الكاتبه مارلي إيهاب

بغلطتي من غير ما يهينني.
ويمكن لأنني، رغم كل اللي حصل، بدأت أحس إن الدكتور يوسف مش مجرد عريس أمي اختارته لي.
لكنني وقتها مكنتش أعرف إن مقابلتنا دي كانت مجرد البداية.
لأن بعد يومين، وأنا قاعدة في البيت، سمعت صوت جرس الباب.
فتحت، ولقيت أمي واقفة وراها الدكتور يوسف!
أمي قالت بمنتهى البراءة
الدكتور جه يطمن على صحتك.
بصيت لها، وبعدين بصيت له.
وقلت في سري
يا نهار أبيض… هو أنا هفضل أشوف الراجل ده لحد ما شعري يطول؟!
لكن يوسف ابتسم وقال
مساء الخير يا سلمى. جاي أطمن إنك بدأتي تتابعي موضوع الأنيميا، وإنك مش ناوية تعالجيها بفيديو جديد من تيك توك.
ولأول مرة من يوم المقابلة، ضحكت من قلبي.
يتبع في الجزء الثاني…
الجزء الثاني الدكتور اللي رفض يمشي من حياتي
أنا كنت متخيلة إن زيارة الدكتور يوسف هتكون عبارة عن خمس دقايق، يسألني عن صحتي، ويطمن إنني بدأت أتابع الأنيميا، وبعدها يمشي في حال سبيله.
لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا.
أمي دخلته الصالة، وقدمت له الشاي والحلوى، وقعدت تحكي له عن طفولتي، وعن شقاوتي، وعن إني كنت بعاندها حتى في أبسط القرارات.
وأنا قاعدة قدامهم، حاسة إن أمي بتقدم اعترافات كاملة عني، من غير ما تسيب لي فرصة أدافع عن نفسي.
قالت له
يا دكتور، سلمى من وهي صغيرة دماغها ناشفة. لو قررت تعمل حاجة، تعملها حتى لو الدنيا كلها قالت لها لأ.
يوسف بص لي وقال
واضح إن الصفة دي لسه موجودة.
قلت له
حضرتك جاي تطمن على صحتي، ولا جاي تعمل تقرير عن شخصيتي؟
ضحك وقال
الاتنين، طالما صاحبة الحالة مصممة تساعدني.
أمي ضحكت، وأنا كنت عايزة أستخبى جوه الكاب اللي بقيت بلبسه طول الوقت.
بعد ما شرب الشاي، يوسف سألني عن نتائج المتابعة، وهل رحت للدكتور المختص ولا لسه.
قلت له إني حجزت موعدًا لمراجعة التحاليل، وإنني بدأت أهتم بأكلي، لكنني لسه مش متعودة على فكرة إني لازم أتابع صحتي بدل ما أطنش أي تعب.
قال
كويس. المهم تلتزمي بالخطة اللي الطبيب هيحددها، ومتعتبريش إن التعب حاجة لازم تتعايشي معاها وخلاص.
ثم الټفت لأمي وقال
أنا شايف إن سلمى محتاجة تهتم بصحتها، لكن من غير خوف زيادة أو افتراض أسوأ الاحتمالات.
أمي هزت راسها، وبعدها قامت تجيب له فاكهة.
أول ما خرجت من الصالة، يوسف بص لي وقال
ممكن أسألك سؤال؟
قلت
اتفضل.
إنتِ فعلًا مكنتيش عايزة تتجوزي، ولا كنتِ بس مش عايزة تتجوزي بالطريقة اللي أهلك بيحاولوا يفرضوها عليكي؟
السؤال فاجأني.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قلت
أنا مش ضد الجواز. بالعكس، نفسي في بيت هادي وشخص أحس معاه بالأمان. بس أنا بخاف من فكرة إني أقابل حد عشر دقايق، وبعدها الناس كلها تقرر إن ده الشخص المناسب ليا، وكأن رأيي مش مهم.
يوسف كان بيسمع من غير ما يقاطعني.
كملت
أنا بخاف أوافق عشان أرضي أهلي، وبعدها أكتشف إني مش مرتاحة. وبخاف أرفض، فأبقى في نظرهم بنت بتضيع الفرص. وكل ما أمي تكلمني عن الجواز، بحس إن حياتي بقت مشروع لازم يتنفذ بسرعة.
يوسف سكت لحظة، ثم قال
أنا فاهم ده. بس فيه فرق بين إنك ترفضي حاجة مش مناسبة ليكي، وبين إنك ټأذي نفسك أو تخوفي الناس عشان تهربي منها.
هزيت راسي.
عارفة. وأنا اتعلمت الدرس بالطريقة الأصعب.
ابتسم وقال
واضح.
في اللحظة دي، أمي رجعت بالصينية، وانتهى الكلام.
لكن قبل ما يوسف يمشي، أمي أصرت إنه يتغدى معانا في يوم تاني.
هو اعتذر بأدب وقال إن عنده شغل، لكنه وعد إنه هيطمن على نتيجة المتابعة لما أكون خلصتها.
وبعد ما خرج، أمي قفلت الباب وبصت لي.
إيه رأيك فيه؟
قلت بسرعة
ماما، كفاية بقى! الراجل جاي يطمن على صحتي.
ردت
وأنا سألتك رأيك فيه، مش سألتك جاي ليه.
اتنهدت وقلت
محترم.
ابتسمت ابتسامة واسعة.
يعني عجبك؟
أنا مقولتش كده!
بس وشك قال.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وسمعت أمي بتضحك من ورا الباب.
كنت بحاول أقنع نفسي إن الموضوع مجرد زيارة عابرة، وإن الدكتور يوسف مش هيبقى جزءًا من حياتي.
لكن بعد كام يوم، حصل موقف خلاني أشوفه بطريقة مختلفة تمامًا.
كنت راجعة من الشغل، والجو كان حر جدًا، وأنا من الصبح مكلتش غير حاجة بسيطة.
وأنا طالعة السلم، حسيت بدوخة شديدة، واضطريت أقعد على أول درجة.
حاولت أقوم، لكن الدنيا كانت بتلف بيا.
طلعت موبايلي واتصلت بمريم.
أول ما ردت، قلت لها
يا مريم، أنا مش قادرة أقف.
صوتها اتغير فورًا.
إنتِ فين؟
على سلم العمارة.
إنتِ لوحدك؟
أيوه.
قالت بسرعة
متقفيش. أنا جاية لك.
قفلت معاها، وبعدها حاولت أتصل بأمي، لكن إيدي كانت بتترعش ومش عارفة أمسك الموبايل كويس.
وفجأة، سمعت صوت راجل بيقول
سلمى؟
رفعت راسي بصعوبة، ولقيت الدكتور يوسف واقف قدامي!
كان جاي يزور واحد من المرضى في نفس العمارة، وشافني قاعدة على السلم ووشي شاحب.
قرب مني وسألني
إنتِ مالك؟
قلت بصوت ضعيف
دوخة بس.
قعد على درجة السلم اللي جنبي، وسألني إذا كنت أكلت أو شربت حاجة.
ولما عرف إني تقريبًا مكلتش طول اليوم، ملامحه اتغيرت.
قال
إنتِ لسه بتهملي أكلك؟
حاولت أضحك وقلت
أنا كنت مشغولة.
رد بجدية
الانشغال مش مبرر إنك تهملي نفسك.
وبعدين سألني إذا كانت الدوخة شديدة أو معاها أي أعراض تانية، ولما لقى إني مش قادرة أقف بثبات، طلب المساعدة من البواب واتصل بالإسعاف بدل ما يحاول يخليني أمشي لوحدي.
فضل جنبي لحد ما وصلت المساعدة، وبعدها اتأكد إني وصلت للرعاية الطبية المناسبة.
كنت متوترة ومحرجة، وقلت له
أنا آسفة، شكلي بقيت عبء عليك.
بص لي باستغراب.
عبء؟ إنتِ تعبانة يا سلمى، ومحتاجة مساعدة. ده مش عيب.
الكلمتين دول أثروا فيا أكتر مما كنت متوقعة.
طول عمري كنت بحاول أبان قوية، حتى وأنا تعبانة، عشان محدش يقول عليا ضعيفة أو مدلعة.
لكن يوسف كان بيتعامل مع تعبي باعتباره حاجة طبيعية، مش دليل ضعف.
بعد ما اتطمنت إن حالتي مستقرة، وإن الدوخة محتاجة متابعة مع الطبيب بسبب الأنيميا وقلة الأكل، رجعت البيت
مع أمي.
وقبل ما يوسف يمشي، قال لي
خلي بالك من نفسك. ولو الدوخة رجعت أو ظهرت أعراض شديدة، متستنيش.
هزيت راسي وقلت
حاضر.
لكنه وقف عند الباب وأضاف
وبالمناسبة، أنا مش هفضل موجود كل مرة عشان أفكرك تاكلي.
ضحكت وقلت
يعني حضرتك ناوي تختفي؟
السؤال خرج مني من غير ما أفكر.
يوسف بص لي لحظة، وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة.
ده يتوقف على إذا كنتِ هتبطلي تعاندي ولا لأ.
ومشي.
فضلت واقفة عند الباب، وقلبي بيدق بسرعة غريبة.
مريم كانت موجودة، وسمعت الحوار كله.
أول ما الباب اتقفل، بصت لي ورفعت حاجبها.
إيه ده يا ست سلمى؟
قلت لها
إيه؟
هو الدكتور ده بيطمن على صحتك، ولا إنتِ اللي بدأتي تستني زياراته؟
صړخت
يا بنتي، اسكتي!
لكنها ضحكت وقالت
أنا صاحبتك من عشر سنين، وعارفاكي. إنتِ أول مرة حد يسألك أكلتي ولا لأ، تردي عليه بابتسامة بدل ما تتخانقي معاه.
رميت عليها المخدة، لكنها فضلت تضحك.
ومن يومها، بدأت علاقتي بيوسف تتغير بالتدريج.
مبقاش مجرد الدكتور اللي اكتشف كذبتي، لكنه بقى شخصًا بسأله عن حاجات كتير، مش بالضرورة طبية.
مرة سألته عن كتاب كان بيتكلم عنه، ومرة بعت له صورة لنبتة صغيرة اشتريتها وسألته إذا كان يعرف اسمها، ومرة اتصلت به أسأله عن طريقة أقدر أنظم بيها يومي من غير ما أنسى وجباتي.
كان بيرد لما يكون متاحًا، ولو مشغول، كان بيقول لي إنه هيرد بعدين.
والغريب إنه عمره ما استغل خۏفي أو إحراجي عشان يفرض نفسه عليا.
كان دايمًا واضحًا ومحترمًا، وبيسيب لي مساحة
أقرر بنفسي.
وفي يوم، كنت قاعدة معاه في كافيه بعد ما اتفقنا نتكلم بعيدًا عن جو المستشفى والمړض.
كنت لابسة فستان بسيط، وحاطة إيشارب خفيف على رأسي، لأنني لسه مش متعودة على شكلي الجديد.
بص لي يوسف وقال
إنتِ عارفة إنك مش مضطرة تستخبي طول الوقت؟
قلت
أنا مش مستخبية.
ابتسم.
طب ليه كل ما حد يبص لك، تشدي الإيشارب على راسك؟
سكت شوية، وبعدها قلت
لأني مش متعودة على شكلي. ساعات بحس إني فقدت جزءًا من أنوثتي.
يوسف فضل ساكت لحظة، وبعدين قال
أنا مش هقول لك إنك لازم تحبي شكلك من أول يوم، ولا هقول لك إن رأي الناس مش مهم، لأن ده مش حقيقي. لكن شعرك مش هو اللي بيحدد أنوثتك، ولا هو اللي بيحدد قيمتك.
رفعت عيني له.
كمل
إنتِ ممكن تحلقي شعرك، وممكن يطول، وممكن تغيري شكلك ألف مرة. لكن الأهم إنك متخليش خۏفك من نظرة الناس يمنعك تعيشي حياتك.
حسيت بغصة في حلقي.
قلت بهدوء
إنت بتتكلم كأنك عارف أنا بفكر في إيه.
رد
لأني شايفك بتحاولي تضحكي كل ما تتكسفي، وبتغيري الموضوع كل ما حد يقرب من حاجة بټوجعك.
لأول مرة، معرفتش أرد عليه.
قعدنا نتكلم وقت طويل، واكتشفت إن يوسف مش الشخص الجاد الصامت اللي كنت متخيلاه.
كان بيحب القراءة، وبيسمع موسيقى هادية وهو بيسوق، وبيكره التأخير، لكنه ساعات بينسى مفاتيحه في البيت.
ولما سألته ليه اختار تخصص الأورام، حكى لي عن تجربة قديمة في حياته، وعن شخص قريب منه مر بمرض صعب، وعن إزاي التجربة دي خلته يفهم إن المړيض مش مجرد نتائج تحاليل، لكنه إنسان عنده خوف وأحلام وحياة كاملة.
قال لي
أنا اتعلمت إن أهم حاجة أقدر أقدمها للمريض مش إني أوعده إن كل حاجة هتبقى كويسة، لكن إني أكون صريح معاه، وأساعده يفهم اللي بيحصل، وأفضل جنبه في حدود اللي أقدر عليه.
الجملة دي فضلت في دماغي طول الليل.
لأني اكتشفت إنه فعلًا عمل معايا كده.
رغم كذبتي، ورغم إنه كان ممكن يحرجني قدام أهلي، اختار يواجهني بغلطتي، ويساعدني أفهم حقيقة حالتي الصحية، من غير ما يحول الموقف لڤضيحة.
وبعد أيام، لما ظهرت نتيجة المتابعة واتأكد نقص الحديد، بدأت ألتزم بالعلاج اللي حدده الطبيب، وأهتم بأكلي، وأتابع التحسن خطوة بخطوة.
يوسف كان بيسألني من وقت للتاني إذا كنت التزمت بالمواعيد، لكنه مكنش بيتدخل في تفاصيل علاجي بدل الطبيب المسؤول.
كان بيسألني كإنسان مهتم، مش كأنه بيفرض عليا رقابة.
ومع مرور الوقت، بدأت أحس إنني بستنى رسائله.
لو بعت لي الصبح صباح الخير، أخبارك إيه؟، كنت أبتسم من غير ما أحس.
ولو اختفى يوم بسبب الشغل، كنت أفتح الموبايل كل شوية وأقنع نفسي إني مش مستنياه.
لكن الحقيقة كانت واضحة لمريم.
وفي يوم، قالت لي
إنتِ وقعتي.
قلت لها
وقعت في إيه؟
ردت
في الدكتور يوسف يا حبيبتي. ودي أول مرة أشوفك بتتكلمي عن راجل من غير ما تحاولي تلاقي فيه عيب.
حاولت أنكر، لكنني معرفتش.
كنت فعلًا بدأت أحبه.
لكن المشكلة إنني مكنتش عارفة إذا كان هو شايفني بنفس الطريقة، ولا كان مجرد شخص طيب قرر يساعدني بعد الموقف الغريب اللي حصل بيننا.
وفي مساء يوم خميس، كنت راجعة من الشغل، ولقيت رسالة منه
سلمى، لو إنتِ فاضية بكرة، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كتبت له
موضوع طبي؟
رد بعد ثوانٍ
لأ.
فضلت باصة للشاشة، ومش عارفة أبتسم ولا أقلق.
وبعدين بعت رسالة تانية
المرة دي، مفيش تحاليل ولا مستشفيات ولا كڈب. مجرد كلام صريح بيني وبينك.
في اللحظة دي، عرفت إن اليوم اللي كنت بخاف منه من أول مقابلة العريس قرب.
لكن المرة دي، أنا مكنتش عايزة أهرب.
يتبع في الجزء الثالث والأخير…
الجزء الثالث

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *