حكاوي شيمو

أنا ولده وابني متوفي من ٤٥ يوم، وسلفتي ولدت بنت من أسبوع، والسبوع كان امبارح، ومحدش عزمني ولا حتى كلّف نفسه يقولي إنها ولدت إمتى أو السبوع إمتى، ولا حتى عرفت إنها ولدت بنت ولا ولد!
عرفت بالصدفة من جوزي وهو بيقولي إنه نازل يحضر السبوع، وأنا وقتها حسيت إن قلبي بيتعصر من الوجع، مش عشان محدش عزمني وبس، لكن عشان أنا لسه خارجة من مصيبة موت ابني، ولسه كل ركن في البيت بيفكرني بيه، ولسه هدومه وحاجته موجودة زي ما هي، وأنا كل يوم بصحى من النوم على أمل إني أكون بحلم، وبعدين أفتكر الحقيقة وأدخل في نوبة عياط من جديد.
بصيت لجوزي وقلتله بصوت مكسور: — يعني إيه يا أحمد؟ مرات أخوك ولدت ومحدش حتى قالي؟ وإنت عرفت منين؟
قالي وهو بيلبس: — هو أنا مالي يا ستي؟ أنا عرفت إن السبوع النهارده، وهروح أبارك لأخويا وأرجع.
قلتله والدموع في عيني: — طب وأنا؟ مش أنا مراتك؟ مش المفروض كنت تقولي إن مرات أخوك ولدت؟ ولا أنا بقيت غريبة عنكم للدرجة دي؟
رد بضيق: — يا ستي هو ناقص وجع دماغ؟ إنتِ مش شايفة نفسك عاملة إزاي؟ أنا رايح أبارك لأخويا، مش رايح أحارب!
سكت، مش عشان اقتنعت بكلامه، لكن عشان كنت حاسة إن أي كلمة هقولها هتخليني أعيط أكتر.
نزل جوزي، وأنا فضلت قاعدة لوحدي، ببص على سرير ابني الصغير اللي لسه مش قادرة أقرب منه، وعلى هدومه اللي كنت كل ما أمسك قطعة منها أشم ريحته وأضمها لصدري.
وفجأة افتكرت يوم ما شيلته بين إيديا أول مرة، وافتكرت فرحتي بيه، وافتكرت إني كنت بحلم أشوفه بيكبر قدامي، وأفرح بأول كلمة يقولها، وأول خطوة يمشيها، لكن ربنا اختاره عنده، وأنا راضية بقضائه، بس قلبي أم، والوجع أكبر من قدرتي على الاحتمال.
فضلت أعيط لحد ما حسيت إني مش قادرة أتنفس من كتر البكا.
بعد ساعات، سمعت مفتاح الباب.

