة.
قربت منها، وفجأة لاحظت حاجة.
قلت له
استنى… التوقيع ده مش غريب عليك؟
إيثان بص للصورة تاني، وبعدها سكت.
سألته
إيه؟ تعرفه؟
رد بعد تردد
مش متأكد، لكن شبه توقيع جورج.
جورج، زوج أمي، والراجل اللي رباني من وأنا صغيرة، واللي طول عمره بيحاول يظهر إنه بعيد عن خلافات العيلة.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
قلت بسرعة
مستحيل! يمكن يكون توقيع حد تاني.
إيثان حط الصورة على الترابيزة وقال
وده بالضبط اللي لازم نتأكد منه. التشابه مش دليل.
كنت عايزة أصدقه، وفي نفس الوقت كنت خاېفة من الإجابة.
لأن لو التوقيع فعلًا توقيع جورج، يبقى فيه احتمال إنه كان يعرف تفاصيل إحنا لسه مكتشفينها.
بعد الظهر، اتصلت بأمي وطلبت منها تيجي عندي، وطلبت من جورج ييجي معاها.
أول ما دخلوا، حطيت صورة المستند قدامهم.
جورج فضل باصص لها من غير كلام.
أمي لاحظت تغير وشه، فسألته
إنت شفت الورقة دي قبل كده؟
رفع عينيه ببطء وقال
أيوه.
الكلمة نزلت علينا كلنا كأنها صدمة.
أنا قربت منه وسألته
إمتى يا جورج؟ وإنت تعرف إيه عن التحويل ده؟
قعد على الكرسي، ومرر إيده على وشه، وبعدها قال
أنا كنت مسؤول عن بعض الأعمال الإدارية في الشركة لفترة قصيرة بعد ۏفاة جدك. ولما ظهرت مشكلة الحسابات، طلبوا مني أراجع شوية أوراق.
إيثان سأله
هل أنت اللي وقّعت على التحويل؟
جورج رفع عينيه وقال
التوقيع ده توقيعي، لكن لازم تفهموا حاجة مهمة أنا ماكنتش صاحب القرار المالي، وماكانش من حقي أتصرف في أموال الشركة لوحدي.
أمي شهقت وقالت
إنت عمرك ما قلت لي إنك وقّعت على ورقة تخص الشراكة!
رد عليها
لأن الورقة دي ماكنتش أمر تحويل. كانت إثبات استلام ملف للمراجعة، على الأقل ده اللي فاكره.
المحامي، اللي كان إيثان قد اتصل به وطلب منه ينضم للاجتماع، تدخل وقال
إذن لازم نشوف أصل المستند والصفحات اللي قبله وبعده. توقيعك ممكن يكون له معنى مختلف تمامًا عن اللي ظاهر في الصورة.
جورج أومأ، وبعدها قال جملة خلتني أركز معاه بكل حواسي
لكن فيه حاجة أنا متأكد منها… بعد ۏفاة والد إيثان، جالي ظرف في البيت، وكان جواه مستندات تخص الشركة. وأنا سلّمت الظرف للشخص اللي طلبه مني.
سألته فورًا
مين الشخص ده؟
جورج بص لأمي، وبعدها رجع بص لي.
جدتك، والدة أمك.
اتجمدت مكاني.
جدتي كانت مټوفية من سنين، وكل أوراقها تقريبًا اتنقلت لبيت العيلة القديم، البيت اللي أمي احتفظت فيه بصناديق وملفات كتير.
أمي قالت بصوت منخفض
بس جدتي ماكانتش بتدخل في شغل جدي.
جورج رد
هي ماكانتش بتدير الشركة، لكن بعد ۏفاته كانت بتحاول تحافظ على أوراقه، وكانت عايزة تتأكد إن كل حاجة اتقفلت بشكل صحيح.
المحامي سأله
هل عندك أي إثبات إنك سلّمتها الظرف؟
جورج هز راسه.
كان فيه إيصال استلام، لكن مش فاكر حطيته فين.
أمي قامت من مكانها فجأة.
أنا فاكرة الصناديق! فيه صندوق خشب قديم في المخزن، كان بتاع جدتي، ومحدش فتحه من يوم ما نقلنا الأثاث.
إيثان بصلي وقال
يمكن نلاقي فيه المستند الناقص.
في نفس اليوم، رحنا بيت العيلة القديم.
المكان كان مقفول من فترة طويلة، والريحة فيه كانت خليط من الخشب القديم والتراب. أمي فتحت المخزن، وبدأنا ندور بين الصناديق.
بعد حوالي نص ساعة، لقينا صندوقًا خشبيًا عليه اسم جدتي محفور بخط صغير.
جورج قرب منه، لكنه وقف قبل ما يفتحه.
قال
أنا فاكر الصندوق ده. جدتك كانت بتحتفظ فيه بالأوراق اللي تخص جدي وجدك.
أمي جابت المفتاح من درج قديم، وفتحنا الصندوق.
كان جواه خطابات، وصور عائلية،