جوزي رجع من السبوع، دخل غير هدومه وخرج من الأوضة، ولما شافني قاعدة منهارة، قال: — إنتِ لسه بتعيطي؟ هو الموضوع ده مش هيخلص بقى؟
بصيتله وقلت: — أنا مش بعيط عشان السبوع يا أحمد، أنا بعيط على ابني، وعلى إحساسي إني لوحدي، وعلى إن محدش حاسس بيا. أنا كنت محتاجة منك كلمة واحدة، تحضني وتقولي ربنا يعوض علينا، وإننا هنفضل مع بعض مهما حصل.
بصلي شوية، وبعدها قال: — طب ما أنا أهو جنبك! أعملك إيه يعني؟ أرجعلك الواد؟ ده قضاء ربنا!
الكلمة نزلت على قلبي زي الس\كينة.
قلتله وأنا مش مصدقة اللي سمعته: — إنت بتقول إيه يا أحمد؟ هو أنا طلبت منك ترجعلي ابني؟ أنا بطلب منك ترحمني بكلمة، تحس بيا، تطبطب عليا، بدل ما كل ما أعيط تحسسني إني عاملة مصيبة!
رد بعصبية: — خلاص بقى، أنا تعبان وعايز أنام، مش ناقص نكد.
دخل الأوضة ونام، وأنا فضلت في مكاني لحد الفجر، لا أكلت ولا شربت، وكل ما أغمض عيني أشوف ابني قدامي.
تاني يوم، صحيت على وجع في قلبي أكبر من وجع جسمي، وقلت لنفسي إني لازم أقف على رجلي، وإن الحياة لازم تكمل، وإن ربنا قادر يعوضني بذرية صالحة تفرح قلبي من جديد.
أنا جالي الحيض بعد الولادة بحوالي ٣٥ يوم، ومن عشر أيام بدأت أتابع مع الدكتورة، وكنت في فترة التبويض، وباخد العلاج اللي وصفتهولي علشان يساعدني في الحمل، وكمان علاج لتجفيف اللبن، وجوزي كمان كان بياخد علاج.
كنت متعلقة بأمل الحمل تعلق الغريق بقشة، مش نسيانًا لابني، ولا عشان أعوضه بطفل تاني، لكن عشان نفسي أحس إن ربنا لسه كاتبلي فرحة، وإن البيت اللي سكت بعد صوت ابني ممكن يسمع صوت طفل من جديد.
الصبح، جوزي صحي علشان يروح الشغل، ولما لقاني صاحية، قرب مني، وحصل بينا جماع، لكن من غير كلمة حلوة، ولا حضن، ولا حتى سؤال عن حالي.
دقيقتين وانتهى كل شيء.
قام دخل الحمام، استحمى، لبس هدومه، وخرج علشان يروح شغله، كأن مفيش حاجة حصلت.
فضلت باصة للسقف، وحاسة إني مش بني آدمة، ولا زوجة ليها مشاعر، ولا ست لسه قلبها مكسور على ابنها.
حسيت إني بقيت مجرد وسيلة علشان أحمل، وخلاص!
اتصلت بيه وأنا بعيط، وقلتله: — هو إنت إزاي قدرت تسيبني طول الليل بعيط، وتصحى الصبح من غير ما حتى تسألني مالك، وتقرب مني بالطريقة دي؟ هو أنا بقيت مجرد أداة علشان أخلف؟ أنا مش بني آدمة عندي قلب ومشاعر؟
رد ببرود: — هو إحنا هنفتح الموضوع ده تاني؟ إنتِ عارفة إن دي فترة التبويض، ومش عايز أضيعها. إحنا الاتنين بناخد علاج علشان ربنا يكرمنا، إيه المشكلة؟
قلتله: — المشكلة إنك نسيت إني مراتك! أنا مش بقولك متقربش مني، أنا بقولك قرب مني بحب، حسسني إنك عايزني أنا، مش عايز الحمل وبس. أنا فقدت ابني يا أحمد، ومحتاجة أحس إن ليا ضهر وسند، مش إني لوحدي في الدنيا!
قال بنفاد صبر: — أنا مش فاضي للعب العيال والمحن ده!
وقفل في وشي.
ساعتها حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت، وإن حتى الشخص اللي كنت فاكرة إنه هيشيلني لما أقع، هو نفسه اللي سايبني أقع ومش راضي يمد إيده.
فضلت أعيط، وبعدها بعتله رسالة قلتله فيها: «أنا مش زعلانة عشان العلاقة حصلت من غير رومانسية، أنا زعلانة عشان حاسة إنك مش شايفني. أنا لسه أم فقدت ابنها من ٤٥ يوم، ولسه مش قادرة أستوعب اللي حصل، وكل اللي كنت محتاجاه منك إنك تحضني وتقولي أنا معاكي. أنا مش ماكينة خلفه يا أحمد، أنا مراتك، وأنا إنسانة بتتوجع».
شاف الرسالة ومردش.
عدى اليوم كله وأنا قاعدة في الأوضة، مش قادرة أقوم أعمل أي حاجة، لحد ما أمي اتصلت بيا، وأول ما سمعت صوتها انفجرت في العياط.
قالتلي: — مالك يا بنتي؟ إنتِ صوتك عامل كده ليه؟ هو أحمد زعلك؟
حاولت أخبي عليها، لكن مقدرتش، وحكيتلها كل اللي حصل من أوله لآخره.
أمي سكتت شوية، وبعدين قالتلي: — يا حبيبتي، أنا عارفة إنك موجوعة، وربنا وحده عالم باللي في قلبك، بس خلي بالك من نفسك. إنتِ مش مطالبة تثبتي لحد إنك قوية، ولا لازم تحملي بسرعة علشان ترضي جوزك أو تسكتي وجعك. خدي وقتك، واهتمي بصحتك، واللي ربنا كاتبه هيكون.
كلام أمي خلاني أعيط أكتر، لأني كنت محتاجة أسمع الكلام ده من جوزي، مش من أمي اللي بعيدة عني.
بالليل، أحمد رجع من الشغل، دخل لقى الأكل زي ما هو، وأنا قاعدة على الكنبة، عيني وارمة من العياط.
قال: — إنتِ لسه مأكلتيش؟ هو إنتِ ناوية تعملي في نفسك إيه؟
بصيتله وقلت: — أنا مش قادرة يا أحمد، والله مش قادرة.
رد: — طيب أنا هعملك إيه؟ كل الناس بتفقد ولادها، والحياة بتكمل.
قمت وقفت قدامه وقلتله: — كل الناس؟! إنت بتقارن وجعي بوجع الناس؟ إنت فاكر إني عايزة أفضل أعيط؟ أنا نفسي أضحك، نفسي أنام ليلة من غير ما أصحى مفزوعة، نفسي أبطل أفتكر اللحظة اللي ابني راح فيها، بس مش عارفة! كنت مستنياك تبقى أحن واحد عليا، مش أكتر واحد يقسى عليا.
بصلي وقال: — إنتِ مكبرة الموضوع أوي، وأنا مش هفضل طول عمري أتحاسب على كل كلمة بقولها.
قلتله: — وأنا مش هفضل طول عمري أترجى منك إحساس!

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *